الأم دخلت رعاية الأطفال المركزة بـ الجبروت

الأم دخلت رعاية الأطفال المركزة ب الجبروت، وبدل ما تطمن على حفيدتها اللي ب تموت، قلعت ماسك الأكسجين من وشها ورَمِته في الأرض ب برود وقالت ل بنتها أهو البت ماتت خلاص وخِلصنا، يلا اِمشي معانا بقى عشان تدفعي مصاريف عيد ميلاد أختك!.. م كنيتيش تعرف إن الجشع ده ه يقلب المستشفى مجزرة وه يودي العيلة كلها ورا الشمس ب القانون! كنت واِقفة مذهولة وسط صريخ الأجهزة اللي ب يرن في ودني ل حد النهاردة في نومي، مش قادرة أصدق إن الفلوس تحول أمي ل وحش ب يقتل بنتي ب إيده عيني عينك؛ بس اللحظة دي كنيت بداية ل فتح المستخبي اللي ه يهد الأكابر ب الساكت وللأبد!
من ساعات قليلة بس، كانت بنتي فاطمة بتجري وتلعب في الحوش وتضحك بأعلى صوتها، وفجأة وقعت من فوق بيت اللعب الخشبي واتنقلت المستشفى بين الحياة والموت. الأطباء دخلوا بها العمليات بشكل عاجل بسبب

إصابة خطيرة في الرأس ونزيف داخلي، وأنا وجوزي طارق واقفين قدام أوضة العمليات مستنيين رحمة ربنا.
لكن الكارثة الحقيقية مكنتش جوة أوضة العمليات… الكارثة كانت عيلتي.
أول ما أبويا عرف إن فاطمة في المستشفى، مسألش عليها ولا سأل إذا كانت عايشة ولا ميتة. كل اللي كان شاغله شيك عيد ميلاد بنت أختي! وأمي بعتت لي فاتورة كاملة بمصاريف الحفلة وكأن بنتي مش مرمية بين الأجهزة والخراطيم.
حاولت أفهمهم إن فاطمة حالتها خطيرة، لكنهم كانوا بيتكلموا عن القاعة والتورتة والبلالين وكأن دي أهم من حياة طفلة عندها أربع سنين.
ودي مكنتش أول مرة.
من زمان وأختي هي البنت المدللة في البيت، وكل الفلوس والحب والاهتمام رايحين لها ولأولادها، أما بنتي فكانت دايماً آخر واحدة في الحسابات.
بعد ساعات طويلة من الرعب، خرج الدكتور وقال إن العملية نجحت، لكن الأربع وعشرين ساعة الجاية هي اللي هتحدد إذا كانت فاطمة هتعيش ولا لأ.
دخلت أشوف بنتي في الرعاية المركزة، وشها أبيض، ورأسها ملفوفة بالشاش، وماسك الأكسجين مغطي وشها الصغير. وقتها حسيت إن قلبي بيتقطع وأنا بوعدها إني مش هسيبها.
لكن الرسائل والاتصالات موقفتش.
أختي كانت بتتهمني بالأنانية لأني مش بدفع تكاليف عيد الميلاد، وأبويا كان بيتصل يطالب بالفلوس كأن مفيش طفلة بتموت.
لحد ما في اليوم التاني حصل اللي عمري ما هنساه طول حياتي.
أمي وأبويا دخلوا المستشفى بنفسهم، ولابسين كأنهم رايحين مناسبة. لا بصوا على فاطمة، ولا سألوا عنها، وأول كلمة خرجت من أمي كانت
الفلوس ماتدفعتش ليه لحد دلوقتي؟
طلبت منهم يخرجوا، وقلت لهم إن بنتي بين الحياة والموت، لكنهم رفضوا يسمعوا أي كلام.
أبويا اتهمني بالتمثيل، وأمي بصت لفاطمة من بعيد وقالت ببرود
البنت نايمة وزي الفل.
مديت إيدي أستدعي الأمن والدكاترة، لكن وش أمي اتغير فجأة.
وفي ثانية واحدة… هجمت عليا.
زقتني بعيد، وميلت فوق سرير بنتي، وقبضت على ماسك الأكسجين اللي على وشها، وقلعته بعنف ورمته في الأرض!
الأجهزة بدأت تصرخ بأعلى صوت، وصدر فاطمة اتنفض فوق السرير، وأنا واقفة مش مستوعبة اللي بيحصل قدامي.
وأمي رجعت خطوة لورا، وقالت بمنتهى البرود
أهو البت ماتت وخِلصنا… يلا اِمشي معانا بقى عشان تدفعي الحساب!
يا ترى رانيا هتعمل إيه بعد ما شافت أمها بتحاول تقتل بنتها بعينيها؟ وإزاي الأمن والدكاترة هيتصرفوا بعد اللي حصل؟ وهل كاميرات الرعاية سجلت الجريمة كاملة وقدرت تكشف الحقيقة للنيابة؟
صوت الأجهزة انفجر في الرعاية المركزة كأنه إنذار نهاية العالم.
الدكاترة والممرضات جروا على سرير فاطمة في ثواني.
وأنا واقفة مصدومة.
مش مستوعبة.
مش قادرة أصدق إن الست اللي ربتني، واللي طول
لمحة نيوز

عمري كنت بناديها ماما، قلعت الأكسجين من وش بنتي بإيديها.
فاطمة كانت بتختنق.
وصدرها الصغير بيحاول ياخد نفس.
وأمي واقفة بكل برود كأنها رمت منديل ورق مش حياة طفلة.
الممرضات زقوا أمي بعيد.
ودكتور الرعاية صرخ
طلعوهم برة حالاً!
الأمن دخل جري.
وأبويا بدأ يزعق
إنتوا مجانين؟ دي أم البنت!
لكن الكل كان شاف اللي حصل.
والكاميرات كانت شغالة.
بعد دقائق طويلة من الرعب.
استقرت حالة فاطمة.
ورجعت الأجهزة لمعدلاتها الطبيعية.
وقتها بس حسيت إن رجلي مش شايلاني.
وقعت على الأرض.
وأول مرة أعيط.
مش خوف على بنتي.
لكن لأن الحقيقة كانت أوحش من أي كابوس.
أهلي حاولوا يقتلوها.
الشرطة وصلت المستشفى.
وأقوال الشهود اتسجلت.
وإدارة المستشفى سلمت تسجيلات الكاميرات.
الفيديو كان واضح.
واضح بشكل مرعب.
أمي وهي بتبعدني.
وأمي وهي بتقلع الماسك.
وأمي وهي بتقول
أهو البت ماتت وخِلصنا.
كل كلمة بالصوت والصورة.
أبويا حاول يقول إنها كانت لحظة عصبية.
وأختي حاولت تدعي إن الفيديو متفبرك.
لكن عشرات الشهود كانوا موجودين.
ودكاترة الرعاية نفسهم شهدوا.
في التحقيقات ظهرت حاجات أسوأ.
بكتير.
لأن النيابة بدأت تسأل
إزاي أم وجدة توصل للمرحلة دي؟
إيه السبب الحقيقي؟
والإجابة طلعت أبشع مما تخيلت.
من سنين طويلة.
كل فلوس العيلة كانت بتروح لأختي.
شقق.
عربيات.
مشروعات.
قروض.
وكل مرة كانوا بيغطوا العجز من حسابات مشتركة أو أموال تخص باقي أفراد الأسرة.
وبعد وفاة جدتي.
ظهر ملف كامل كانت مخبياه.
وصية.
وكشوفات بنكية.
ومستندات تثبت إن جزء كبير من ميراثي اتاخد واتصرف من غير علمي.
وأمي وأبويا كانوا عارفين.
وساكتين.
بل ومشاركين.
أختي كانت غرقانة في ديون ضخمة بسبب حياة البذخ اللي عايشاها.
وحفلة عيد الميلاد اللي كانوا بيجروا وراها دي ما كانتش حفلة عادية.
كانت محاولة أخيرة يحافظوا بيها على صورتهم قدام الناس.
حتى لو على حساب طفلة بتموت.
القضية قلبت الرأي العام.
والفيديو انتشر بعد شهور لما اتعرض في المحكمة.
والناس كلها اتصدمت.
أما أنا.
فكان عندي قرار واحد.
فاطمة أولاً.
وبس.
فضلت جنب بنتي أسابيع.
لحد ما بدأت تفتح عينيها.
أول مرة بصتلي بعد الحادثة.
مسكت صباعي الصغير.
وهمست
ماما.
الكلمة دي كانت أغلى من الدنيا كلها.
بعد شهور من العلاج.
فاطمة رجعت تمشي.
وترسم.
وتضحك.
وترجع طفلة من جديد.
يمكن ببطء.
لكنها رجعت.
أما أمي.
فصدر ضدها حكم بسبب ما حدث داخل الرعاية.
وأصبحت بعيدة عن حياتنا تماماً.
وأبويا اختار يقف جنبها.
فخسرني أنا كمان.
وأختي؟
الناس اللي كانت بتعمل لهم الحفلات وتتصور معاهم اختفوا.
وأصحاب المصالح سابوها.
ولما خلصت الفلوس.
اختفت المظاهر.
وبقيت وحدها تواجه نتائج أفعالها.
وفي يوم بعد سنتين.
كنت قاعدة مع فاطمة في الجنينة.
بتجري ورا الفراشات.
وتضحك.
ضحكة حقيقية.
من القلب.
وقفت أتفرج عليها.
وافتكرت اليوم اللي كانت فيه بين الحياة والموت.
وافتكرت صريخ الأجهزة.
وافتكرت اللحظة اللي اتكسرت فيها آخر صورة جميلة كنت محتفظة بيها عن أهلي.
لكن لأول مرة ما حسيتش بوجع.
حسيت براحة.
لأن بعض الناس بنفضل متمسكين بيهم لمجرد إنهم أهل.
مع إنهم من زمان بطلوا يكونوا أهل.
فاطمة جريت عليا.
وقالت
بحبك يا ماما.
وبصيت للسما.
وابتسمت.
وقلت بهدوء
الحمد لله إن ربنا أنقذك.
وأخرجنا من الناس الغلط قبل ما يضيعوا عمرنا كله.
وضمت فاطمة نفسها لصدري.
بينما كانت الشمس بتغرب بهدوء.
وكأنها بتقفل آخر صفحة من وجع عمره سنين.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *