كتب كتابى 3 حكايات رومانى مكرم
الشخص اللي كان واقف قدام عربيتي ومبتسم، مكنش حد بعيد عن الحكاية.. ده كان الأستاذ (سامح عبد العزيز)، المحامي الشاب اللي رجّعلي وصولات الأمانة ووقف معايا في أصعب لحظة!
لما لقاني وقفت متنحة ومستغربة، ضحك وقال بنبرة وقورة:
“أستاذة رنا، أنا أسف لو جيت فجأة ومن غير ميعاد، بس أنا بقالي شهرين مستني القضايا كلها تقفل والورق كله يخلص، عشان أجيلك بصفتي الشخصية، مش بصفة المحامي.”
### بداية لصفحة جديدة
سكت ثواني، وعينيه فيها نظرة إعجاب واحترام حقيقي، وكمل كلامه:
> “أنا من يوم ما شفتك في مكتبي، وشفت ثباتك وكرامتك وإزاي وقفتي في الوجع ده كله من غير ما تكسري أهلك، وأنا حاطط عيني عليكي. أنا طلبت رقم عنوانك من الأستاذ أحمد أخوكي، وهو قالي إن القرار ليكي أولاً وأخيراً.. أنا جاي أطلب إيدك يا رنا، وبقولك من دلوقتي: أنا شاري كرامتك وأهلك قبل ما أكون شاريكي إنتي.
الدنيا لفت بيا تاني، بس المرة دي مكنش طنين صدمة، كان طنين فرحة وذهول من تدبير ربنا. شكرته وبسرعة ركبت عربيتي وروحت البيت وأنا قلبي بيدق زي الطبل. أول ما دخلت، لقيت أخويا وأبويا قاعدين ومبتسمين، وأخويا قالي: “سامح كلمني واستأذنني، وأنا قولتله مفيش دخول بيوت من الأبواب غير لما رنا توافق.. الراجل ده إحنا جربناه في مواقف صعبة، وبان معدنه.”
### الكرم الإلهي.. وحسرة في الجانب الآخر
بعد تفكير واستخارة، وافقت إن سامح يجي يتقدم رسمي. وجاء يوم الخطوبة، وعملنا حفلة صغيرة في البيت، وكنت لابسة فستان رقيق، والفرحة اللي اتسرقت مني من شهور رجعتلي أضعاف.. ربنا عوضني برجل بجد، بيحترمني وبيعمل لأهلي ألف حساب.
في نفس الأسبوع اللي اتخطبت فيه، عرفنا من الجيران القدام إن طليقي (محمد) وأمه اتطردوا من شقتهم لأنها كانت إيجار جديد ومقدروش يدفعوا الإيجار بعد ما فلوسهم كلها ضاعت في معرض السجاد وفي المحاكم والتعويضات اللي دفعوها ليا.
الأخطر من كده، إن أخته (مروة) سافرت وتبرأت من تصرفات أمها، ومحمد بقا شغال شغلانتين عشان يسدد الديون اللي عليه، والمنطقة كلها بقت تبص لهم بنظرة شماتة بعد ما كانوا بيتكبروا على خلق الله.
### الصدمة التي لم تكن في الحسبان!
مرت الأيام وبدأنا نجهز لـ “كتب كتابي” الجديد على سامح، وقررنا إننا مش هنجيب سجاد غالي، وهنفرش بيتنا بالبساطة والحب اللي حُرمت منهم في المرة الأولى.
وقبل الفرح بأيام قليلة، وأنا قاعدة مع سامح في المحل بنختار فستان الفرح، تليفوني رن برقم غريب.. رديت ولقيت صوت واطي، مكسور، وبيتنفَس بصعوبة، صوت عرفته كويس أوي رغم السنين.. كانت أمه!
قالتلي بصوت باكي ومذلول:
“إلحقيني يا رنا.. محمد بيمــ,,ـــــوت، عمل دــ,,ـــــادثة كبيرة بالعربية وهو راجع من شغلي بالليل، وهو في العناية المركزة ومش بينطق غير باسمك إنتي.. وبيقول عايز رنا تسامحني عشان ربنا يشفيني.. أرجوكي يا بنتي تعالي، اعتبريني زي أمك وسامحيه!”
بصيت لسامح اللي كان شايف علامات الصدمة على وشي، ولقيت نفسي قدام خيار صعب، الحكاية لسه منتهتش، والماضي راجع يفتح أبوابه في أكتر وقت أنا عايزة أنساه فيه!
بصيت لسامح والتليفون لسه في إيدي، الدموع اتجمعت في عيني بس المرة دي مش من القهر، المرة دي من هيبة الموقف.. ربنا سبحانه وتعالى بيخلص الحقوق في الدنيا قبل الآخرة.
سامح حس بيا، أخد التليفون من إيدي بكل هدوء وقال لأم محمد:
“يا حاجّة، ربنا يشفيه ويعافيه ويقومه بالسلامة، بس رنا مبقاش ليها صلة بالموضوع ده، وهي دلوقتي ذمتها مع راجل تاني.. اطلبوا من ربنا السماح وهو غفور رحيم.” وقفل السكة.
### زيارة خلف قضبان الندم
رغم كلام سامح، فضلت طول الليل حاسة بنــ,,ـــــار جوايا، مش حب في محمد ولا حنين، لكن خوف من ربنا ومن المــ,,ـــــوت. اتكلمت مع والدي وأخويا، ووالدي بحكمته قالي:
يا بنتي، إحنا ولاد أصول، والمسامح كريم عند المقدرة.. إحنا ربنا نصرنا ورجعلنا كرامتنا لحد عندنا، روحي يا بنتي وبصي عليه واكسري الشر، عشان تبدأي حياتك الجديدة ونفسك صافية تمامًا.”
>
وافقت رنا، وراحت المستشفى ومعاها بابا وأخوها وسامح اللي صمم يكون ضهرها وحمايتها في اللحظة دي.
لما وصلنا العناية المركزة، كان المنظر يقطع القلب.. محمد اللي كان صوته بيهز المعرض ويقول بتكبر “انتي طالق بالثلاثة”، كان راقد بين الأجهزة، عاجز، ومش قادر يحرك إيده. وأمه واقفة جنبه، وشه الشاحب والكسرة اللي في عينيها تخلي الحجر يلين، أول ما شافتني جريت عليا وبوّست راسي وهي بتقول: “سامحيني يا بنتي.. سامحيني أنا اللي خربت على ابني وعميت عينه!”
قربت من سر,,ـــــير محمد، فتح عينيه بصعوبة وشافني، نزلت دمعه من عينيه وشاور بإيده بمعنى
“سامحيني”.
بصيتله وقلت بصوت هادي: “أنا مسمحاك يا محمد.. مسمحاك عشان ربنا ومسمحاها، وبريت ذمتك من أي ذنب، ربنا يشفيك ويقومك لأمك.”
التفتُّ وخرجت، وأنا حاسة إني سبت ورايا آخر خيط كان رابطني بالماضي الكئيب ده.
### الليلة الكبيرة.. وزغرودة العوض
مرت أسابيع، ومحمد بدأ يتعافى تدريجيًا وخرج من المستشفى إنسان تاني خالص، مكسور وهادي وبيحاول يصلح اللي باقي من حياته بعيد عننا تمامًا.
وجاءت الليلة الكبيرة.. ليلة فرحي على سامح. الشقة كانت جاهزة، بسيطة، شيك، وكل حاجة فيها اخترناها سوا بالحب والتفاهم، والسجاد اللي فرشناه كان هادي وجميل ومش بـ35 ألف ولا حاجة، بس كان مليان بركة.
كنت واقفة بالفستان الأبيض في وسط القاعة، وأخويا وأبويا ماسكــ,,ـــــين إيدي ودموع الفرحة في عينيهم. المأذون قعد، وسامح حط إيده في إيد والدي، وبدأت مراسم كتب الكتاب.
الكل كان فرحان وبيزغرد، وأنا ببص لسامح وهو بيمضي على القسيمة وبيقولي وعينيه مليانة لمعة: “مبروك عليا إنتي يا رنا.. يا ست البنات.”
وفي وسط الفرحة والزغاريد، والكل بيرقص ومبسوط، لمح أخويا أحمد شخص واقف عند باب القاعة من بعيد، لابس بدلة قديمة شوية، وواقف بيبص علينا وعينيه مليانة دموع وحسرة..
أحمد قرب من بابا وهمس في ودنه، وبابا التفت وبص ناحية الباب، والابتسامة اختفت من وشه فجأة!
التفت والدي ناحية الباب، وعينه جت في عين الشخص اللي واقف.. كان محمد!
كان واقف بعيد، ساند على عكاز خفيف إثر الدــ,,ـــــادثة، لابس بدلة بسيطة، وملامحه مليانة انكسار ونظرة ندم وحسرة لو اتوزعت على بلد تكفيها. مكنش جاي يعمل مشكلة، ولا جاي يرفض الفرح؛ كان جاي بس يشوف بعينه الفرحة اللي سرقها بغبائه وطوع أمه فيها، وهي بتتولد من جديد في مكان تاني ومع راجل تاني صانها وقدرها.
## نهاية الجبروت.. وبداية العوض
أخويا أحمد وشه شد وكان رايحله، بس والدي مسك إيده بهدوء وهز راسه وقاله:
> “سيبه يا بني.. هو جاي يشوف عدل ربنا، سيبه يعرف إن اللي بيكسر بنت أصول مبيكسبش في الآخر، وسيبه يمشي بكسرته.”
>
محمد أول ما شاف والدي باصص له، طأطأ راسه بالأرض، ولف ضهره وخرج من القاعة وهو بيجر رجليه ودموعه نازلة، ساب وراه الفرحة والزغاريد اللي كان ممكن تكون ليه، ورجع لأمه وللبيت الفاضي والديون اللي مب تخلصش.
في اللحظة دي، المأذون صرخ بأعلى صوته: **”بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”**.
زغرودة العوض والنهاية
القاعة كلها اتهزت بالزغاريد، وسامح وقف وبصلي بكل حب، وباس راسي قدام الدنيا كلها، وقالي بصوت دافي:
“ألف مبروك يا مدام رنا.. من النهاردة مفيش دموع، ومن النهاردة كرامتك وحقك هما حمايتي وشرفي.”
بصيت لأبويا وأخويا وأمي اللي كانوا بيعيطوا من الفرحة، وحسيت إن كل وجع عشته في المعرض، وكل قهرة نزلت من عيني في الشارع، ربنا عوضني عنها بأضعاف أضعاف.
السجاد الغالي بـ35 ألف جنيه راح وصاحبه اتسجــ,,ـــــن، والشقة الفاضية اتقفلت، والجبروت والتكبر اتهدوا تحت رجلين المرض والفقر.. وبيت رنا الجديد اتملا بالبركة والرضا، وخرطوم النور اللي اطفى من الفرحة الأولى، نور في الفرحة التانية بأمر الله.
تمت الحكاية.. وللبيوت أسرار، وللظالمين نهاية.**
