سر الوحمة ج 1 حكـايات مني السيد

“يا أمي… ممكن تحمّي آدم النهارده؟ سيبيها تنام شوية.”

ابتسمت، وشيلت حفيدي بين إيديا.

كانت أول مرة في حياتي أحمّيه.

مكنتش أعرف إن بعد دقايق قليلة هعرف السر اللي خلى ندى تمنع أي حد يقرب منه وقت الحمام طول الشهور اللي فاتت.

طلعت بيه الحمام، ومليت البانيو الصغير بمية دافية، وبدأت أقلعله البيجامة.

كان بيضحك ويخبط برجليه في المية وهو مبسوط.

ولما شيلت التيشيرت من عليه…

شفت حاجة استغربتها.

لزقة طبية ضد المية…

متحطوطة في نص ضهره، بين كتفيه بالظبط.

شكلها ما كانش جديد.

وكان واضح إنها بتتغير باستمرار.

افتكرت في الأول إنه متعور.

أو يمكن الدكتور حاططها على خدش بسيط.

ترددت شوية…

وبعدين رفعت طرف اللزقة.

اتشالت بسهولة.

لكن تحتها…

ما كانش فيه أي جرح.

ولا خياطة.

ولا حتى أثر إصابة.

كان فيه وحمة.

بنية غامقة.

واضحة جدًا.

وشكلها مميز لدرجة يستحيل حد ينساه.

في اللحظة دي…

قلبي وقع.

أحمد…

ابني…

ما عندوش الوحمة دي.

لكن…

في شخص تاني أعرفه كويس جدًا…

كانت عنده نفس الوحمة بالظبط.

إيديا بدأت تترعش.

ولولا ستر ربنا، كانت اللزقة هتقع في البانيو.

فضلت أبص لحفيدي…

وبعدين للوحمة مرة تانية.

وهمست لنفسي:

“لا…

مستحيل…”

وفجأة سمعت صوت خطوات جاية ناحية الحمام.

رفعت عيني…

ولقيت ندى واقفة على الباب.

أول ما شافت اللزقة مرمية على الأرض…

اختفى اللون من وشها.

وبصت بسرعة على ضهر آدم.

وبعدين بصتلي مباشرة.

وكان صوتها بيترعش وهي بتقول:

“إنتِ… شيلتي اللزقة؟”

👇 الجزء التاني هيكشف سر الوحمة، وليه ندى كانت مخبياها عن الكل، وإزاي اكتشافها قلب حياة العيلة كلها رأسًا على عقب.

**الفصل الثاني**
اللحظة دي الحمام بقى ساكن تمامًا. صوت نقط المية اللي بتنزل من الحنفية كان يرن في ودني زي ضربات طبلة، وإيديا اللي ماسكة جسم آدم الصغير كانت بتترعش لدرجة إني خفت يقع مني في المية.
ندى كانت واقفة عند الباب، سندت ضهرها على الحيطة كأن حيلها اتهد. وشها كان أبيض زي الفرخة المذبوحة، وعينيها رايحة جاية بين ضهر آدم، وبين اللزقة اللي وقفت تحت رجلي، وبين عيني اللي مليانة أسئلة وصدمة ومش قادرة تصدق.
“طنط…”
صوتها طلع مبحوح، ضعيف جدًا، زي ما تكون بتتطلع من تحت الأرض.
“أنا… أنا أقدر أشرحلك…”
مسكت نفسي بالعافية، وحضنت آدم بالفوطة بسرعة وغطيته. الواد كان لسة بيضحك ومبسوط بالمية، ومش فاهم إن العاصفة اللي حوليه دي بسببه. رفعت عيني فيها وقلت بصوت واطي ومخنوع، خايفة أحمد يسمعنا في الصالة:
“تشرحيلي إيه يا ندى؟ تشرحيلي إيه؟ الوحمة دي… الوحمة دي أنا عارفاها كويس أوي. دي مش وحمة عادية، ولا شكل عشوائي! دي رسمة ربنا خلقها في ضهر…”
قطعت كلامي وبلعت ريقي بصعوبة. مش قادرة أنطق الاسم. مش قادرة أقول إن الوحمة دي كانت في ضهر “ماجد”… طليق ندى الأولاني، الشاب اللي كانت متجوزاه قبل أحمد وطلقت منه بعد مشاكل كبيرة وقضايا كشفت إنه بني آدم مريض وشكاك ومؤذي!
ندى دخلت الحمام بسرعة، وقفلت الباب وراها بالمفتاح بالراحة عشان ما تعملش صوت. وقفت قدامي وركبها بتخبط في بعضها، ودموعها نزلت مرة واحدة، دموع صامتة مالية وشها.
“والنبي يا طنط اسمعيني…” وشتوشت وهي بتحط إيدها على بؤها عشان صوت عياطها ما يعلاش. “والله العظيم أحمد هو باباه! والله ما حد لمسني غير أحمد! اقسم بالله العظيم ابن أحمد!”
أنا كنت حاسة إن دماغي بتلف. الأفكار كانت بتخبط في بعضها زي موج البحر العالي.
“أومال الوحمة دي جت منين يا ندى؟” سألتها وأنا بحاول أجمع انفاسي، وإيدي بتطبطب على ضهر آدم المحطوط في الفوطة. “الوحمة دي بالظبط… بنفس الشكل… في نفس المكان بين الكتفين! دي مش صدفة! أنا شفت الوحمة دي زمان لما أحمد وراني صورته لما كنتوا بتتخانقوا في المحاكم وتكتبوا محاطر! إزاي الواد يطلع فيه نفس وحمة ماجد؟ إزاي؟!”
ندى قعدت على طرف البانيو، وحطت وشها بين إيديها وبقت تبكي بحرقة، جسمها كله كان بيهتز.
“الوحمة دي…” رفعت وشها بصعوبة وقالت: “الوحمة دي كابوس… كابوس ملاحقني من اليوم اللي طلعت فيه من بيت البني آدم ده!”
“أنا مش فاهمة حاجة!” قلت لها وأنا حاسة إن قلبي هيقف من التوتر. “احكيلي بسرعة قبل ما أحمد يحس بغيابنا! الواد سقع في الفوطة!”
ندى قامت بسرعة، أخدت آدم من إيدي بهدوء، وحطته على الفراش الصغير اللي كانت جايباه معاها، وبدأت تنشفه وتنشف ضهره وإيدها بتترعش، وجابت لزقة طبية جديدة من شنطتها وحطتها بسرعة ومباشرة على الوحمة، كأنها بتداري جث\ة مش عايزة حد يشوفها!
“أنا لما اتطلقت من ماجد…” بدأت ندى تتكلم بصوت خفيض وحشرجة في أوزان كلامها: “كنت ميتة من الخوف. الشهور الأخيرانية معاه كانت جحيم. كان بيضربني، ويشك فيا، ويقولي كلام يوجع القلب. ولما رفعت قض\ية الخلع وخلعته، هددني… قالي إن عمري ما هفرح، وإن ذكراه هتفضل مطارداني في كل حزة وفي كل مكان، حتى لو اتجوزت غيره.”
أنا فضلت واقفة أسمعها، مش قادرة أحدد هل كلامها ده تهيؤات ولا إيه، وسألتها:
“طب وده علاقته إيه باللي في ضهر آدم؟ الوحمة دي جينات! جينات يا ندى! مش كلام وتهديد!”
مسحت ندى دموعها بأطراف صوابعها وقالت:
“عارفة… عارفة إنها جينات، بس اسمعيني للأخر. أنا لما كشفت وعرفت إني حامل في آدم، كنت طايرة من الفرحة إن ربنا عوضني بأحمد. أحمد اللي شالني من الهم وعاملني زي الملكة. بس في الشهر الرابع من الحمل… وأنا ماشية في الشارع عند بيت بابا… شفت ماجد!”
جسمي قشعر. “شفتيه؟ ده مش مفروض متغرب وبرا البلد؟”
“كان نازل إجازة غريبة أسبوع واحد بس…” كملت ندى وصوتها بينزل وبيبقى زي الهمس: “وقفني في الشارع بالعافية. كنت مرعوبة، وجريت منه، بس هو مسك إيدي وقالي كلام زي السم… قالي: (فاكرة إنك هربتي مني؟ أنا في دمك.. وأنا جواكي.. ومش هتتخلصي مني عمرك). أنا من كتر الخوف والصرع، أغمى عليا في الشارع، والناس طلبتلي الإسعاف. لما فقت في المستشفى، الدكاترة قالوا إن ضغطي نزل للسماء، وإن الحركة دي عملتلي صدمة نفسية وجسدية شديدة وأنا حامل.”
قعدت جنبها على الكنبة الصغيرة اللي في الحمام، وأنا حاسة إن الرؤية مش واضحة قدامي.
“وبعدين؟” سألتها.
“بعد اليوم ده…” كملت ندى وهي بتهز رأسها يمين وشمال بألم: “أنا بقيت كل ليلة أحلم بيه. كوابيس ما بتخلصش. بشوف وش الوحمة دي بالذات في كل حلم، عشان هو كان دايما بيتباهى بيها ويقولي دي علامة العيلة! بقيت أصحى مرعوبة، حاطة إيدي على بطني وأدعي ربنا إن الحمل يكمل على خير. ولما اتولد آدم…”
سكتت ندى بلعت بؤ مية من الحنفية، وبصت لآدم اللي كان بدا يغمض عينيه وينام من دفا الفوطة.
“لما اتولد آدم، أول ما الحكيمة قلبته عشان تنشفه… شفت الوحمة! أنا صرخت في أوضة العمليات يا طنط! صرخت لدرجة إن الدكتور افتكر جالي نزيف! الوحمة كانت موجودة… بنفس الشكل… في نفس المكان!”
أنا اتنهدت بصدمة وقلت: “طب الدكاترة قالوا إيه؟ إزاي حاجة زي دي تحصل؟”
“سألت دكتورة النسا ودكتورة أطفال…” ندى كملت وعينيها فيها ترجي: “قالولي إن الطب بيهتم بالحاجات دي وتحت مسمى (الوحم النفسي) أو التأثير الجيني النادر جدا، بس الأهم من ده كله… إني لما عملت تحاليل الفصيلة وعينات المتابعة لآدم، كل حاجة بتأكد إن جيناته مطابقة لأحمد! بس الوحمة دي… شكلها بس هو اللي جه بالشكل الشوم ده! جه كأنه لعنة، كأنه الأثر اللي سابه الخوف الشديد والصدمة النفسية اللي عشتها في حملي لما شفته وهددني!”
سكتت ندى وهي بتتعدل وبتمسك إيدي بكل قوتها:
“تخايلي يا طنط… لو أحمد شاف الوحمة دي؟ أحمد بني آدم طيب ومحترم وبيعشقني، بس هو عارف ماجد وشكل ماجد والمشاكل اللي كانت بيننا! لو شاف الوحمة دي في ضهر ابنه الوحيد… تفتكري عقله هيستوعب كلام الدكاترة عن التوتر النفسي والوحم؟ تفتكري مش هيدخل الشيطان بيننا ويخليه يشك فيا وفي شرفي؟”
كلام ندى نزل عليا زي الصاعقة. كلامها كان منطقي ومخيف في نفس الوقت.
أحمد ابني… أنا عارفاه كويس. بيحب ندى ومستعد يبيع الدنيا عشانها، بس هو كمان راجل شرقي، وعزته ونخوته فوق كل شيء. لو شاف علامة زي دي على ضهر الواد… علامة تخص راجل تاني ندى كانت متجوزاه قبله… الشيطان مش هيسيبه. هيحفر في دماغه ألف سؤال وسؤال: “هو الواد ده ابني بجد؟ ولا هي كانت بتشوفه من ورايا؟ ولا الحمل ده حصل إزاي؟”
حتى لو التحاليل أثبتت إن آدم ابن أحمد… الشك لما يدخل قلب الراجل، بيحرق الأخضر واليابس. العلاقة مش هترجع زي الأول أبداً، وبيت ابني هيهتدم.
“عشان كده…” كملت ندى وهي بتبص للزقة الطباطية: “عشان كده يا طنط كنت برفض إن أي حد يحميه. كنت بقفل عليا وعليه باب الحمام، وأغير اللزقة دي كل يومين أو تلاتة، بحط لزقة ضد المية عشان ما تقعش وهو بيلعب. كنت خايفة… مرعوبة إن أحمد يشوفها، أو حضرتك تشوفيها، أو أي حد من العيلة يلمسها أو يسأل عنها! أنا بقالي شهور عايشة في سجن، مش بعرف أنام، كل ما آدم يجي يتحمى بيبقى يوم جحيم بالنسبة لي من كتر القلق!”
بصيت لندى… وشها المرهق، الهالات السودة اللي تحت عينيها، خساير وزنتها في الكام شهر اللي فاتوا… كل حاجة بقت مفهومة دلوقتي. الإرهاق ده ما كانش بس من سهر البيبي… الإرهاق ده كان من السر الثقيل اللي كانت شايلاه لوحدها في قلبها، كاتمة أنفاسها وخايفة إن بيتها يتخرب في أي لحظة.
أنا فضلت ساكتة لفترة، ماسكة إيدها اللي بتترعش. عقلي كان بيوزن الأمور.
هل أصدم ابني وأقوله؟ ولا أحمي بيته وأحمي حفيدي اللي بيبصلي ببرائة؟
وفجأة… خبط خفيف جه على باب الحمام.
صوت أحمد من برا:
“إيه يا جماعة؟ كل ده بتجموا الواد؟ ندى… إنتِ صحيتي ولا إيه؟”
قلبي نط من مكانه. ندى شهقت وحطت إيدها على بؤها وهي بتبصلي بعينين مليانة ترجي وخوف، كأنها بتستنجد بيا من حكم الإعدام.
مسحت وشي بسرعة، ورفعت صوتي وأنا بحاول أخلي نبرتي طبيعية تمامًا:
“أيوة يا أحمد يا حبيبي… ندى صحيت وجت تساعدني، والواد كان مبسوط بالمية مش عايز يطلع! طالع لأبوه بيحب المية!”
سمعت ضحكة أحمد الخفيفة من ورا الباب وهو بيقول:
“طب يلا اخلصوا بقى، الشاي جهز، وتعالوا اقعدوا معايا.”
“حاضر يا حبيبي، نازلين أهو.” قلت له.
صوت خطوات أحمد بعدت عن الباب.
أول ما اختفى صوته، ندى نزلت على ركبها قدامي، ومسكت طرف جلابيتي وقالت وهي بتعيط بصوت مكتوم:
“الله يخليكي يا طنط… ستر ربنا جميل… لا تفضحيني ولا تخربي بيتي.. أنا والله العظيم مظلومة ومفيش في حياتي غير أحمد!”
بصيت لندى بصرامة، بس في نفس الوقت كان فيه حنان الأم اللي جوايا بيتحرك ناحيتها. رفعتها من على الأرض ومسحت دموعها بإيدي.
“قومي يا ندى…” قلت لها بصوت هادي ومجروح: “قومي البسي وتالي معايا. السر ده هيفضل بيني وبينك… لكن بشرط واحد.”
ندى بصتلي بسرعة وقالت: “أي شرط يا طنط! أي حاجة تطلبيها هعملها!”
قلت لها وأنا ببص لضهر آدم المتغطي باللزقة:
“الشرط ده هتعرفيه لما نرجع البيت… لأن اللي إحنا فيه ده مؤقت، واللزقة دي مش هتقدر تخبي السر ده للابد…”

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *