الشقه الجديده 2 بقلم امانى سيد
دخلت البلكونة ووقفت ورا الشيش أراقبهم من بعيد. شفت توفيق وهو شايل الشنطة الكبيرة ومجرجرها ورا أمه والغل بياكله، والصنايعية واقفين على أول الشارع بيبصوا عليهم وبيتوشوشوا. الإحساس بالانتصار كان مالي قلبي، لأول مرة أحس إني بتنفس هوا نضيف مش ملوث بطلباتهم اللي مابتخلصش.
دخلت قفلت الشيش، ودخلت المطبخ عملت لنفسي كوباية شاي محترمة، وقعدت في الصالة وبدأت أخطط للي جاي. أنا عارفة توفيق كويس، وعارفة إن أمه مش هتسيبه يهدى، وهيقلبوا الدنيا عليا.. بس المرة دي أنا مش هكون الضحية.
على الساعة حداشر بالليل، لقيت تليفوني بينور تاني.. المرة دي مش توفيق، ده كان حماتي بس بتبعت رسايل صوتية ورا بعض على الواتساب. فتحت أول رسالة، وطلعلي صوتها المبحوح من كتر الصراخ وهي بتقول
ماشي يا أميرة.. بقيت تبلطجي علينا وتطردي ابني من شقته؟ وحياة أمي لاهخلي أيامك سودا، وتوفيق هيطلقك ويرميكي رمية الكلاب، والشقة دي هناخدها منك بالقانون ورجلك فوق رقبتك!
مسكت التليفون بكل برود، ودست على زرار تسجيل الصوت، وقولت بنبرة هادية وثابتة
أولاً يا حماتي، الشقة دي باسمي ومكتوبة في العقود تبع إسكان الشباب ببياناتي أنا، يعني القانون معايا مش معاكي. ثانياً، ابنك هو اللي قالي روحي بيت أبوكي، وأنا منفذتش كلامه، أنا قعدت
في بيتي وبعتله هدومه عشان يبرّ بيكي ويقعد تحت رجلك زي ما أنتي عايزة. فرجني بقى بناتك الهوانم هيعملولك إيه بكرة في الشقة والعفش.. تصبحي على خير.
عملت بلوك لرقمها، ورقم أخواته، ورقم توفيق كمان! قفلت كل الأبواب اللي ممكن يجيلي منها وجع دماغ، وقررت إن الليلة دي هنام وأرتاح.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت رزع وخبط جامد تحت في الدور اللي تحتيا. طلعت البلكونة وبصيت، لقيت عربية العفش بتاعة حماتي وصلت، والعمال بيقشطوا العفش وينزلوه، وياسمين وشيماء أخواته واقفين في الشمس وعرقانين، ولابسين لبس الشغل والتراب مالي وشوشهم!
حماتي كانت واقفة تزعق وتوجّه العمال، وتوفيق واقف على جنب وشه أسود من كتر النكد والهم، وعينيه باصة لفوق ناحية بلكونتي وهو هيموت من الغيظ.
وقفت في البلكونة بكل شياكة، ماسكة كوباية النسكافيه بتاعتي، وبصيت عليهم من فوق لتحت بابتسامة نصر، وقولت بصوت مسموع وواضح
خطوة عزيزة يا جماعة! منورين العمارة الجديدة.. شدوا حيلكم بقى في المسح والفرش، الشقة محتاجة مجهود، وبناتك بسم الله ما شاء الله صحتها مساعدة أهي وتعرف تعمل كل حاجة!
شيماء رفعت راسها ووشها أحمر من الغل وزعقت ماشي يا أميرة.. حسابنا معاكي بعدين!
رديت عليها بضحكة عالية لما تخلصي بس مسح السيراميك يا شوشو ابقي تعالي حاسبيني!
توفيق مشى خطوتين وكأنه كان هيطلعلي، بس حماتي شدته من إيده وهي بتقول بقلة حيلة سيبك منها يا توفيق.. سيبك منها دلوقتي وخلينا في المصيبة اللي احنا فيها!
