بنتي دخلت مكتبي حكايات صافي هاني

بنتي الحامل دخلت مكتبي وهي بتجري، ووشها كله كدمات لسه جديدة. جوزها، اللي هو سياسي ومحبوب جداً في منطقتنا، دخل وراها بكل برود وقفل الباب. وبضحكة لئيمة رفع إيده وقال: “تفتكري مين اللي هيتصدق؟ المحافظ المحترم، ولا ربة منزل مجنونة ومأثرة عليها الهرمونات؟” أنا مأوتش ولا حتى حاولت أضربه. بكل هدوء ظبطت المايك الصغير اللي فستاني وشاورت على اللمبة الحمراء المنورة في الكاميرا اللي وراه. وبصفتي صاحبة أكبر شبكة قنوات إخبارية في البلد، أنا لسه حالا مذاعة اعترافه ده على الهواء مباشرة لـ 3 مليون مشاهد.

​بنتي اقتحمت مكتبي والدم على شفتها والرعب مالى عينيها. وراها، جوزها كان مبتسم بثقة عمياء، كأنه داخل مكان بتاعه ومملوك ليه.

​إيلينا همست: “ماما”.

​كانت في الشهر السابع، إيد سانده بيها بطنها، والإيد التانية ماسكة في حرف الباب كأن الأرض هتتهد تحت رجليها. الكدمات الجديدة كانت ظاهرة وواضحة على وشها ورقبتها، وعين من عينيها كانت قفلت من الورم.

​لأقل من ثانية، كنت مجرد أم.

وبعدها رجعت الست اللي قضيت 30 سنة من عمري ببني فيها.

ثابتة.

ساكتة.

وخطيرة.

​المحافظ “جرانت فوس” دخل وراها وقفل الباب بصابعين اتنين بس وبكل برود. كان لابس بدلة حملته الانتخابية الكحلي، نفس البدلة اللي صورته بيها مالية اليافطات فوق تكايا إطعام المساكين ومستشفيات الأطفال. المصلح المحبوب. رجل العائلة. صوت الشعب.

​قال وهو بيظبط كمام بدلته: “إيلينا عاطفية زيادة عن اللزوم، الحمل بقى، وإنتي عارفة الستات بيبقوا عاملين ازاي في الفترة دي”.

​بنتي اتنفضت أول ما اتكلم.

دي كانت اللحظة اللي بطلت اتنفس فيها كبشر طبيعي.

​بصيت له من ورا مكتبي وسألته: “إنت ضربتها؟”

ضحك.

مش ضحكة متوترة، ولا ضحكة واحد حاسس بالذنب.

دي كانت ضحكة واثقة، متدرب عليها، وجاهزة للكاميرات.

​وقال: “مارجريت، إنتي ست ذكية، بلاش تحرجي نفسك”.

​مكتبي في الدور الـ 43 في أكبر شبكة إخبارية في البلد. ومن ورا الحيطان الازاز اللي ورايا، كان فيه مئات المنتجين والمحررين والمذيعين بيتحركوا في خلية نحل منظمة. الشاشات كانت بتنور بنسب التصويت، والأخبار العاجلة، ولقطات الحروب، وأسعار البورصة.

​لكن جوة مكتبي، مكنش مسموع غير صوت نفس بنتي اللي بترتعش.

​جرانت قرب من إيلينا وقال لها: “قولي لأمك إنك اتكعبلتي”.

شفايف إيلينا كانت بتترعش.

أنا متحركتش من مكاني.

بصلي وهو مستمتع وقال: “دي مشاكل عائلية خاصة”.

رديت عليه: “لأ، دي اعتداء”.

​ابتسامته اختفت وبقت باهتة.

وسألني: “تفتكري فيه حد هيصدق الكلام ده؟ أنا؟ المحافظ اللي بنى المدينة دي من تاني بعد الفيضان؟ الراجل اللي بيأكل المحاربين القدامى في الأعياد؟”

​رفع إيده براحة وكسل، وإيلينا رجعت لورا من الخوف.

وقال بصوت كله قسوة وخبث: “تفتكري مين اللي هيتصدق؟ المحافظ المحترم، ولا ربة منزل مجنونة ومأثرة عليها الهرمونات؟”

​صوابعي كانت ساندة على طرف مكتبي. هادية. وثابتة.

وجرانت افتكر إن ده خوف.

الرجالة اللي شبهه دايماً بيفهموا غلط.

​قرب مني وقال: “يمكن تكوني بتملكي كاميرات يا مارجريت، بس أنا بملك بشر. قضاة. مديرين أمن. متبرعين. ونص أعضاء مجلس إدارتك كمان”.

​بصيت لبنتي وقلت لها بحنية: “إيلينا، تعالي اقفي ورايا”.

جرانت سخر وقال: “مش هتروح في حتة”.

لكنها اتمشت.

خطوة وهي بترتعش.. وبعدها خطوة تانية.

​لما وصلت جنبي، خدتها في حضني بإيد واحدة ومن غير ما أشيل عيني من عليه.

​ملامح جرانت اتغيرت وبقت قاسية: “لازم تاخدي بالك، القنوات ممكن يتسحب ترخيصها، الرعاة ممكن يختفوا.. والحوادث بتحصل”.

​أهو جاب الناهية.

التهديد.

نفس السم اللي كان بيشربه لبنتي لحد ما اقتنعت إن السكوت هو الطريقة الوحيدة عشان تعيش.

​لمست المايك الصغير اللي متعلق في فستاني.

جرانت لاحظ ده.

وضيق عينيه.

​أنا ابتسمت لأول مرة.

مش ابتسامة طيبة خالص.

​وقلت له: “جرانت، إنت دخلت مكتبي وأنا في وسط بث مباشر لحالة طوارئ عاجلة”.

​وشه اتخطف.

حاجة بسيطة كدة ظهرت في ملامحه.

بس كانت كفاية جداً.

​اتلفتت بدرجة واحدة وشاورت وراه، ناحية الكاميرا اللي متعلقة فوق الحيطة الازاز.

اللمبة الحمراء كانت منورة وثابتة.

​وقلت له: “3 مليون مشاهد.. والعدد بيزيد”.

 

الألوان هربت من وش جرانت في ثانية، والبدلة الكحلي الشيك اللي كان فارد طوله بيها كأنها صغرت عليه. بص للكاميرا وهو مش مصدق، عينيه كانت بتتحرك بسرعة وجنون بين اللمبة الحمراء المنورة وبين عيني.

​حاول يبلع ريقه، الضحكة الواثقة الساحرة بتاعة الكاميرات اختفت تماماً، وظهر مكانها وش الوش الوحش اللي كان مخبيه عن العالم كله.

​لأول مرة أشوف المحافظ “جرانت فوس” وهو بيترعش.

​قرب خطوة من الكاميرا، ورفع إيده تلقائياً كأنه بيحاول يخبي الوش اللي اتمسح بكرامته الأرض، بس خلاص.. الفأس وقعت في الرأس.

​همس وهو صوته فيه بحة رعب: “مارجريت.. إنتي بتعملي إيه؟ اقفلي البتاع ده حالاً. ده… ده كان سوء تفاهم. إحنا كنا بنهزر، صح يا إيلينا؟”

​بص لبنتي، وعينيه كانت بتتوسل لها بكل قلة حيلة، نفس العينين اللي من دقيقتين بس كانت بتطق شر وقسوة. إيلينا مسكت في دراعي أكتر، بس المرة دي مكنتش بترتعش من الخوف.. كانت بتتنفس لأول مرة وهي حاسة بالأمان.

​رديت عليه بكل برود وأنا بسند ضهري على الكرسي: “مفيش قفل يا سيادة المحافظ. المخرج بتاعي جالي أمر في السماعة إن البث مكمل، وتلفونات قسم الشرطة والمجلس المحلي والنائب العام مابتشيلش سكتة من كتر المكالمات”.

​جرانت رجع لورا خطوتين، وبص من ورا الحيطة الإزاز. خلية النحل اللي كانت شغالة برة كانت وقفت تماماً. مية منتج ومذيع ومحرر كانوا واقفين، باصين لشاشات العرض الكبيرة اللي ناقلة اللي بيحصل جوة مكتبي، وعينيهم كلها ذهول وقرف منه.

​في اللحظة دي، سمعنا صوت سرينات بوليس من برة المبنى، الصوت كان بيقرب بسرعة وبيعلا في شوارع المدينة.

​بصيت له وقلت له والابتسامة لسه على وشي: “تفتكر مين اللي هيتصدق دلوقتي؟ المحافظ المحترم… ولا الـ 3 مليون بني آدم اللي شافوا حقيقتك؟”

 

جرانت حس إن الأرض بتلف بيه، وبدأ يرجع لورا لحد ما ضهره خبط في الباب الإزاز. بص على الشاشات الكبيرة اللي برة المكاتب، وشاف وشه وهو طالع “تريند” في كل ثانية، والتعليقات والهاشتاجات بتزيد زي النار في الهشيم.

​الراجل اللي كان بيحكم ولاية كاملة بكلمة، بقى في دقيقة واحدة مجرد مجرم متلبس قدام الشعب كله.

​فتح أول زرارين من قميصه كأنه بيتشاهد، وبصلي بغل وقال بصوت واطي: “إنتي دمرتي نفسك ودمرتي قناتك.. أنا مش هقع لوحدي، وعهد الله ما هقع لوحدي!”

​ضحكت وبصيت له من فوق لتحت وقلت له: “أنا خسرت رخص قنوات؟ خسرت رعاة؟ مش مهم.. بس كسبت بنتي وحميت حفيدي اللي لسه مجاش الدنيا، وده عندي بالدنيا وما فيها. أما بالنسبة لإنك مش هقع لوحدك.. فـ ورينا بقى شطارتك هتعمل إيه مع قضاة ومديرين أمن شافوك لايف وإنت بتهددهم وبتقول إنك تملكهم في جيبك!”

​في اللحظة دي، الباب الإزاز بتاع مكتبي اتفتح بقوة، ودخل اتنين من أفراد الأمن بتوع الشبكة، ووراهم تلاتة من رجال الشرطة برتب كبيرة، ومعاهم كلبشات بتلمع تحت الإضاءة.

​الظابط قرب من جرانت بكل حسم وقال له: “سيادة المحافظ.. معلش، مفيش سيادة محافظ بقى خلاص.. إنت مقبوض عليك بتهمة الاعتداء والتهديد واستغلال النفوذ. اتفضل معانا من غير شوشرة”.

​جرانت حاول يتكلم، حاول يرجع هيبته ويقول “إنت مش عارف أنا مين”، بس الكلام وقف في زوره لما لقى العساكر بيلفوا إيديه ورا ضهره والكلبشات بتقفل عليها بصوت حاد ومسموع.

​وهما بيجروه لبرة، وشه كان في الأرض، وكل الموظفين في الصالة واقفين على الصفين بيتفرجوا عليه بقرف، وفيه اللي كان بيصوره بموبايله.

​أول ما الباب قفل وراه، المكان رجع هادي تاني.

​اتلفتت لإيلينا، أخدتها في حضني بجد المرة دي، وطبطبت على ضهرها وهي بتعيط.. بس المرة دي كانت بتعيط من الفرحة، دموع الارتياح إن الكابوس انتهى.

​بصيت للكاميرا اللي لسه منورة أحمر، وقربت من المايك وقلت للجمهور: “بنشكركم على حسن المتابعة.. والعدالة دايماً بتشوف، حتى لو استخبيتوا ورا الأبواب المغلقة. نلتقي في نشرة الحادية عشرة”.

​وشاورت للمخرج، فاللمبة الحمراء طفت.. والدنيا أعلنت نهاية عصر جرانت فوس للأبد.

مرت الساعات اللي وراها كأنها إعصار.

​مكتبي اللي كان من شوية ساحة معركة، اتقلب لغرفة عمليات. دخل فريق طبي كامل من المستشفى بتاعتي عشان يطمنوا على إيلينا وعلى الجنين. الحمد لله، النبض كان مستقر، بس الدكتور أكد إنها محتاجة راحة تامة وتبعد عن أي ضغط عصبي. نقلناها على جناح خاص في المستشفى تحت حراسة مشددة من أمن الشركة، عشان مفيش أي صحفي أو فضولي يقدر يقرب منها.

​أما أنا، ففضلت قاعدة ورا مكتبي. التليفونات المباشرة اللي على ترابيزتي مكنتش بتبطل رن. وزراء، أعضاء مجلس شعب، ورؤساء أحزاب… كلهم كانوا بيحاولوا يتنصلوا من جرانت فوس، ويؤكدوا لي إنهم مكنش عندهم فكرة عن قرفه وعنفه. الكل بيغسل إيده منه قبل ما المركب تغرق بيه تماماً.

​على الساعة عشرة بالليل، الباب خبط ودخل “طارق”، رئيس التحرير التنفيذي للقناة وأقرب مساعديني. كان ماسك تابلت وعينيه بتلمع بذهول.

​حط التابلت قدامي وقال بنبرة مش مصدقة: “يا مدام مارجريت… إحنا عدينا الـ 20 مليون مشاهدة في إعادة الفيديو على المنصات. الفيديو بقى الحدث الأول في العالم كله مش بس هنا. أسهم المجموعة في البورصة، بعد ما نزلت أول نص ساعة من الخوف، رفعت 15% لأن الناس شافت إن القناة واقفه مع الحق ومخافتش من السلطة”.

​هزيت راسي بهدوء وقلت له: “جرانت جراند فوس اتمسح من الوجود يا طارق. المهم دلوقتي النيابة عملت إيه؟”

​طارق ابتسم وقال: “النائب العام أصدر قرار بحبسه 15 يوم على ذمة التحقيق، ورفضوا تماماً خروجه بكفالة تحت بند ‘خطر على الأمن العام ومحاولة التأثير على الشهود’. ده غير إن فيه تلات قضاة ومدير أمن طلبوا إعفاء من مناصبهم بعد ما ذكر اسمهم في البث المباشر”.

​في اللحظة دي، حسيت بنغزة وجع في قلبي… مش على جرانت، داهية تأخده، بس على السنين اللي بنتي عاشتها مع الوش ده وهي ساكتة ومستحملة عشان تحمي عيلتها وتحميني.

​قمت من ورا مكتبي، وأخدت شنطتي وجاكت البدلة بتاعي.

​بصيت لطارق وقلت له: “أنا رايحة المستشفى لأيلينا. النشرة بتاعة الساعة حداشر، عاوزاها تركز على الضحايا اللي زي إيلينا، عاوزة القناة تفتح ملف العنف الأسري وتغطيه بكل جرأة. مفيش خطوط حمراء بعد النهارده يا طارق”.

​مشيت في صالة التحرير الكبيرة. الموظفين كلهم وقفوا يسقفوا، تحية مش بس لصاحبة الشغل، تحية للأم اللي حمت بنتها بأشرس طريقة ممكنة.

​لما وصلت المستشفى ودخلت أوضة إيلينا، لقيتها قاعدة على السرير، الإضاءة كانت هادية، والورم اللي في عينها بدأ يهدأ شوية. أول ما شافتني، ابتسمت… ابتسامة حقيقية مفيهاش خوف ولا انكسار.

​قعدت جنبها على طرف السرير، وخدت إيدها بين إيديا.

​همست لي وهي بتضغط على إيدي: “شكراً يا ماما… إنتي رجعتيلي حياتي”.

​بست راسها وقلت لها: “حياتك وحياة ابنك أهم من أي سلطة في الدنيا يا قلب ماما. ارتاحي دلوقتي… بكره الصبح هنبدأ صفحة جديدة، نضيفة ومفيهاش أي حد يقدر يرفع عينه فيكي”.

 

عدى شهرين على الليلة دي، شهرين والدنيا مقلوبة بره بس هادية ومطمنة جوه بيتنا.

​محاكمة جرانت فوس كانت أسرع محاكمة في تاريخ البلد، المحامين بتوعه حاولوا بكل الطرق يلاقوا ثغرة، قالوا “تسجيل بدون إذن”، وقالوا “مؤامرة سياسية”، بس البث المباشر اللي شافه ملايين البني آدميين كان دليل قاطع ملوش حل. المحكمة حكمت عليه بأقصى عقوبة بتهمة الاعتداء العنيف، واستغلال النفوذ، والتهديد بالسلاح، واتحكم عليه بالسجن المشدد 10 سنين، مع عزله من منصبه للأبد وشطب اسمه من الحياة السياسية.

​الراجل اللي كان فاكر إنه بيملك البشر، بقى مجرد نمرة في زنزانة ضلمة.

​في يوم دافي من أيام ربيع، كنت قاعدة في جنينة الفيلا بتاعتي، اللابتوب قدامي بتابع منه شغل القناة، وجنبي كباية الشاي بنعناع. بصيت من فوق الشاشة، وشفت إيلينا وهي بتمشي براحة وسط الورد، بطنها كانت كبرت أكتر وخلاص دخلت في الشهر التاسع، ملامحها رجعت تنور تاني، والكدمات اختفت تماماً وسابت مكانها ضحكة صافية مسمعتهاش منها من سنين.

​كانت بتكلم طفلها اللي لسه مجاش، وبتقول له إنه هيطلع للدنيا في مكان أمان، ومفيش مخلوق هيقدر يؤذيه.

​تليفوني رن، وكان طارق، رئيس التحرير.

​”مساء الخير يا مدام مارجريت. حبيت أبلغك إن الحلقة الإستثنائية اللي عملناها عن ‘مراكز دعم المرأة والمعنفات’ حققت أعلى نسبة مشاهدة في تاريخ القناة، وفيه تبرعات بملايين الدولارات وصلت للمراكز دي عشان نكبر شغلها.”

​ابتسمت وقلت له: “الله ينور يا طارق. هو ده الإعلام الصح.. الإعلام اللي بيحمي الناس مش اللي بيطبل لأصحاب السلطة.”

​قفل طارق معايا، وفي نفس اللحظة إيلينا لفت وبصتلي، حطت إيدها على بطنها فجأة وقالت بصوت ملهوف وفرحان: “ماما… شكل الحفيد اللي مستنياه قرر ييجى الدنيا حالا!”

​قمت من مكاني بسرعة، الشغل والكمبيوتر وكل قنوات العالم اتنسوا في ثانية. سندتها بكل حب وأنا قلبي بيدق بسرعة، بس المرة دي مش من الغضب ولا الخوف.. المرة دي من الفرحة والشغف ببكرة.

​وإحنا ماشيين رايحين على العربية، بصيت للسما وقلت في بالي: “أهو ده بقى البث المباشر الحقيقي.. بث الحياة الجديدة اللي دفعنا تمنها غالي، بس كسبناها للأبد.”

 

دخلنا المستشفى في حالة طوارئ، بس المرة دي الطوارئ كانت فرحة ولمة، مش رعب ودم.

​المستشفى كله كان مستنينا، الدكاترة والممرضات بقوا زي عيلتنا بعد الأزمة اللي عشناها. أخدوا إيلينا على أوضة العمليات بسرعة، وأنا فضلت واقفة برة في الطرقة، رايحة جاية، بفرك في إيديا وقلبي بيدق زي الطبل. لثواني، رجعت بذاكرتي لليلة إياها، لما دخلت عليا وهي مكسورة… وبصيت لروحي دلوقتي وأنا مستنية بنتي تخرج وهي منتصرة، ومعاها حتة جديدة مننا.

​بعد ساعتين كاملين كأنهم سنتين، باب العمليات اتفتح.

​خرج الدكتور وهو بيقلع الكمامة، والابتسامة مالية وشه: “مبروك يا مدام مارجريت… ولد زي الورد، وإيلينا زي الفل وصحتها ممتازة”.

​نفسي اللي كان مكتوم من شهرين رجع لي كامل في اللحظة دي.

​دخلت الأوضة لإيلينا، كانت نايمة على السرير، وشها تعبان بس رايق، وفي حضنها حتة لحمة حمراء صغيرة، نايم في أمان الله ولا حاسس بالدنيا. قربت منها وبست راسها، وإيلينا رفعت عينيها فيا وهي بتعيط، بس دموعها المرة دي كانت صافية، دموع أم بتشوف أول فرحتها.

​شالت البيبي براحة وقالت لي بصوت واطي: “سميته ‘آدم’ يا ماما… عشان يبدأ حياة جديدة، إنسان بجد، وميطلعش شبه اللي فات”.

​هزيت راسي وأنا بمسح دموعها: “عاش الأسامي يا قلب ماما. آدم هيتربى في وسطنا، وهيكبر وهو عارف إن وراه أم قوية، وجدة مابتخافش من حد”.

​قعدت جنبها وأنا شايلاه، وبصيت من شباك المستشفى على أضواء المدينة اللي منورة برة. المدينة دي اللي كان بيحكمها ظالم وفي ثانية اتمسح تاريخه، والناس نسيت اسمه ومبقاش يفتكره غير السجان وهو بيدخل له الأكل من فتحة الباب.

​تليفوني نور على الترابيزا، كانت رسالة من طارق كاتب فيها: “مبروك الحفيد يا فندم، القناة كلها بتبارك لك، والخبر طالع عاجل على الشاشة دلوقتي”.

​قفلت التليفون وحطيته في الشنطة. مش قنوات الأخبار ولا نسب المشاهدة ولا الدنيا دي كلها كانت تفرق معايا. الحقيقة الوحيدة اللي كانت تهمني، والانتصار الحقيقي اللي عشته في عمري كله، هو النفس الهادي اللي بنتي بتاخده دلوقتي وهي نايمة، والولد الصغير اللي ماسك في صباعي بكل قوته، كأنه عارف إن الإيد دي هي اللي حمت حياته قبل ما يولد.

​قفلت ستارة الشباك، وقعدت في الضلمة الخفيفة بتاعة الأوضة، وأنا مطمنة إن الكابوس انقفل عليه الباب للأبد، والقصة بتاعتنا خلصت بأجمل تتر نهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *