حماتي تسرق شقتي
ماتي وقفت في مدخل شقتي الجديدة وسدت الطريق، وفضلت تصرخ وتقول إن ابنها اشتراها لها، وأمرتني إني أمشي. وصفتني بـ “الزبالة” – عشان كده أنا فعلاً رميت الزبالة بره. ولما جوزي عرف اللي عملته بعد كده، وقف مكانه من كتر الصدمة…
”اطلعي بره حالاً وإلا هطلب لك البوليس! ابني اشترى الشقة دي ليا أنا!”
حماتي صرخت في وشي أول ما شافتني داخلة من باب الشقة ومعايا شنطي. كانت واقفة في صالة بيتي، لابسة روب ساتان، وحاطة بكر في شعرها، وماسكة في إيدها كوباية كانت بتاعة جدتي الله يرحمها. بصت لي بنفس النظرة اللي بتبص بيها الملكات في المسلسلات الرخيصة للخدم اللي بينسوا نفسهم. وراها، شفت صوري اللي كانت في براويز على التربيزة اختفت، واتحط مكانها مفارش كروشيه غريبة مكتوب عليها “البيت السعيد”، والنجفة اللي في أوضة السفرة كانت
متعلق فيها قماش دانتيل ملوش أي لزوم من بتاع حماتي “نادية”.
أنا اسمي سارة. عندي 31 سنة، ومنفصلة قريب، وكنت شايلة شنط سفري وراجعة لشقتي اللي في المعادي، الشقة اللي اشتريتها بفلوسي من تلات سنين قبل ما أقابل جوزي أصلاً. الشقة متسجلة باسمي، ومجدداها من مكافآت شغلي في الاستشارات، الشغل اللي “هاني” كان بيحب يتريق عليه، لغاية ما جيه الوقت اللي دفع فيه تمن الأرضيات والأجهزة والمقدم اللي هو محطش فيه ولا مليم.
قضيت 6 أسابيع في الإسكندرية بساعد أختي وهي بتتعافى من عملية جراحية صعبة. والظاهر إن ده كان كل الوقت اللي هاني وأمه “نادية” محتاجينه عشان يقلبوا الدنيا في غيابي.
”انتي مسمعتيش؟” صرخت وهي بترزع الكوباية لدرجة إنها عملت صوت رنة قوية. “ده بيتي دلوقتي. هاني اشتراهولي، ولو مخرجتيش في اللحظة دي، هحبسك.”
مجادلتهاش.
وده الجزء اللي دايما بيفاجئ الناس.
بيفتكروا إني هتعصب الأول، أو هنصدم، أو هقعد أعمل محاضرة طويلة عن العقود القانونية وكذب الجواز.
لأ.. خالص.
كنت تعبانة جداً من المشهد ده.
عشان كده حطيت أول شنطة على الأرض.
وبعدين التانية.
بصيت حواليا نظرة أخيرة على حياتي اللي اتسرقت دي.
وبالراحة فتحت جيب شنطتي الجانبي.
ونادية فضلت ترغي وتتكلم..
عن “قلة الأصل”..
وعن إزاي هاني أخيراً “عدل المايل” في الجوازة دي..
وعن إن الستات اللي زيي ميتسابوش لوحدهم فترة طويلة لو كانوا فاكرين إنهم هيرجعوا يلاقوا كل حاجة زي ما هي.
سبتها تتكلم.
وبعدين دوست على زرار واحد في موبايلي.
وقلت بهدوء: “أمن العمارة؟ أنا سارة في شقة 12B. فيه ست غريبة في شقتي وبتهددني. يا ريت تيجوا حالاً، وتجيبوا معاكم مدير البرج.”
نادية سكتت فجأة..
لثانية واحدة
بس.
لكن الثانية دي كانت كفاية.
لأنها عرفتني الحاجة الوحيدة اللي كنت محتاجة أتأكد منها:
هي مكنتش مصدقة فعلاً إن هاني يملك المكان ده.
كانت بس بتأمل إني أترعب وأمشي قبل ما الأوراق والوصولات الحقيقية تظهر.
ابتسمت لها لأول مرة وقتها.
وقلت لها: “قدامك دقيقتين بالظبط، تلمي شنطتك وتخرجي بكرامتك.”
ضحكت في وشي باستهزاء.
وده كان أكبر غلط عملته.
لأن بعد دقيقة و43 ثانية، نادية كانت واقفة بره في الطرقة من غير الروب بتاعها، بتصرخ في الأمن، وجوزي مكنش عنده أدنى فكرة إن الكارثة الحقيقية لسه مبدأتش.
دي جت بعدين..
لما فتحت درج ملفات هاني..
واكتشفت هو عمل إيه بجد… يتبع في التعليقات 👇
فتحت الدرج والديسك كان متلخبط، وكأن هاني كان بيحاول يخبي حاجة بسرعة قبل ما أسافر. في وسط الورق، لقيت ملف لونه أزرق غريب، مكتوب عليه
“عقد بيع ابتدائي”.
لمحة نيوز
قلبي وقع في رجلي.. قلت معقول يكون زور توقيعي وباع الشقة فعلاً؟
فتحت الملف وأنا إيدي بتترعش، بس اللي شفته خلاني أقف مكاني مش مستوعبة. مكنش عقد بيع للشقة، كان عقد قرض بضمان “عفش البيت وممتلكات شخصية” وقرض تاني بضمان “سيارة” مكنتش أعرف إنه اشتراها أصلاً!
والأدهى من كده، لقيت ورقة تحويل بنكي لمبلغ كبير جداً من حسابه لحساب واحدة تانية خالص.. اسم مسمعتوش قبل كده: “ميادة”.
في اللحظة دي، الباب اتفتح وهاني دخل الشقة وهو وشه جايب ألوان، عينه جت في عيني ولقى الملف في إيدي. ورا منه كانت نادية واقفة في الطرقة بتعيط وتولول للأمن، بس هاني مكنش سامعها، كان باصص للورق اللي في إيدي وكأنه شايف حبل المشنقة.
قرب مني وهو بيحاول يبتسم بتمثيل رخيص: “سارة.. حبيبتي.. إنتي جيتي إمتى؟ أنا كنت هفهمك كل حاجة، الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة خالص!”
رميت الورق في وشه وقلت له بصوت هادي يرعب: “تفهمني إيه يا هاني؟ تفهمني إنك مش بس نصبت على أمك وفهمتها إنك اشتريت لها شقتي، لا، إنت كمان كنت بتسحب قروض بضمان حاجات مش بتاعتك وبتصرفها على ميادة؟”
أمه أول ما سمعت اسم “ميادة” سكتت فجأة ودخلت الشقة وهي بتبرق: “ميادة مين يا هاني؟ والفلوس دي بتاعة إيه؟”
هاني بص لنا إحنا الاتنين، ولقى نفسه محاصر بين مراته اللي كشفت نصبه، وأمه اللي اكتشفت إن ابنها “البار” كان بيضحك عليها عشان ياخد قرشينها ويصرفهم على واحدة تانية.
قلت للأمن اللي واقف على الباب: “يا ريت تتفضلوا تخرجوهم بره، وأي كلام تاني هيكون مع المحامي بتاعي الصبح.. وبالنسبة للورق ده، فده بلاغ رسمي للنيابة.”
هاني انهار وبدأ يترجاني، ونادية بدأت تشتم في “ميادة” وفي الساع اللي عرفته عليها، وأنا قفلت الباب في وشهم كلهم.. وقعدت في نص الصالة، في بيتي اللي تعبت فيه، وأنا عارفة إن دي كانت أحلى “رمية زبالة” عملتها في حياتيهاني كان واقف مذهول، وشه بقى أبيض زي الورقة، ومش عارف يبص في عيني ولا يبص لأمه اللي كانت لسه بتصرخ بره. رميت الملف على المكتب وقربت منه بخطوات ثابتة:
”بص يا هاني، أنا مش هضيع وقتي في خناق وصوت عالي. إنت مديون، ومزور، وبايع اللي وراك واللي قدامك عشان خاطر واحدة تانية خالص.. وأمك الغلبانة دي اللي كنت بتضحك عليها وتقول لها إنك اشتريت لها شقة بفلوسك، لازم تعرف إنك كنت بتستعملها مجرد ‘ستار’ عشان لما أرجع وألاقيها هنا، أنسحب أنا بهدوء وأسيب لك المكان تخون فيه براحتك.”
نادية أول ما سمعت الكلام ده، سكتت فجأة ودخلت الشقة وهي بتنهج، بصت لهاني وقالت له بصوت مرعوش: “كلامها ده صح يا هاني؟ يعني الفلوس اللي خدتها مني عشان ‘تستثمرها’ راحت لميادة؟ والشقة دي مش شقتك؟”
هاني حاول يمسك إيدها: “يا أمي افهميني بس..”
قامت نادية رزعت إيده وقالت له بكسرة نفس: “يا خسارة تربيتي فيك.. كنت عايز ترمي مراتك في الشارع وتفرّج علينا الناس عشان تداري على خيبتك؟”
بصيت للأمن اللي كان واقف مستني إشارة مني وقلت ببرود:
“خرجوا الست دي والراجل ده بره.. والشنط اللي محطوطة عند الباب دي تطلع معاهم، دي هدوم هاني، أنا كنت مجهزاها من قبل ما أدخل الدرج أصلاً.. لأني كنت عارفة إن ريحة خيانتك فاحت من زمان.”
هاني بص لي بغل: “مش هسيبك يا سارة، الشقة دي أنا ليا حق فيها، أنا دافع في توضيبها!”
رديت عليه وأنا بفتح باب الشقة على آخره: “الوصلات اللي في الدرج بتقول إنك كنت بتدفع من قرض بضمان عفشي.. يعني إنت سارقني وبتدفع لي بفلوسي! المحامي بتاعي هيقابلك الصبح في القسم، وهناك بقى احكي قصصك دي براحتك.”
خرجوا هما الاتنين، وقفلت الباب وراهم بالمفتاح والترباس. سندت ضهري على الباب وغمضت عيني، حسيت لأول مرة بوزن تقيل انزاح من على قلبي.
بصيت للصالة، شلت المفارش الكروشيه “الوحوش” دي ورميتها في الباسكت، ورجعت صوري لمكانها. شقتي رجعت لي، وحياتي اللي جاية هتبدأ من غير “زبالة” بتعطلني.
تمت.