دخلت جوة وأنا حاسة إن ناري بردت.. دي أول خطوة في الدرس، واليومين اللي جايين هخليهم يلفوا حولين نفسهم عشان يعرفوا قيمة أميرة اللي كانت شايلة البيت كله ومحدش كان بيقولها شكراً!
عدى أسبوع كامل، وأنا قافلة عليا باب شقتي، ومقاطعة السوشيال ميديا، وعاملة البلوك المتين لكل أطراف العيلة المحترمة. كنت صاحية الصبح رايقة، بعمل فنجان القهوة بتاعي وببص من ورا الشيش.. المشهد تحت كان كفيل يخليني أضحك من قلبي.
ياسمين وشيماء نازلين طالعين على السلم، وشوشهم مخطوفة، وضهرهم اتقوس من كتر شيل كرتونة من هنا وشنطة من هناك. وحماتي قاعدة على الكرسي في المدخل، ماسكة عصاية وبتشوح بيها يمين وشمال، وبتزعق بصوتها الأجش أسرعي يا بت منك ليها! العفش لسه متبهدل جوة والأوض تضرب تقلب! أومال فالحين بس في قعدة التكييف وطلب الدليفري؟
شيماء رمت الكرتونة اللي في إيدها على الأرض بزهق وقالت وهي بتنهج جرى إيه يا ماما! هو احنا شغالين عندك؟ ما احنا بقالنا أسبوع على الحال ده وضهرنا اتكسر! فين أميرة الهانم اللي كانت بتشيل الهيلة دي كلها ومبتنطقش؟ روحي هاتيها تفرشلك!
حماتي برقت لها وقالت بغل أميرة مين يا مقصوفة الرقبة! أميرة قفلت بابها وباعت لأخوكي الهدوم في الشارع وفضحتنا.. شدوا حيلكم أنتوا ورجليكم فوق رقبتكم!
في اللحظة دي، شفت توفيق جاي من برة، شايل في إيده أكياس أكل جاهز، وشه كان باهت، والهم راكبه من ساسه لراسه. بقاله أسبوع نايم تحت عند أمه على مرتبة في الأرض وسط الكراكيب، وهدومه متبهدلة ومش مفرودة، وعرف قيمتي وقيمة اللقمة النضيفة والهدوم المغسولة والمتعطرة اللي كانت بتجيله لحد عنده وهو حاطط رجل على رجل.
توفيق رفع عينه فجأة وبص ناحية بلكونتي.. لمحت في عينه نظرة كسر وندم، بس كبريائه وعناده لسه مسيطرين عليه.
دخلت جوة الصالة، وفجأة لقيت الباب بيخبط.. بس الخبطة المرة دي كانت هادية، مفيهاش الرزع والبلطجة بتاعة أول يوم. قومت وقفت ورا الباب وقولت بنبرة ناشفة مين؟
جاني صوته مخنوق ومكسور من ورا الباب أنا يا أميرة.. توفيق. افتحي يا بنت الناس عايز أتكلم معاكي كلمتين.. احنا مش عيال صغيرة عشان نعمل في بعض كده قدام الجيران.
مفتحتش الباب، وفضلت واقفة مكاني وقولت ببرود الكلام خلص يا توفيق يوم ما قولتلي روحي بيت أبوكي، ويوم ما كنت عايزني أنزل أطبخ لعشر رجالة صنايعية وأمسح وأفرش وأنا لسه ضهري مكسور في شقتي. روح لست الكل وأخواتك الهوانم خليهم يخدموك ويخدموا
لمحة نيوز
أمك.
توفيق سكت ثواني، وأخد نفس طويل وقال بنبرة فيها رجاء لأول مرة في حياته أمي تعبت يا أميرة، وإخواتي مش مستحملين وبيتشاكلوا معاها كل دقيقة والبيت يضرب تقلب، وأنا بقالي أسبوع مش عارف أنام ولا عارف أشوف شغلي.. أنا غلطت لما قولتلك سيبي البيت، ودي شقتك وحقك عليا.. افتحي بقى وخلينا نلم الموضوع.
ضحكت بصوت مسموع وقولتله تؤ.. لسه يا توفيق. لسه ملمستش غير قشرة بسيطة من التعب اللي أنا عشته سنين لوحدي وأنا شايلة بيتك وأهلك ومحدش بيقولي شكراً.. عايزني أفتح والامور ترجع؟ يبقى تسمع شروطي، وتنفذها وحرف مش هينقص منها!
زعق بس بنبرة مكتومة عشان أمه متسمعش شروط إيه تاني؟ أنتي هتذليني؟
قولتله بمنتهى الثبات اعتبرها زي ما تعتبرها.. شروطي هي اللي هترجعلي كرامتي، ولو مش عاجبك.. السلم يفرّت لورل، وانزل كمل فرش مع أخواتك!
سمعته اتنهد تنهيدة طويلة ورا الباب، حاسس بالورطة ومبقاش قدامه مفر. رد عليا وهو بيكتم غيظه قولي يا أميرة.. إيه هي شروطك؟ اخلصي وفضّيها سيرة.
أخدت نفس عميق وقولتله بنبرة واضحة ومفيهاش قبول للنقاش
أولاً يا توفيق، شقتنا دي خط أحمر. أمك وأخواتك ييجوا ضيوف فوق دماغي، بس بكرامتي وبميعاد، ومحدش فيهم يمد إيده على حاجة في البيت ولا يطلب مني كباية مية، ييجوا معززين مكرمين ويمشوا معززين مكرمين، ولما ييجوا أخواتك.. يقفوا معايا في المطبخ ويشيلوا زي ما أنا بشيل، مفيش قعدة هوانم تاني.
ثانياً، مصروف البيت هيتضاعف، والقرش اللي كنت بتدفعه لرفاهية أخواتك، بيتك وولادك أولى بيه.
ثالثاً بقى، وهو الأهم.. أنت بنفسك هتنزل دلوقتي تحت قدام أمك وأخواتك، وتقولهم إنك غلطت في حقي، وإن الشقة دي شقتي ومحدش ليه حكم عليا، وتعتذر لي قدامهم زي ما صغرتني قدام الصنايعية.. وتجيبلي طقم ذهب محترم صالح صلح ورضا، تمن أعصابي اللي حرقوتها الأسبوع ده!
توفيق صوته علي شوية من الصدمة طقم ذهب واعتذار قدام أمي؟ أنتي بتلوي دراعي يا أميرة؟
رديت عليه بمنتهى البرود أنا مبلويش دراع حد يا ابن الناس، أنا بشتري كرامتي وبحط حدود للي جاي عشان نعيش صح. مش عاجبك؟ الباب مقفول وكالونه متقفل، وانزل نام تحت وسط الكراكيب، وخلي الهوانم يطبخلو لك!
سكت توفيق تماماً، ومبقاش سامعة غير صوت نفسه العالي ورا الباب. كان بيفكر ويحسبها.. من ناحية كبريائه وعناد أمه، ومن ناحية تانية التعب والمرمطة والبيت اللي يضرب تقلب تحت، وضياع مراته وبيته اللي كان متستف ومترتب.
وفجأة، سمعت صوت خطواته وهي بتتحرك وبتبعد عن الباب.. ونزل السلم.
قولت في بالي طب والله برافو عليك، لسه برضه هتعاند؟ ماشي يا توفيق، خليك تحت شوية كمان لحد ما تستوي على الآخر.
رجعت قعدت مكاني وكملت شرب قهوتي وابتسامة النصر على وشي. مرت حوالي ساعتين، والدنيا هديت خالص تحت، وفجأة.. سمعت صوت زعاق وخناقة لرب السماء قايدة في شقة حماتي!
طلعت بسرعة البلكونة ووقفت ورا الشيش أسمع.. كان صوت توفيق وهو بيزعق لأخواته بأعلى صوته أنا قرفت من عيشتكم! بقالنا أسبوع مش عارفين ناكل لقمة نظيفة ولا ننام زي الخلق! الشقة زبالة والهدوم متبهدلة، وأنتوا قاعدين تندبوا حظكم ومش طالع من إيدكم حاجة! أميرة كانت شايلانا كلنا ومسمعناش لها صوت.. أنا رايح أصالح مراتي ورجلي فوق رقبتي، واللي مش عاجبه ياخد بعضه ويرجع بيت أبويا القديم!
سمعت صوت حماتي وهي بتصوت وتلطم على صدرها يا خيبتك في ابنك يا فوزية! البت لوت دراعك وكسرت عينك وخليتك تقف ضد أمك وأخواتك!
توفيق سابهم وخرج ورزع الباب وراه، وشفته في الشارع وهو راكب تاكسي وماشي بسرعة.
عرفت فوراً إنه رايح مشوار مهم.. رايح لمحل الصاغة! ضحكت من قلبي وقولت يا مسهل يا توفيق.. لما نشوف الذهب وهيئتك وأنت جاي تعتذر، ساعتها بس هفكر أفتحلك الباب!
عدت ساعتين كمان، وأنا قاعدة في صالوني الجديد، حاطة رجل على رجل وبسمع مشغل أغاني شغال في الخلفية بصوت هادي، وبستمتع بكل لحظة هدوء وراحة كنت محرومة منها سنين.
على الساعة عشرة بالليل، سمعت خطوات توفيق على السلم.. بس المرة دي كانت خطوات تقيلة، خطوات واحد جاي شايل هموم الدنيا فوق كتافه، وكبريائه مكسور.
وقف ورا الباب، وخبط تلات خبطات هاديين ومنتظمين. قومت وقفت ورا الباب وقولت ببرود وثبات مين؟
جاني صوته واطي ومكتوم أنا توفيق يا أميرة.. افتحي.
قولتله عملت إيه في الشروط اللي قولتلك عليها يا توفيق؟ عشان لو مجرد جاي تجادل، وفر خطوتك وانزل.
سمعته بيتنهد تنهيدة حارة طلعت من عبو قلبه، وقال نفذت كل اللي أنتي عايزاه يا أميرة.. افتحي الباب بقى عشان الجيران والنبي، مش ناقصة فضاير أكتر من كده.
فتحت الترباس، وفتحت الباب بس سبت السلسلة محطوطة، وبصيت عليه من فتحة الباب. كان واقف وشه في الأرض، وإيده اليمين ورا ضهره، وإيده الشمال شايلة علبة قطيفة حمراء صغيرة مبهجة.
بصيت للعلبة ورفعت حاجبي والشرط التاني؟
توفيق بلع ريقه، وبص يمين وشمال على السلم يتأكد إن مفيش حد من الجيران طالع ولا نازل، وبعدين قال بصوت مسموع وواضح أنا نزلت تحت قدام أمي وإخواتي البنات.. وقولتلهم إنك ست البيت ومحدش ليه حكم عليكي، وإن الشقة دي شقتك وأنتي حرة فيها، وقولتلهم إنك شيلتينا سنين وحقك ترتاحي.. وأنا أسف يا أميرة، غلطت في حقك وصغرتك، وحقك عليا ورقبتي أهي.
أنا
في اللحظة دي حسيت بنشوة انتصار لا توصف! السنين اللي ضاعت من عمري في خدمته وخدمة أهله اتلخصت في اللحظة دي، لما عرف قيمتي وعرف إن الله حق.
شيلت السلسلة وفتحت الباب على آخره، ووقفت وقولتله اتفضل يا توفيق.
دخل وشه باهت بس أول ما دخل رمى نفسه على أول كنبة وقفل عينيه وكأنه بقاله سنة منامش. مد إيده بالعلبة القطيفة وقالي ادي طقم الذهب اللي طلبتيه.. غوايش وخاتم محترمين يليقوا بيكي.. صالحتك أهو، ارتحتي؟
أخدت العلبة منه وفتحتها، الذهب كان بيلمع، وابتسمت وقولتله أهو ده تمن أعصابي اللي حرقوتها الأسبوع اللي فات.. بس افتكر يا توفيق، دي البداية بس، والنظام الجديد هيبدأ من بكرة.
بصلي بتوجس وقال نظام إيه تاني؟
قعدت على الكرسي اللي قصاده وقولتله بكل ثقة بكرة الصبح.. هتنزل معايا لأمك وأخواتك، هتلاقيهم لسه محتاسين في الفرش والمطبخ، هندخل نسلم عليهم ونقعد ضيوف، وأنا هقعد حاطة رجل على رجل، وأخواتك الهوانم هما اللي هيقوموا يعملوا لنا الشاي ويدوقوا تعب الإيدين.. عشان يتعلموا الأدب ويعرفوا إن الدينا دوارة، وإن أميرة اللي كانت بتخدمهم زمان، مبقتش موجودة خلاص!
توفيق بصلي وفتح بقه من الصدمة، مكانش متخيل إن دماغي هتوصل للتخطيط ده كله، بس ملقاش مفر غير إنه يهز رأسه بالموافقة وهو مغلوب على أمره وقال ماشي يا أميرة.. اللي تشوفيه، المهم نخلص من الموال ده ونرتاح.
تاني يوم الصبح، صحيت براحتي خالص، لبست طقم شيك من عندي، ولبست الغوايش الجديدة والخاتم اللي بيلمعوا في إيدي، وخليت توفيق لابس ومستعد. نزلت معاه السلم وأنا حاسة إني طايرة في الهواء، خطواتي كانت واثقة ومفيهاش أي تردد.
وصلنا باب شقة حماتي، توفيق خبط ودخلنا. يا نهار أبيض على المنظر! الشقة كانت تضرب تقلب، الكراتين متطورة في كل مكان، والتراب مغطي الأرضية، وياسمين وشيماء قاعدين في الصالة على شوالات وميتين من التعب، وشعرهم منكوش وهدومهم متبهدلة. حماتي كانت قاعدة على كرسي بلاستيك في النص، أول ما شافتني دخلت بالشياكة دي والذهب بيلمع في إيدي، عينيها طلعت شرار، ووشها جاب مية لون.
توفيق دخل وباس رأس أمه وقال بنبرة مسموعة صباح الخير يا أمي.. أنا وأميرة جينا نسلم عليكي ونشوفكم وصلتوا لإيه.
أنا دخلت بكل برود، وابتسمت ابتسامة صفرا وقولت صباح الخير يا حماتي.. منورة العمارة والله، شدوا حيلكم الشقة لسه عايزة شغل كتير.
وقفت ومقعدتش على شوال ولا كرتونة، روحت على الكرسي الوحيد اللي كان متقفل وممسوح وقعدت عليه، وحطيت رجل على رجل، ورفعت إيدي اللي فيها الذهب وأنا بسند دماغي بكل دلال، وبصيت لياسمين وشيماء اللي كانوا هيموتوا من الغيظ وقُلت
جرى إيه يا شوشو؟ جرى إيه يا ياسمين؟ واقفين مكانكم ليه.. مش تقوموا تعملوا لأخوكم ومراته كبايتين شاي يظبطوا الدماغ في الحر ده؟ ولا لسه متعلمتوش تعملوا حاجة في بيوتكم؟
شيماء وقفت واتعصبت وقالت بصوت مكتوم نعم يا اختي؟ نعملك شاي؟ أنتي جاية تتأممى علينا هنا ولا إيه؟
توفيق اتدخل فوراً وبص لشيماء بحدة وزعق جرى إيه يا شيماء! اتكلمي مع مراتي بأسلوب أحسن من كده! قومي اعملي الشاي وأنتي ساكتة، أميرة ضيفة هنا وجاية تبارك لأمي!
حماتي حطت إيدها على قلبها وبصت لتوفيق بكسرة وقالت كسرت خيبتك يا توفيق.. بقى البت ممشياك على عجين متبتلوش؟ وخدامة عندك وعند أخواتك؟
بصيت لحماتي بكل ثبات وقولت بنبرة هادية بس سم لأ يا حماتي.. أنا عمري ما كنت خدامة، أنا كنت أصيلة وبشيلكم فوق رأسي ولما لقيت قلة التقدير قولت أعرفكم مقامي. أديكوا جربتوا أهو أسبوع واحد من غيري والبيت بقا مزبلة وبناتك مش ملاحقين على شيل وحط.. خليهم بقى يشمروا إيديهم ويورونا الشطارة اللي كانت بتطلع في الكلام وبس!
ياسمين شدّت شيماء من إيدها وهي بتنفخ وقالت تعالي يا شيماء.. تعالي نعمل الشاي المهبب ده ونخلص، خلينا نشوف أخرتها معاها إيه!
دخلوا المطبخ وهما بيرزعوا في الحلل والعلب، وأنا قعدت أتبادل نظرات النصر مع حماتي اللي كانت بتبص للأرض وهي عاجزة ومتكتفة، وتوفيق قاعد جنبي باصص في تليفونه وميقدرش ينطق بحرف.
في اللحظة دي عرفت إن الوش القديم الغلبان مات واندفن، وإن من هنا ورايح، الكل هيعمل لأميرة ألف حساب
خرجت شيماء وهي شايلة صينية الشاي وإيدها بترتعش من الغيظ، رقعت الصينية على الطرابيزة المنكوشة وهي بتبصلي برغبة عارمة في الانفجار.
مديت إيدي بكل رقة، أخدت كباية الشاي وضبطت الغوايش الجديدة وهي بتغني في إيدي، وأخدت رشفة صغيرة، وبعدين حطيت الكباية وقولت بمط شفايف تسلم إيدك يا شوشو.. بس الشاي خفيف شوية، المرة الجاية ابقي اظبطي إيدك، أصل أنا بحب الشاي المضبوط اللي يعدل الدماغ.
شيماء كانت هتطق، وبصت لأمها اللي كانت قاعدة بتنهج وحاطة إيدها على راسها من كتر الضغط والنكد. توفيق أخد كبايته وهو ساكت تماماً، مش قادر يفتح بقه بكلمة لإن أي كلمة هيقولها دلوقتي هترجعه لمرمطة الأسبوع اللي فات، وهو ما صدق لقى لقمة نضيفة وسرير مترتب.
حماتي رفعت راسها وبصتلي وعينيها مليانة غل مهزوم، وقالت بنبرة حاولت تبان قوية ارتحتي يا أميرة؟ جيتي واتفرجتي على كسر برقتنا؟ قوليلي بقى.. ناوية على إيه تاني؟
نزلت رجلي من على رجل، وسندت بإيدي على الركبة وبصيت لها بمنتهى الجدية والوضوح وقولت ناوية على كل
خير يا حماتي.. أنا مش جاية أشمت، أنا جاية أحط النقط على الحروف. الشقة اللي تحتيا دي شقتك، تفرشيها، تقعدي فيها، تنوريها.. ده أمر يخصك ويخص بناتك. أنا من بكرة هبدأ ألتفت لبيتي ولحياتي، وتوفيق هيشوف شغله ويراعي ولاده. يوم ما تحبي تشرفينا فوق، الباب مفتوح ليكي كأم، تشربي شاي وتتغدي وتمشي معززة مكرمة. لكن شغل انزلي اطبخي وافرشي ومشي البيت.. الصفحة دي اتقطعت واترمت في الزبالة.
حماتي سكتت، وبصت لبناتها اللي واقفين زي الأيتام مش عارفين يعملوا إيه في كراكيب الشقة، ولسه مستوعبين إنهم هيشيلوا الليلة دي كلها لوحدهم من غير أميرة الغلبانة اللي كانت بتعمل كل حاجة في صمت.
وقفت بكل شياكة، وعدلت عبايتي وقولت لتوفيق يلا يا أبو العيال.. نطلع شقتنا بقى عشان ورانا حاجات كتير عايزين نعملها، ونسيب الجماعة يكملوا شغلهم.. شدي حيلك يا ياسمين، الشقة لسه محتاجة مسحة محترمة!
توفيق وقف فوراً زي الألف، وباس إيد أمه وقالها سلام يا أمي، لو عوزتي حاجة كلمي البنات يعملوهالك.
خرجت من الشقة وراسي مرفوعة في السماء، وتوفيق ماشي جنبي وقفل الباب وراه. وأنا طالعة السلم، كنت سامعة صوت حماتي وهي بتبدأ تزعق لبناتها تاني وصوت الخناق رجع يولع.. بس المرة دي، الصوت كان بعيد، بعيد أوي عن عالمي الجديد اللي بنيته بكرامتي وبإيدي.
أول ما دخلت شقتي، قفلت الباب، وبصيت لتوفيق وقولتله بابتسامة وثقة نورت بيتك يا توفيق.. من بكرة، الحياة هتمشي صح، واللي يقدر مراته.. يشيلها فوق راسه
توفيق بصلي وهز رأسه وهو حاسس إن في حمل انزاح من عليه، ورغم كل اللي حصل، كان جواه راحة إن بيته رجع يتلم تاني. قرب مني وقال بنبرة هادية وفيها تقدير حقيقي حقك عليا يا أميرة.. أنا اتعلمت الدرس، وعرفت إن اللي معاه ست أصيلة زيك، لازم يشيلها في عينه ويحافظ عليها.
ابتسمت له ونزلنا مع بعض عشان نجهز لليوم الجديد.
عدى شهر كامل على اليوم ده.. الشروط اللي حطيتها مشيت زي السكين في الحلاوة. توفيق بقى ملتزم ببيته وبيراعي مشاعري قبل أي حاجة، ومصروف البيت بقى يجي في معاده ومن غير نقاش.
أما تحت عند حماتي.. البنات ياسمين وشيماء اتعلموا الأدب على أصوله، بقوا هما اللي بيطبخوا ويمسحوا ويشيلوا شقة أمهم، وضهرهم انحنى في الخدمة لحد ما عرفوا إن الله حق، وعرفوا قيمة أميرة اللي كانت شايلة الجبل ده كله لوحدها ومحدش بيحمد ربنا. حماتي مبقتش تقدر تفتح بقها بنص كلمة، ويوم ما بتفكر تطلع عندي، بتخبط بأدب وبتدخل ضيفة معززة مكرمة، تشرب كبايتها وتمشي، ومبتدخلش في خرم إبرة يخص حياتي.
وفي ليلة من ليالي الصيف الرايقة، كنت قاعدة في بلكونة شقتي الجديدة.. الشقة اللي حاربت عشانها وطلعت روحي عقبال ما عتبتها. المكان كان هادي، والهوا يرد الروح.
دخل توفيق البلكونة وهو شايل صينية عليها كبايتين شاي مظبوطين ونعناع ريحته فواحة، وحط الصينية وقعد جنبي، ومسك إيدي اللي بتلمع فيها الغوايش الجديدة وقال بابتسامة الشاي المضبوط اللي يعدل الدماغ يا ستي.. عمايل إيديا مخصوص.
أخدت منه الكباية، وارتشفت منها بؤ صغير وبصيت للسما المحملة بالنجوم، وأخدت نفس طويل مليان رضا وأمان. بصيت لحياتي الجديدة ولبيتي اللي بقيت فيه ملكة ومحدش ليه حكم عليا، وقولت في سري الحمد لله.. الحكاية مكنتش حكاية شقة جديدة، الحكاية كانت حكاية كرامة.. والحمد لله إني عرفت أجيبها وأعيش ملكة في مملكتي.
قفلت صفحة التعب والخدمة والإهانة، وبدأت صفحة جديدة كلها احترام وتقدير.. والنهاية كانت زي ما تمنيتها وأحلى!


