سيبت ابني الرضيع

سيبت ابني الرضيع في المستشفى عشان اتولد مختلف ومشيت ناحية الباب كأني ما كنتش بموت من جوايا.
بعدها ب أيام، ممرضة كلمتني وقالتلي جملة واحدة قسمتني نصين.
سيبته في سرير أبيض صغير، ملفوف في البطانية الزرقا اللي كنت حاكاها بإيدي طول شهور الحمل.
بست جبينه.
كانت ريحته لبن ومستشفى وحياة لسه جديدة.
وبعدين مضيت الورق بإيد حسّيتها مش إيدي.
الأخصائية الاجتماعية بصتلي وقالت
إنتِ متأكدة يا مدام رنا؟
كدبت.
أيوه.
أنا ماكنتش متأكدة.
أنا كنت مرعوبة.
ابني اتولد بمتلازمة داون.
وأنا قبل حتى ما أبصله كويس، قبل ما أحفظ صوت عياطه، قبل ما إيده الصغيرة تتعلق بقلبي كنت سمعت أصوات كتير جوا دماغي.
إنتِ مش هتعرفي تربي طفل زي ده.
واحدة لوحدها ماتقدرش.
إنتِ أصلًا عندك مشكلة في رجلك.
هتشليه إزاي لو وقعتي؟
أنا فقدت رجلي الشمال في حادثة عربية وأنا عندي 21 سنة.
ومن يومها وأنا بتعلم أضحك وأنا موجوعة.
أمشي والناس بتبص.
وأتظاهر إني مش سامعة كلمة يا حرام.
بس آدم ماكنش ذنبه خوفي.
ومع ذلك
في الصبح ده، خليت الخوف يتكلم بدالي.
خرجت من مستشفى في القاهرة وأنا ضاغطة على مفاتيحي لدرجة إنها علمت في كف إيدي.
وما بصّتش ورايا.
لأني لو بصيت
كنت

هجري أرجع آخده.
وكنت مقتنعة إن أم ناقصة زيي ماتقدرش تربي طفل محتاج حب وصبر وقوة مضاعفين.
أول ليلة في البيت، ماولعتش نور واحد.
قعدت في الأوضة اللي كنت مجهزاها ليه.
السرير جاهز.
الموبيليا اللي فيها نجوم بتلف ببطء مع الهوا.
الدبدوب البني بحضنه الأصفر فوق الرف.
شنطة البيبي جنب الباب.
كل حاجة مستنية طفل مش موجود.
قعدت على الأرض وسندت ضهري على السرير.
كنت عايزة أعيط.
بس ماقدرتش.
أوقات الوجع ما بيطلعش من العين.
بيفضل محشور في الصدر تقيل زي الحجر.
أنا عملت الصح.
قلتها مرة.
عشرة.
خمسين.
لحد ما صوتي نفسه قرفني.
اليوم التاني كان أسوأ.
دخلت المطبخ وشفت علبة كورن فليكس على شكل دبدوب كنت شرياها عشان آدم.
مع إنه أصلًا لسه ماعندوش سنان.
بس كنت متخيلة إيده الصغيرة وهي بتحاول تمسكها.
كنت متخيلة ضحكته.
كنت متخيلة حياة كاملة.
مسكت العلبة.
بصتلها دقايق.
وبعدين رميتها في الزبالة.
وساعتها
انهرت.
عيطت كأني حيوان مجروح.
وأنا حاضنة البطانية التانية اللي ماقدرتش أسيبها في المستشفى.
لأني كنت عاملة بطانيتين.
واحدة للسرير.
وواحدة لما أشيله في الليالي البرد.
أمي اتصلت 7 مرات.
أختي بعتت فويسات.
جارتي خبطت بالشوربة.
مافتحتش لحد.
أقولهم إيه؟
إني سيبت ابني عشان خوفت ماكنش كفاية ليه؟
إني اتكسفت أتخيل الناس وهما باصينلنا هو بملامحه المختلفة وأنا برجلي الصناعية؟
إني للحظة قذرة حسيت إن ربنا ظلمني مرتين؟
الساعة 9 الصبح في اليوم التالت، تليفوني رن.
رقم غريب.
رديت بصوت ناشف.
مدام رنا؟
دمي تلج.
أيوه.
أنا الممرضة كارمن من المستشفى.
قعدت بسرعة.
آدم حصله حاجة؟
سكتت ثانية.
ثانية طويلة كفاية تقتلني.
هو كويس بس ماوقفش عياط.
قفلت عيني.
حسيت الدنيا بتنهار فوق دماغي.
حاولنا نشيله ونهديه ونرضعه لكن في حاجة واحدة بس بتهديه.
ماكنتش قادرة أتنفس.
إيه؟
صوتها وطي
البطانية اللي سيبتيها. أول ما نقربهاله، بيسكت.
حطيت إيدي على بقي.
أنا مش بكلمك عشان أحكم عليكي بس حسيت لازم تعرفي.
قفلت المكالمة.
وقعدت أبص للحيطة كأن حكمي مكتوب عليها.
ابني كان بيعيط عشاني.
عشان حاجة مني.
عشان حتة حب أنا سيبتها ورايا فاكرة إنها مش كفاية.
حضنت التليفون على صدري.
وافتكرت صوابعه.
صغيرة جدًا.
وإزاي أول ما اتولد مسك صباعي كأنه عارفني من قبل الدنيا.
كأنه بيقولي
ما تمشيش.
قمت بسرعة لدرجة إني كنت هقع.
الرجل الصناعية خبطت في الترابيزة.
الوجع طلع لحد وركي.
بس ماوقفتش.
خدت شنطتي والمفاتيح والبطانية الزرقا التانية.
وسقت للمستشفى وأنا عيني مورمة، بدعي عند كل إشارة حمرا زي بنت صغيرة خايفة.
يارب لو لسه يسمحولي أشوفه لو مش متأخر
دخلت من باب الطوارئ.
نفس الباب.
نفس ريحة المطهر.
نفس الطرقة اللي مشيت فيها من 3 أيام وأنا بعمل نفسي قوية مع إني كنت بهرب.
الممرضة كارمن شافتني من بعيد.
ما ابتسمتش.
ما وبختنيش.
بس بصتلي بنفس نظرة حد شاف واحد راجع من جهنم.
هو جوه.
رجلي كانت بتترعش.
اللي من لحم.
واللي من معدن.
مشيت ببطء.
كل خطوة كانت أهون من الذنب.
دخلت الحضانة.
وشفته.
آدم كان صاحي.
ملفوف في بطانيتي.
وعينيه الصغيرة الضيقة تايهة وسط النور الأبيض والأصوات الغريبة.
إيده مفتوحة.
كأنه مستني.
قربت من السرير وحسيت صدري بيتكسر.
حبيبي
شفايفه اتحركت حركة صغيرة.
بس بالنسبة لي كانت معجزة.
مديت إيدي وأنا بترعش.
صباعه لمس إبهامي.
وقبل حتى ما ألحق أقول أنا آسفة
ظهرت الأخصائية الاجتماعية ورايا، ماسكة ملف أحمر.
وقالت بجدية
مدام رنا لازم نتكلم قبل ما تلمسي الطفل.
التفتُّ للأخصائية الاجتماعية، الأستاذة عالية الشربيني، ودموعي نازلة على وشي بغزارة، بس عيني كانت حادة وثابتة كالسيف. ضميت البطانية الزرقا التانية لصدري، ووقفت بكامل طولي مستندة على رجلي الصناعية بكل قوة، وبصيت للملف الأحمر اللي في إيدها وقلت بنبرة حسم عمري ما طلعت من بوقي
لمحة نيوز

قبل كدة
مريم بثبات وقار أنا مفيش كلام بيني وبينك يا فندم قبل ما أخد ابني في حضني! أنا مضيت ورق تنازل من ٣ أيام تحت تأثير صدمة نفسية وخوف، والورق ده لسه مدخلش حيز التنفيذ القانوني ولا صدر بيه قرار من محكمة الأسرة، يعني أنا لسه أمه القانونية والشرعية بالمليم، ومحدش له سلطة يمنعني ألمس حتة من لحمي!
الممرضة كارمن ابتسمت في السر من ورا الكمامة بتاعتها، والأخصائية عالية وشها اتقفل واتنهدت بتأثر، وفتحت الملف وقالت بصوت هادي غير كل توقعاتي
الأخصائية عالية مدام رنا.. أنا مش جاية أمنعك، أنا كنت واقفة ورا الشباك وشفت إزاي آدم مسك صباعك وأول ما سمع صوتك ضربات قلبه انتظمت على شاشات المراقبة! أنا بس كنت لازم أقولك إن الإجراءات القانونية لإلغاء طلب التنازل لازم تمضي عليها حالا قبل الساعة ١٢ الضهر عشان نقفل الملف ده للأبد.. وبصراحة؟ أنا فخورة بيكي كأم حاربت خوفها ورجعت لدمها.
مسكتُ القلم الفضي بإيدين ثابتة مش بترعش، ومضيت على ورق إلغاء التنازل، وقطعت الورق القديم ميت حتة ورميته في الزبالة. وفي ثانية واحدة، انحنيت وشلت آدم الصغير من السرير الأبيض، ولفيته بالبطانية الزرقا التانية، وضميته لصدري بكل قوتي.
أول ما ريحة لبنه ومستشفاه خبطت في نفسي، حسيت إن رجلي المعدن دي بقت أقوى من ميت راجل، وإن العجز مكنش في جسمي.. العجز كان في عقلي لما سمحت لكلام الناس ونظرات الشفقة تكسرني! آدم بملامحه الجميلة المميزة وبطانيته الزرقا بقى هو التاج اللي هلف بيه الدنيا وراسي فوق السحاب.
خرجتُ من باب المستشفى وأنا شايلاه، المطر كان خف تماماً، وشمس مايو ٢٠٢٦ الدافية والمنورة بدأت تطلع وتغسل الرصيف. ركبت عربيتي المجهزة، وسقت لبيتي وأنا مبتسمة من كل قلبي ودموع الفرحة في عيني.
أول ما دخلت الأوضة اللي فيها النجوم بتلف، ولعت الأنوار كلها. شيلت علبة الكورن فليكس من الزبالة ونضفتها وحطيتها في نص الرف جنب الدبدوب البني، وقلت لآدم وأنا ببوس صوابعه الصغننة البيت ده بتاعك يا بطل.. وإحنا الاتنين هنعلم الدنيا كلها يعني إيه قوة ويعني إيه حب حقيقي ملوش شروط.
بعد مرور عام كامل على تلك الليلة التاريخية الموعودة في مايو ٢٠٢٦..
البيت الصغير بقى مالي الدنيا ضحك وفرحة ملوش حدود. آدم كبر وبقى عنده سنة، وبقى يزحف على الأرض ويطلع له سنتين صغار ويضحك من قلبه أول ما يشوفني داخلة الأوضة. أنا رجعت لشغلي كمهندسة ديكور، وأسست مؤسسة خيرية خاصة بدعم الأمهات من ذوي الهمم وأطفال متلازمة داون باسم مؤسسة ملاك آدم للأمومة الشجاعة، وبقيت بيكسب ملايين بالحق والنظافة وراسي فوق السحاب.
أمي وأختي وجارتي اللي كنت بقفل الباب في وشهم زمان، بقوا قاعدين معايا في الصالة بيشربوا القهوة، وآدم بيتحرك في حضنهم بالبطانية الزرقا القديمة اللي بقت رمز شرفنا وجبر خاطرنا.
قعدت في التراس ببص للزرع والنور، وحضنت ابني وبست راسه بحنية وقلت الحمد لله.
اتعلمت رنا إن الأمومة مش بجسم سليم أو ملامح عادية؛ الأمومة بقلب شجاع مبيعرفش يستسلم، والست اللي بتصون ابنها وبتحارب خوفها عشان خاطر حتة من دمها، ربنا سبحانه وتعالى بيديها القوة والذكاء ويفتح لها أبواب الرحمة والنور عشان تعيش بالنفس العزيزة والكرامة العظيمة التي لا تموت للأبد.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *