بعد ثلاث ايام

بعد ثلاثة أيام فقط من زواجها، اقتحمت حماتها شقتها باستخدام رقم سري، وسكبت عليها طعامًا ساخنًا على ساقيها… ثم أجبرها زوجها على الاعتذار!

لكنهم لم يكونوا يعلمون أن هذا الهجوم سيفضح السر الأخطر الذي أخفوه قبل الزفاف…

“اعتذري لأمي فورًا… حتى لو كانت آذتك!”

دي كانت الكلمات اللي صرخ بها مروان في وجهي بعد ثلاثة أيام فقط من زواجنا، وأنا مرمية على أرض مطبخي، وساقي بتحترق وألمي لا يُحتمل.

ثلاثة أيام بس.

لسه ما خلصتش حتى ترتيب شنطة شهر العسل… لما فهمت إني ما اتجوزتش راجل حقيقي.

أنا دخلت لعيلة… كانت مخططة لي من البداية.

اسمي ياسمين سامح، عندي 32 سنة، وبعيش في القاهرة، في شقة صغيرة في مدينة نصر اشتريتها بعد سنين تعب وشغل كموظفة إدارية في مركز طبي.

ما كانتش فخمة… ولا فيها منظر خيالي… لكنها كانت ملكي أنا.

ملكي بجد.

دفعت تمنها من شغل إضافي، وإجازات ما أخدتهاش، وأيام طويلة في المكتب، وحتى بعت عربية بابا القديمة بعد ما توفى.

الشقة دي كانت إنجازي… أماني… والدليل إني أقدر أعتمد على نفسي.

وبعدين عرفت مروان.
كان باين محترم، لطيف، خفيف الظل… أو ده اللي كنت فاكرة.

من أول فترة الخطوبة، كانت أمه، مدام فاطمة، واضحة جدًا إنها شايفة إن مفيش بنت تستاهل ابنها.

“ابني محتاج ست بيت محترمة… مش واحدة فاكرة نفسها مستقلة”، كانت تقول بابتسامة مصطنعة.

ومروان كان دايمًا يضحك.

“سيبك منها يا ياسمين… دي طبعها كده.”

لكن الموضوع كان شخصي… جدًا.

في تالت يوم جواز، صحيت بدري علشان أحضر له فطار: بيض، فول، شاي، وعيش طازة كنت جايباه من الليلة اللي قبلها.
كنت عايزة أبدأ بداية كويسة… وأقنع نفسي إن اللي حصل في الفرح كان مجرد توتر.

الساعة 7:12 الصبح، سمعت صوت القفل الإلكتروني.

جسمي كله اتجمد.

الباب اتفتح.

دخلت مدام فاطمة شايلة أكياس وخلة أكل سخن، وكأنها داخلة بيتها.

“صباح الخير”، قالت وهي بصه للمطبخ باحتقار.

“إيه الريحة دي؟ ده فطار تقدميه لابني؟”

حسيت قلبي اتقبض.

قلت لها: “حضرتك دخلتي إزاي؟”

قالت بثقة: “بالرقم السري… مروان إداهولي لأي طارئ.”

رديت بحزم: “دي شقتي… ومفيش حد يدخلها من غير إذني.”

ضحكت بسخرية: “طول ما ابني عايش هنا… أمه تدخل وقت ما تحب.”

في اللحظة دي، خرج مروان من الأوضة.

بصيت له… مستنية كلمة واحدة بس:

“ماما، احترمي مراتي.”

لكن ما حصلش.

ابتسم وقال: “جبتي أكل؟”

قالت: “طبعًا… لأن واضح إن مراتك فاكرة الفطار ده كفاية.”

بدأت تفتح الأدراج، وتفتش في المطبخ، وتلمس حاجتي كأنها بتفتش.

قلت لها: “حضرتك ما ينفعش تعملي كده.”

ردت بحدة: “دي مش شقتك لوحدك.”

قلت: “بالعكس… الشقة باسمي.”

مروان سكت… لكن مش خجل… كان غضب.

طلعت مدام فاطمة كراسة وقالت:

“دي شوية قواعد:

– كل جمعة عندي

– هدوم مروان تتغسل لوحدها

– ما تخرجيش من غير إذنه

– ولما أجي… تستقبليني باحترام”

قفلت الكراسة وقلت: “أنا مش خدامة.”

وشها اتغير فجأة.

“يبقى اتعلمي تبقي زوجة.”

وفجأة… مسكت الحلة اللي فيها الأكل السخن…

وقبل ما ألحق أتحرك…

سكبتها على رجلي.

صرخت.

صرخة عمري ما صرختها قبل كده.

وقعت على الأرض… وحسيت هدومي لازقت في جلدي… والألم كان لا يُحتمل.
صرخت: “مروان!”

قام…

ولحظة واحدة… افتكرت إنه هيجري يساعدني.

لكن…

قرب مني… وضربني بالقلم لدرجة إن راسي خبطت في الحيطة.

وقال ببرود:

“اعتذري لأمي حالًا.”

كانت أمه واقفة، نفسها سريع، ولسه ماسكة الحلة.

وقالت: “علشان تعرفي مين اللي ليه الكلمة هنا.”

وفي اللحظة دي… وأنا على الأرض… وساقي محروقة… وشفتي بتنـزف…

فهمت إن الباب اللي اتفتح الصبح…

ما كانش بس باب الشقة.

ده كان باب كابوس… لسه في أوله.

ومفيش حد كان يتخيل… اللي هيحصل بعد كده…

فضلت ثواني… يمكن دقايق… وأنا مش قادرة أستوعب اللي حصل.

الألم كان بيزيد مع كل نفس، وحرارة النار في رجلي كأنها لسه بتتسكب دلوقتي.

لكن اللي كان أصعب من الوجع… هو اللي شوفته في عيون مروان.

ما كانش قلق… ولا صدمة…

كان عادي.

كأن اللي حصل ده شيء طبيعي.

حاولت أزحف على الأرض وأنا بقول بصوت مكسور:

“أنا محتاجة مستشفى… رجلي…”

مدام فاطمة ردت ببرود:

“سيبيها شوية… تتعلم الأدب الأول.”

بصيت لمروان، آخر أمل ليا، وقلت:
“هتسيبني كده؟”

رد وهو متضايق:

“أنتِ اللي بدأتي قلة الأدب مع أمي.”

في اللحظة دي… حاجة جوايا اتكسرت.

مش بس ثقتي فيه…

لكن إحساسي بالأمان كله.

جمعت نفسي بالعافية، وسندت على الكرسي وقومت، وبدأت أتحرك ناحية الباب.

مروان شدني من دراعي بعنف:

“على فين؟”

قلت وأنا بلهث:

“على المستشفى… غصب عنك.”

سكت لحظة… وبعدين ساب إيدي، وقال ببرود:

“ارجعي بسرعة… وما تفضحيش نفسك.”

ما رديتش.

فتحت الباب… وخرجت.

وأنا ماشية في السلم، رجلي كانت بتترعش، ودموعي نازلة من غير صوت.
الناس كانت بتبص… لكن محدش اتدخل.

يمكن افتكروا إنه حادث عادي.

لكن أنا كنت عارفة…

إن اللي حصل ما كانش حادث.

وصلت للمستشفى، والدكتور أول ما شاف الحروق، اتغيرت ملامحه.

“الحروق دي نتيجة سائل ساخن مباشر… حصل إزاي؟”

سكت شوية.

كنت قدام اختيارين:

إما أقول الحقيقة…

وأدخل في حرب…

أو أسكت…

وأرجع لنفس الجحيم.

بصيت في عينيه… وقلت بهدوء:

“وقع عليّ أكل سخن بالغلط.”

كتب التقرير… لكنه كان واضح إنه مش مقتنع.

بعد الإسعافات، وأنا قاعدة لوحدي، الممرضة قربت مني وقالت بهدوء:

“لو محتاجة مساعدة… إحنا هنا.”

الكلمة دي هزتني.

“مساعدة”…

أنا فعلًا محتاجة.

بس مش علاج بس…

أنا محتاجة أهرب.

رجعت الشقة بعد ساعات…

الباب كان مفتوح.

دخلت بحذر…

لقيتهم قاعدين عادي جدًا… بيتغدوا!

مروان رفع عينه وقال:

“اتأخرتي.”

بصيت له… وما رديتش.

مدام فاطمة قالت وهي بتاكل:

“واضح إنك اتعلمتي الدرس.”

وقفت قدامهم… وسكوتي كان تقيل.
وبعدين قلت بهدوء غريب حتى عليّ:

“آه… اتعلمت.”

مروان ابتسم:

“كويس.”

قلت وأنا ببص له مباشرة:

“اتعلمت إني لازم أركز كويس في الورق اللي اتكتب قبل الجواز.”

ابتسامته اختفت.

مدام فاطمة وقفت عن الأكل.

كملت:

“خصوصًا التوكيل… اللي خليته أمك توقع عليه.”

السكوت ملأ المكان.

مروان قال بتوتر:

“إنتِ بتقولي إيه؟”

ابتسمت لأول مرة من الصبح…

بس ما كانتش ابتسامة ضعف.

كانت بداية حاجة تانية خالص.

“واضح إنكم فاكرين إنكم بتتحكموا في كل حاجة…”

وقربت خطوة، وقلت بصوت ثابت:

“بس في حاجة مهمة… أنتم ما تعرفوهاش.”

مدام فاطمة قالت بعصبية:

“قولي اللي عندك بدل الألغاز دي!”

بصيت لها… وبعدين لمروان…

وقلت:

“الشقة دي… مش بس باسمي.”

سكتوا.

كملت ببطء:

“دي عليها شرط قانوني… ما يتفعلش غير في حالة الأذى الجسدي.”

مروان وشه اصفر:

“إيه الكلام ده؟”

طلعت من شنطتي ملف صغير… وحطيته على الترابيزة.

“وده تقرير المستشفى… اللي هيفعل الشرط ده رسمي.”

الهدوء اتحول لخوف.
وأنا… لأول مرة…

ما كنتش الضحية.

كنت أنا اللي ماسكة اللعبة.

لكن اللي ما كنتش أعرفه…

إن الخطوة دي…

هتفتح باب لحقيقة أخطر بكتير…

حقيقة كانوا مستعدين يعملوا أي حاجة علشان يخفوها…

الهدوء اللي ساد المكان بعد كلامي… كان تقيل لدرجة تخنق.

مروان بصلي بذهول، ووشه فقد لونه تمامًا.

مدام فاطمة قامت من مكانها بسرعة، الكرسي خبط في الأرض بصوت عالي.

“إنتِ بتكذبي!” قالتها بعصبية.

لكن صوتها ما كانش فيه نفس القوة اللي كانت من شوية.

أنا ما رديتش… بس فتحت الملف بهدوء، وطلعت الورق قدامهم.

“العقد ده اتكتب قبل الجواز بشهر… واتوثق رسمي.”

مروان قرب بسرعة، خطف الورق من إيدي، وبدأ يقلب فيه بعصبية.

“ده… ده إيه؟!”

قلت وأنا ثابتة:

“ده شرط حماية… أي اعتداء جسدي مثبت بتقرير طبي… بيخليني أمتلك الحق الكامل في الشقة… وأي أصول مشتركة بينا.”

مدام فاطمة صرخت:

“إنتي نصابة! خططتي لكل ده!”

ضحكت بسخرية خفيفة:

“لا… أنا بس كنت حذرة.”

مروان بصلي بغضب ممزوج بخوف:

“مين خلاكي تعملي كده؟”

بصيت له بثبات وقلت:

“حد كان عارفكم كويس… أكتر مني.”

وساعتها… رني جرس الباب.

ثلاث دقات هادية… لكنهم كانوا كفيلين يخلوا التوتر يوصل لأقصاه.

مروان بص ناحية الباب، وبعدين ليّ:

“إنتِ عاملة إيه؟”

قلت بهدوء:

“افتح… وهتفهم.”

فتح الباب…

ودخل راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رسمية، وملامحه حادة لكن هادية.

أول ما مدام فاطمة شافته… وشها اتغير.

“أنت؟!”

الراجل رد بهدوء:

“مساء الخير يا فاطمة.”

مروان اتلخبط:

“مين ده؟”

بصيت له وقلت:

“ده الأستاذ سامي… المحامي اللي كتب العقد.”

سامي دخل وقعد بهدوء، وكأنه متعود على التوتر ده.

“واضح إن الأمور وصلت للنقطة اللي كنا متوقعينها.”

مروان قال بعصبية:

“متوقعين إيه؟! إنتوا كنتوا مخططين لده؟!”

سامي بص له نظرة طويلة، وقال:

“أنا ما بخططش… أنا بس بوثق الحقيقة.”

مدام فاطمة قالت بحدة:

“مفيش حاجة تثبت اللي بتقوله!”

ابتسم سامي بهدوء… وطلع ظرف صغير من الشنطة.

“بالعكس… في.”

فتح الظرف… وطلع منه صور وأوراق.

مروان أخدهم بإيد مرتعشة… وبدأ يبص.

ثواني… وملامحه اتبدلت تمامًا.

“لا… لا… ده مش ممكن…”

بصيت عليهم… وقلبي كان بيدق بسرعة.

“إيه ده؟”

سامي قال بهدوء:

“دي بلاغات قديمة… من زوجة سابقة.”

الصدمة نزلت عليّ زي موجة تقيلة.

“زوجة… سابقة؟”

مروان حاول يتكلم:

“دي كذبة… هي اللي—”

سامي قاطعه:

“كان اسمها هدى.”

مدام فاطمة صرخت:

“ما تجيبش سيرتها!”

لكن سامي كمل:

“قدمت بلاغ بتعرضها للعنف… وبعدها اختفت.”

سكت لحظة… وبعدين قال:
“والبلاغ اتقفل لعدم كفاية الأدلة.”

بصيت لمروان…

“إنت كنت متجوز قبل كده؟”

سكت.

والسكوت كان الإجابة.

رجعت خطوتين لورا… وكل حاجة بدأت تتجمع.

العصبية… السيطرة… خوفه من الورق…

قلت بصوت واطي:

“هي ما اختفتش… صح؟”

مدام فاطمة قالت بسرعة:

“اختارت تمشي! ماحدش عملها حاجة!”

لكن صوتها كان مهزوز.

سامي حط ورقة أخيرة على الترابيزة.

“الفرق إن المرة دي… في دليل.”

وأشار لتقرير المستشفى.

“وفي تسجيل.”

مروان رفع رأسه فجأة:

“تسجيل؟!”

ابتسمت بهدوء… وطلعت موبايل صغير من شنطتي.

“أنا ما كنتش ساذجة.”

ضغطت زر…

وصوتهم ملأ المكان.

صوت مدام فاطمة وهي بتقول:

“علشان تعرفي مين اللي له الكلمة هنا.”

وصوت مروان:

“اعتذري لأمي حالًا.”

الصمت بعد التسجيل… كان مرعب.

مروان قرب مني بعصبية:

“إنتِ بتدمرينا!”

بصيت له بثبات:

“لا… أنا بس بوقفكم.”

وفجأة… سمعنا صوت عربيات برا.

وقف سامي وقال بهدوء:

“واضح إنهم وصلوا.”

مروان اتجمد:

“مين؟”

رد:

“الشرطة.”

مدام فاطمة انهارت على الكرسي:

“إنتِ بلغتي؟!”

قلت بهدوء:

“متأخر… بس لازم.”

دق الباب…

المرة دي بقوة.

وكل حاجة انتهت في اللحظة دي.

فتح مروان الباب بإيد مرتعشة…

ودخلوا.

وأنا واقفة… رغم الألم…

رغم الخوف…

كنت حاسة بحاجة واحدة بس…

إني أخيرًا… خرجت من الكابوس.

لكن الحقيقة…

إن الكابوس ده ما كانش بدايته يوم ما حماتي دخلت البيت…

بدايته كانت من سنين…

وانتهى… لما قررت أواجهه.

واللي كان مخبي…

اتكشف.

واللي كان بيخوفني…

وقع.

وأنا؟

أنا ما بقيتش الضحية.

أنا بقيت النجاة.

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *