هـي الجبنـة راحـت فيـن؟ حكـايات منـي الـسـيد ج 2
سكت أحمد لثواني، كأن جبل اأتهد فوق راسه. بص للموبايل اللي في إيده وال شاشة لسه منورة على آخر كادر في الفيديو؛ كادر أمه وهي بتقفل السوستة بتاعت الشنطة الكحلي بابتسامة نصر خفيفة. بلع ريقه بصعوبة، وحس إن ريقه ناشف زي الحطب، والصالة اللي كانت من شوية بتغلي بزعيقه وعصبيته، بقت فجأة باردة وهادية هدوء القبور.
آية فضلت واقفة مكانها، متهزتش خطوة واحدة لورا. عيونها المحاسبية كانت حادة، وباصة له بنظرة خالية من أي شماتة، بس مليانة حسم وقوة. ربعت إيدها وفضلت مستنية الرد.
أحمد اأتنهد تنهيدة طويلة حرقت صدره، وسند كوعه على ركبته وحط راسه بين إيديه وهو بيفرك جبهته:
— قولي يا آية… إيه هما الحلّين؟ أنا طوعك، ومبقاش ليا عين أتكلم ولا أدافع.
آية أخدت نفس عميق، وقعدت على الكرسي اللي قصاده، وحطت رجل على رجل وقالت بنبرة هادية بس مسموعة ومفيهاش تراجع:
— الحل الأول يا أحمد، والمفروض ده الطبيعي اللي يتعمل، إننا هناخد المفتاح اللي معاها ده فوراً. والنهاردة بالليل تنزل معايا لبيتها، وتفتح الفيديو ده قدامها وقدام إخواتك كلهم؛ حسن وحسين. وتقولهم إن مامتكم الست الحاجة البركة بتدخل بيتي في غيابي تسرق شقايا وشقاك، وتعرفهم إن الفلوس اللي بتطير والتلاجة اللي بتفضى مكنتش وهم في دماغ مراتي المحاسبة اللي طلعتوها مجنونة. وساعتها، هحسب بالورقة والقلم كل مليم وكل قالب جبن وكل كيس لحمة مفرومة اختفى من البيت ده على مدار الشهرين اللي فاتوا، وإخواتك يدفعوا تمنه بالنص، لأن الأكل ده أكيد ميرفت مأكلتهوش لوحدها، دي كانت بتعمر بيه بيوتهم هما كمان على قفانا!
أحمد رفع راسه ووشه كان أصفر زي الليمونة، وعينه مليانة رجاء وكسرة:
— لأ يا آية.. وحياة غلاوتك عندي بلاش فضايح قدام إخواتي! حسن وحسين لو عرفوا حاجة زي دي، الست هتقع من نظرهم، وهيبقوا يعايروها، وتصغر في عيون زوجاتهم وبناتهم. دي مهما كانت أمي يا آية، وأنا بر برضه، مش هقدر أفضحها الفضيحة دي، أموت فيها والله! طيب… وإيه هو الحل التاني؟
آية ابتسمت ابتسامة خفيفة فيها مرار:
— كنت عارفة إنك هتقول كده، وكنت عارفة إن قلبك الطيب مش هيهون عليه، مع إنها مفرقتش معاها كرامتي ولا بيتي ولا ميزانيتي وهي بتسحب من وراك. الحل التاني يا ابن الحلال، والشرط ده ملوش فصال؛ المفتاح اللي معاها يتأخد منها النهاردة بحجة صايعة وذكية من عندك من غير ما تحس إننا كاشفينها. وتاني حاجة، الزيارات اللي عمال على بطال دي تنتهي تماماً؛ طنط ميرفت متدخلش الشقة دي إلا وأنا وأنت موجودين وبإذن مسبق، زيها زي أي ضيف غريب. وتالت حاجة بقا، وده الأهم… الفلوس اللي كنت بتديها لها من ورايا من المرتب، هتقطعها من أول الشهر الجديد!
أحمد اتخض ووقف على حيله:
— أقطع المعونة عنها يا آية؟ دي أمي! وأنا لسه قايلك إن معاشها يدوب.
آية وقفت هي كمان وقربت منه وعينها في عينه:
— يدوب؟ معاشها يدوب وهي بتاخد منك جزء من المرتب، وبتاخد من التلاجة خزين يقضي عيلة؟ أحمد، افتح مخك معايا وبلاش السذاجة دي! أمك مش محتاجة، أمك بتعمل كده هواية، أو يمكن عشان توفر لإخواتك التانيين اللي قاعدين مأنتخين ومبيساعدوهاش بمليم. الفلوس دي هتقطعها، لأننا أولى بكل قرش عشان العربية وعشان بيتنا اللي بيستنزف. ولو مش عاجبك الحل التاني… يبقا نرجع للحل الأول والفيديو ينزل على جروب العيلة على الواتساب، والكل يتفرج على الست البركة!
أحمد حس بسكاكين بتقطع في كرامته ورجولته. مكنش قدامه أي مفر. مراته معاها الدليل القاطع، وهو بنفسه اتعصب عليها وظلمها وشتم أهاليتها بالباطل الصبح. طأطأ راسه وقال بصوت واطي:
— حاضر يا آية… اللي أنتِ عايزاه هيكون. المفتاح هيتأخد منها النهاردة، ومصروفها هيتقطع، وزياراتها مش هتحصل إلا في وجودنا. بس ارجوشي، امسحي الفيديو ده من على موبايلك، عشان خاطري أنا، بلاش أموت بالكسرة دي كل ما أشوفه.
آية لفت وشها ورايحة ناحية المطبخ:
— الفيديو مش هيتمسح يا أحمد. الفيديو ده الضمان بتاعي عشان لو في يوم من الأيام حنيت، أو أخت من إخواتك لوت بوزها وقالت إن آية مابتودش حماتها ومنعاها من البيت. الفيديو ده هيفضل معايا حماية لنفسي. ودلوقتي، ادخل غير هدومك عشان تنزل تجيب المفتاح بالذوق، واللحمة المفرومة اللي أمك خدتها، انزل هات بدالها كيلو من الجزار عشان أعمل العشا، لأن مفيش في التلاجة غير نص لمونة وبرطمان صلصة دبلان!
بعد العشا، كان الجو في الشقة تقيل وخانق. أحمد كان قاعد زي التلميذ المذنب، نزل جاب اللحمة ورجع، ومفتحش بقه بنص كلمة. وآية كانت بتتحرك في البيت بمنتهى الهدوء والراحة، لأول مرة من شهرين تحس إن الشك اللي كان بياكل في عقلها اأختفى، وإنها طلعت صح ومبتخرفش.
الساعة جت تسعة بالليل. أحمد لبس عبايته وقال لآية بنبرة مطفية:
— أنا نازل لعمارة أمي.. هجيب المفتاح وأطلع.
آية بصت له بطرف عينها:
— هتقولها إيه عشان تاخده من غير شوشرة؟
أحمد اأتنهد:
— هقولها إن الكالون تقيل والباب بيعلق، وعايز أغير الكالون باللي فيه، وهاخد المفتاح منها عشان أعمل عليه نسخة جديدة، ولما أغيره هبقى أنسى أديها المفتاح الجديد، وهي مع الوقت هتفهم إن الزيارات اأتقطعت.
آية هزت راسها برضا:
— تمام، روح ومتتأخرش.
نزل أحمد السلم ورجليه تقيلة كأنه رايح للمشنقة. دخل عمارة أمه اللي في الشارع اللي وراهم علطول، وطلع الدور التاني. خبط على الباب، وفتحت له أمه، الست ميرفت، وهي لابسة عبايتها البيتوتية الواسعة، وبوشها البشوش الغلبان اللي دايماً بيمثل التعب:
— أهلاً يا أحمد يا بني، خطوة عزيزة! يدوب لسه مخلصة صلاة العشا وكنت بدعيلك أنت ومراتك ربنا يرزقكم بالذرية الصالحة ويهدي سركم.
أحمد حس بوشه بيولع نار لما سمع كلمة “بدعيلك”. دخل الصالة وقعد على الكنبة، وعينه جت بالصدفة على المطبخ بتاع أمه المفتوح. لقى على الرخامة زجاجة زيت الذرة بتاعته، وجنبها كيس اللحمة المفرومة محطوط في طبق عشان يفك! الدم غلى في عروقه، بس كتم الصدمة جواه وبص لأمه وقال:
— طنط… قصدي يا أمي، كنت عايز منك نسخة المفتاح بتاعت شقتنا. الباب بدأ يعلق والكالون بيخون، وقولت آخده أغير القلب بتاعه بالمرة وأعمل حساب الطوارئ.
الست ميرفت عيونها زاغت لثواني، وحطت إيدها على صدرها:
— المفتاح يا بني؟ اه.. اه طبعاً خدوه. بس هو بيعلق من إيه؟ ده أنا لسه كنت عندكم الظهر بسقي الزرع وبأكل تيمو وكان زي الفل وبيلف معايا حلاوة!
أحمد ضغط على سنانه عشان ميتكلمش ويطلع عن شعوره:
— معلش يا أمي، آية وهي بتفتح العصر الكالون علق معاها وجارتنا مروة ساعدتها، فخايف يتقطم جوه ونحتاس. هاتي المفتاح بس ومتقلقيش.
قامت الست ميرفت ودخلت الأوضة جوه، وغابت حبة حلوين، كأنها كانت بتفكر في حجج. بس في الآخر طلعت وبإيدها المفتاح، حطته في إيد أحمد وقالت بدلع أمهات:
— اتفضل يا حبيبي. بس بقولك إيه يا أحمد… أخوك حسين كان لسه عندي، وبيقول إن حاله واقف في الشغل الشهر ده، ومصاريف المدارس والدروس بتاعت العيال قاصفة ضهره. وأنا يا حبة عيني معاشي يدوب بيكفي دوا الضغط والسكر ومصاريف البيت. مفيش في إيدك قرشين زيادة من المرتب تدهوملي أديهم لأخوك يفك زنقته؟ ربنا يجعله في ميزان حسناتك يا بني، أنت دايماً البار بينا واليد الشغالة.
أحمد بص للمفتاح اللي في إيده، وبص لأمه اللي واقفة تطلب فلوس عشان تديها لأخوه العاطل اللي مقضيها قعاد على القهوة، واأفتكر كلام آية “دي بتسرقنا تلات مرات”. حس بقهر ورغبة في العياط. وقف وظبط عبايته وقال بجفاء ومشاعر ميتة:
— لاء يا أمي، مفيش. والشهر الجاي برضه مش هقدر أطلعلك الجزء المعتاد من المرتب، لأن مصاريفنا زادت، وآية بتلم إيدها عشان قسط العربية الجديد، والأسعار بقت نار بره وأنتِ عارفة. يادوب المرتب بيكفينا لآخر الشهر بالعافية ونمشي أمورنا.
الست ميرفت تنحت، ووشها البشوش اأتقلب في ثانية لوش خشب وجاف:
— إيه؟ مش هتديني المصروف يا أحمد؟ ومن أول الشهر كمان؟ جرى إيه يا بني، هي الست آية لوت دراعك ولا مشياك على عجين مبلبط؟ دي أمك يا أحمد! لحمي ودمي اللي كبرتك! بقا تمنع عني اللقمة والقرشين عشان خاطر قسط عربية وست؟
أحمد مكنش قادر يستحمل أكتر من كده. كان خايف يطلع الموبايل ويفرجهالها ويهد كل حاجة، فقال بسرعة وهو رايح ناحية الباب:
— مفيش ميزانية يا أمي وخلاص، الكلام انتهى. يلا تصبحي على خير.
خرج أحمد وقفل الباب وراه، وساب أمه واقفة في الصالة تبرطم وتدعي وتتحسبن وهي مش فاهمة إيه الانقلاب المفاجئ ده اللي حصل لابنها الطوع الهادي.
لما رجع أحمد الشقة، حدف المفتاح لآية على الترابيزة وقال بتعب:
— أهو المفتاح يا ستي، والمصروف اأتقطع من الشهر الجاي والزيارات اأتنست. ارتحتي كده؟
آية مسكت المفتاح بحسم وحطته في شنطتها:
— اه ارتحت يا أحمد. والراحة دي ليك أنت قبل ما تكون ليا، بكره لما تلاقي فلوسك بدأت تظهر وتعمل حاجة، وتلاقي تلاغتك عمرانة ومفيش نكد ولا شك، هتعرف إن مراتها حمت بيتك من الخراب.
مرت الأيام، وجه شهر جديد. وبدأت الميزانية تظبط فعلاً مع آية وأحمد. الفلوس بقت تقعد لآخر الشهر، والتلاجة بقت تفضل مليانة وخيرها فيها. أحمد كان لسه جواه حتة زعل وكسرة من ناحية أمه، بس كان شايف بعينه إن بيته بقى أهدى، ومبقاش فيه خناق الصبح على قالب الجبن ولا علبة اللانشون.
الست ميرفت مكنتش من النوع اللي يسكت بسهولة. لما لقت المفتاح اتسحب والمصروف اأتقطع، ولقت إن آية ومروة جارتها دايماً واقفين في البلكونة وبيراقبوا الشارع، عرفت إن اللعبة مبقتش سهلة. فقررت تغير الخطة وتلعب على الحبل التاني؛ حبل “المسكنة والظلم” قدام العيلة كلها.
في يوم الجمعة اللي بعده، آية وأحمد كانوا قاعدين بيفطروا في هدوء، فجأة موبايل أحمد رن. كان أخوه الكبير حسن. أحمد فتح الخط:
— أيوة يا حسن، صباح الخير.
جاله صوت حسن عالي وزاعق ومليان غضب ومقاطعة:
— صباح الزفت يا أحمد! أنت فين؟ بقا أنت يا راجل يا محترم، تمنع المصروف عن أمك الغلبانة العيانة؟ وتطردها من شقتك وتسحب منها المفتاح كأنها غريبة؟ وتخلي مراتك المحاسبة تملي دماغك عليها وتتحكم فيك؟ أمك قاعدة بتبكي بدموع عينيها وبتقول إنك رميتها ومبقتش عايز تشوف وشها! انزلنا حالا عند أمك في البيت، أنا وحسين مستنيينك هنا، وعايزين نشوف أخرة القسوة والافترا دي إيه مع الست اللي ربتك!
أحمد وشه جاب ألوان، وبص لآية بخوف وارتباك واللقمة وقفت في زوره. حسن قفل السكة بعنف من غير ما يديله فرصة يشرح.
آية سمعت كل الكلام لأن صوت حسن كان طالع من السماعة العالية. مسحت إيدها في الفوطة بمنتهى البرود، وقامت وقفت وقالت وعينها بتلمع بتحدي:
— اأجهز يا أحمد والبس أحسن هدوم عندك.. النهاردة الجمعه، واللمة هتبقى حلوة أوي في بيت حماتي.
أحمد بلع ريقه وقال بخوف:
— آية.. أنتِ هتعملي إيه؟ بلاش فضايح أرجوكي!
آية ابتسمت وثبتت الطرحة على راسها قدام المراية:
— مفيش فضايح يا أحمد، احنا رايحين نرد كرامتنا بالدليل والبرهان. والست اللي اأتبلت عليا وقالت إني منعتها وطردتها، لازم العيلة كلها تعرف هي اأ تمنعت ليه وبأمارة إيه! شيل الموبايل بتاعك في جيبك، وخلي شحن موبايلي مية في المية… الحفلة هتبدأ حالا!
تفتكروا آية هتعمل إيه في بيت حماتها قدام حسن وحسين؟ وهل الست ميرفت هتقدر تلف وتدور وتطلع نفسها بريئة، ولا الفيديو هيقضي على كل الحجج ويهد العيلة؟
نزلو السلم هما الاتنين، أحمد خطوته كانت تقيلة كأنه شايل جبل على كتافه، وعينه في الأرض من الكسوف والخوف من المواجهة اللي جاية. أما آية، فكانت ماشية بخطوات ثابتة، وراسها مرفوعة، وفي عينيها نظرة حد عازم على النصر ومبقاش عنده حاجة يخسرها. شنطتها الكروس كانت شايلاها على جنبها، والموبايل جواها مشحون وجاهز؛ الس*لاح الفتاك اللي هيرد لها اعتبارها قدام الكل.
وصلوا مدخل عمارة الست ميرفت، وطلعوا الدور التاني. قبل ما أحمد يمد إيده يخبط، آية حطت إيدها على كتفه وقالت له بصوت واطي ومسموع:
— أحمد، افتكر كويس مين اللي اتظلم هنا، ومين اللي اتقال عليها مجنونة وناقصة عقل ومفترية. لو حاولت تداري على أمك أو تيجي عليا قدام إخواتك، أنا مش هسكت، وهطلع الفيديو وأفرجه للشارع كله مش العيلة بس. املك نفسك وخليك راجل.
أحمد بلع ريقه وهز راسه من غير ما ينطق. خبط على الباب، وثواني وفتح لهم حسين، الأخ الصغير، وكان واقفلهم وبوزه شبرين، وعينه مليانة تريقة وغضب:
— أهلاً يا سيدي أحمد.. أهلاً يا باشمهندس. خطوة عزيزة، اتفضلوا، الست الوالدة جوه بتموت من القهر بسببكم!
دخلوا الصالة الكبيرة، ولقوا حسن، الأخ الكبير، قاعد على الكرسي المذهب وحاطط رجل على رجل، وملامحه كلها هيبة مزيفة وعصبية. وفي النص، على الكنبة الكبيرة، كانت قاعدة الست ميرفت، لافة إيشارب أسود حوالين راسها، وماسكة سبحة في إيدها، وبتئن وتتمسكن بصوت واطي كأنها في أنفاسها الأخيرة، وجنبها علبة المناديل والضغط.
أول ما شافوا أحمد وآية دخلوا، حسن وقف وزعق بصوت جهوري هز الحيطة:
— اقعد يا أحمد! اقعدي يا ست آية يا محترمة يا محاسبة يا بنت الأصول! بقا هي دي الأمانة؟ هي دي الست البركة اللي شيلتونا ذنبها؟ أمك يا أحمد، الست اللي صانتك وكبرتك لحد ما بقيت طول الباب، تيجي النهاردة تطردها من بيتك وتسحب منها المفتاح وتمنع عنها لقمة العيش والقرشين اللي بيفكو زنقتها؟ ليه؟ عملتلكوا إيه الست الغلبانة دي؟
الست ميرفت بدأت تعيط بنشيج وتقول من ورا المناديل بصوت مبحوح ومصطنع:
— سيبهم يا حسن يا بني.. سيبهم، ربنا يسامحهم. أنا مكنتش بروح عندهم إلا عشان أخدمهم، أسقي الزرع اللي بيموت وأأكل القطة اللي جعانة في غيابهم. كنت بدخل أدعلهم في كل ركن في الشقة. وفي الآخر… الست آية تقلب ابني عليا وتخليه يشك فيا ويقولي مفيش فلوس ويسحب المفتاح كأني حرامية وغريبة! أنا يا أحمد؟ أنا يتعمل فيا كده في كبري؟
حسين اتدخل وزعق هو كمان وهو باصص لأحمد بتحدي:
— وأنت واقف زي اللوح كده ليه يا أحمد؟ متمطق! جرى إيه للرجولة؟ بقيت تمشي ورا كلام مراتك اللي شيفانا كلنا طمعانين فيكم؟ عشان حتة عربية جديدة تقاطع أمك وتكسر بخاطرها؟
أحمد كان واقف وشه أحمر زي الدم، وعينه بتروح وتيجي بين إخواته وبين أمه، وكان هينطق ويقول “حقكم عليا وأنا أسف”، بس لقط نظرة آية. آية كانت قاعدة على الكرسي الخشبي ومنتهى البرود مرسوم على وشها، وحاطة إيدها على الشنطة كأنها بتهدده.
آية قطعت الصمت وقالت بصوت هادي، رايق، وبيرن في الصالة زي الجرس:
— خلصتوا كلامكم يا جماعة؟ ولا لسه في اتهامات تانية عايزين ترموها عليا؟
حسن بص لها بغل وزعق:
— وأنتِ ليكي عين تتكلمي يا آية؟ أنتِ أساس النكد والخراب في البيت ده! أمنا خط أحمر، والقرشين والمفتاح هيرجعوا فوراً ورجلك فوق رقبتك، وإلا مفيش قعاد ليكي في العيلة دي!
آية ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة ثقة خلت حسن وحسين يتنحوا، والست ميرفت عياطها يقف فجأة وعينها تزوغ ورا المنديل. قامت آية وقفت، وفتحت سوستة الشنطة الكروس، وطلعت الموبايل بتاعها وبصت للست ميرفت وقالت:
— طنط ميرفت… أنتِ قلتي لحسن وحسين إنك كنتِ بتدخلي الشقة تدعي لنا وتسقي الزرع وتأكلي القطة وبس، صح؟ وإن أنا اتبليت عليكي وخليت أحمد يسحب المفتاح ويقطع المصروف افترا مني؟
الست ميرفت ردت بسرعة بنبرة مسكنة:
— أيوة يا بنتي، وهو أنا كان ورايا إيه غير خدمتكم؟ عمري ممديت إيدي على حاجة مش بتاعتي، ده أنا أدخل بعبايتي وأخرج بعبايتي!
آية هزت راسها وقالت:
— تمام أوي… وبما إن واحد زائد واحد بيساوي اتنين، وبما إن شغلانتي في الحسابات معوداني على الدقة ومبصدقش غير الورق والمستندات… فإنا معايا النهاردة المستند القاطع اللي هيقفل السيرة دي خالص.
حسن زعق:
— مستند إيه وزفت إيه! أنتِ هتتظاهري علينا؟
آية فتحت الموبايل، وجابت الفيديو، وعملت أعلى درجة صوت في الجهاز، وقربت من حسن وحسين وحطت الشاشة قدام عيونهم علطول وقالت:
— اتفضل يا أستاذ حسن… اتفرج يا كابتن حسين. اتفرجوا على الست الوالدة البركة الطاهرة الساجدة وهي بتخدمنا في غيابنا الظهرية!
في الأول، حسن وحسين اأتمنعوا يبصوا، بس الفضول والصوت العالي بتاع الفيديو أجبرهم. الشاشة كانت جايبة مطبخ آية بمنتهى الوضوح والجودة العالية. وظهرت الست ميرفت وهي بتفتح الباب بالنسخة اللي معاها، وتدخل تلف حولين نفسها بخفة ونشاط غريب مبيظهرش في صالة بيتها!
حسن عينه اتسعت وصوته اأكتم. وحسين فتح بقه وشه اأتقلب.
الفيديو كان شغال: الست ميرفت بتفتح التلاجة، وتطلع علبة الجبنة الكيري وتحطها في الشنطة الكحلي. وبعدين تاخد كيس اللحمة المفرومة وتكشفه وتأخده هو كمان. وتفتح ضلفة الخزين وتطلع زجاجة الزيت وكيسين المكرونة، وقالب الزبدة النيوزيلاندي الغالي وهي بتقطعه وتحطه في جيب عبايتها بحذر وبتبص وراها بخبث!
الصالة اأتحولت لثلاجة! مفيش صوت غير صوت الفيديو وصوت السوستة بتاعت الشنطة الكحلي وهي بتقفل في الموبايل.
الست ميرفت لما لقطت تفاصيل الفيديو من بعيد، وسمعت صوت حركتها في الموبايل، المنديل وقع من إيدها، ووشها بقى أبيض زي القماشة، والسبحة اتدلدلت من صوابعها وهي مش قادرة تنطق بكلمة واحدة. الحيلة اأتكشفت، والتمثيلية اأتهدت فوق راسها بـ “فيديو” تمنه دقائق معدودة.
آية سحبت الموبايل وقفلته وحطته في شنطتها تاني، وربعت إيدها وبصت لحسن وحسين اللي كانوا قاعدين زي التماثيل ومش قارين يرفعوا عينهم في عين أحمد أو في عين آية. الكسوف والخزي كان مالي المكان.
قالت آية بنبرة حادة وقوية:
— ها يا أستاذ حسن؟ يا ترى اللحمة المفرومة والزيت والمكرونة والزبدة دول كانوا من ضمن الدعوات والبركة اللي طنط بتسيبهم في الشقة؟ يا ترى قالب الجبن التقيل ولانشون الفراخ وبرطمان النسكافيه الغالي اللي كانوا بيتبخروا بقالهم شهرين، دول القطة تيمو هي اللي كانت بتفتح التلاجة وتشيلهم في الشنطة الكحلي؟ طنط ميرفت كانت بتدخل شقتي تسرق شقايا وتعب جوزها وتفضي تلاجتنا اللي بنحرم نفسنا عشان نملاها، وتروح تعمر بيوتكم أنتوا الاتنين بالأكل المستورد والغالي اللي إحنا مش قادرين ناكله!
حسين بلع ريقه وبص لأمه بصة عتاب وكسوف، وحط راسه في الأرض. وحسن، اللي كان من شوية بيزعق ويطربق البيت، صوته حشرج وقعد على الكرسي وهو مش عارف يودي وشه فين من أخوه الصغير أحمد اللي ظلموه.
أحمد أخد خطوة لقدام، ولأول مرة صوته يطلع بقوة وعينيه تدمع من القهر:
— بقا دي أمي؟ دي أمي اللي كنت بخانق مراتي عشانها وبقول عليها ست بركة؟ بتسرقيني يا أمي؟ بتسرقي بيتي وتفضّي تلاجتي وتطلّعيني عيل وناقص قدام مراتي؟ وكمان فوق كل ده، باخد من بقنا وبديكي مصروف كل أول شهر من ورا آية عشان تديه لحسين وحسن اللي قاعدين مأنتخين ومبيشتغلوش؟ أنا قصرت معاكي في إيه عشان تعملي فيا كده وتهدي بيتي وتعيشيني في نكد وشك؟
الست ميرفت بدأت تعيط بجد المرة دي، دموع خوف وخزي وفضيحة، وقالت بصوت متقطع:
— يا بني… يا أحمد وحياة غلاوتك… أنا… أنا كنت باخد الحاجة عشان أخواتك مزنوقين… وقولت أنت حالك ميسور وربنا كرمك…
آية قاطعتها بمنتهى القسوة:
— حاله ميسور؟ إحنا بنحوش القرش على القرش وبنجيب أكلنا بالورقة والقلم عشان نشتري عربية نمشي بيها أمورنا! إحنا بنموت في الغلا ده عشان نأمن بكرة، وتيجي أنتِ تاخدي خزين الأسبوع بحجه إن إخواته مزنوقين؟ هما مزنوقين ينزلوا يشتغلوا ويطفحوا الدم زي أحمد وزيي، مش يعيشوا على قفانا وسرقة تلاجتنا!
حسن وقف وهو باصص للأرض، وقال بصوت واطي ومكسور:
— خلاص يا آية… خلاص يا أحمد. الموضوع انتهى، وحقكم علينا. إحنا مكنّا بجد نعرف إن الحاجة دي بتيجي بالطريقة دي، أمي كانت بتقول لنا إنها شارياها من معاشها أو إن أحمد هو اللي جايبها لها زيادة. إحنا أسفين يا أحمد، واقفل على الموضوع ده وبلاش فضايح بره العيلة.
آية بصت لحسن وقالت له:
— الموضوع يقفل بشرطي يا حسن، وإلا والنعمة الشريفة، الفيديو ده هيكون على جروب العمارة وجروب العيلة وجروبات الفيس بوك كلها تفرج مصر كلها على الست الحاجة!
حسين رفع راسه مخضوض:
— شروط إيه تاني يا آية؟ ما خلاص الست اتفضحت والقرشين اأقطعوا والمفتاح اتأخد!
آية فتحت نوتة صغيرة من شنطتها وقالت:
— الشروط كالتالي: بالورقة والقلم، كل كيلو لحمة، وكل قالب جبن، وكل زجاجة زيت وسجق ولانشون ونسكافيه اأتاخدوا من بيتي على مدار الشهرين اللي فاتوا، تمنهم محسوب هنا بالظبط بأسعار السوبر ماركت بتاعة النهاردة؛ الإجمالي تمنية آلاف جنيه مصري! المبلغ ده، حسن وحسين هيدفعوه بالنص حالا، أو بكرة الصبح كحد أقصى، لأن الأكل ده دخل بطونكم وبطون عيالكم. وتاني شرط… طنط ميرفت متدخلش شقتي تاني أبداً، ولا في وجودي ولا في غيابي، والود اللي بيني وبينها انقطع تماماً لحد ما أموت. وأحمد لو عايز يود أمه، ينزل يودها في بيتها هنا، ومن غير ولا مليم زيادة من ورايا!
حسن بص لأخوه حسين، وبصوا لأمهم اللي قاعدة تعيط ومنكسرة، ومكنش قدامهم أي حل غير الموافقة. حسن طلع محفظته وطلع منها أربعة آلاف جنيه وحطهم على التربيزة وقال بقلة حيلة:
— دول نصي يا أحمد… وحسين هيجيبلك نصيبه بكرة الصبح في الشغل. والشرط التاني مقبول، ومحدش هيعتب بيتك تاني.
آية مدت إيدها، ولمت الفلوس ببرود وثقة، وحطتها في شنطتها. بصت لأحمد وقالت له:
— يلا يا أحمد، فطارنا برد في الشقة، وإحنا ورانا مشاوير النهاردة.
خرجت آية وأحمد من الشقة، وقفلوا الباب وراهم، وسابوا صالة الست ميرفت مولعة نار؛ خناق وزعيق بين حسن وحسين وأمهم اللي فضحتهم وخلت راسهم في الأرض قدام أخوهم الصغير ومراته المحاسبة.
لما طلعوا الشارع، أحمد كان ماشي ساكت، بس حاسس إن في حمل انزاح من على قلبه، وإنه نجى من فخ كبير كان ممكن يهد حياته. بص لآية، اللي كانت ماشية جنبه ومبتسمة ابتسامة نصر رايقة، وقال بنبرة مليانة ندم وامتنان:
— آية… أنا أسف للمرة المليون. أنتِ بجد طلعتي بـ مية راجل، وحميتي بيتنا وفلوسنا. أنا من النهاردة مش هخبي عليكي الهوا، وكل مليم هيدخل ويخرج هيبقى تحت إيدك وبالورقة والقلم.
آية مسكت إيده وحضنتها بحب وقالت:
— إحنا شركاء يا أحمد، والبيت اللي ملوش باب، الكل بيطمع فيه ويستبيحه. إحنا قفلنا الباب بالضبة والمفتاح، وبكرة بتاعنا وهيبقى أحسن بكتير.
مرت الأيام، وجه شهرين تانين. الشقة بقت هادية، الميزانية بقت مرتاحة جداً والفلوس بدأت تفيض لدرجة إنهم حجزوا العربية الجديدة خلاص واستلامها بعد أسبوع. أحمد قطع المصروف والزيارات تماماً، وبقى ينزل لأمه مرة كل أسبوع ساعة واحدة يطمن عليها ويرجع، والست بقت تقعد معاه وهي حاطة راسها في الأرض ومن غير ما تطلب مليم أو تفتح بؤها بكلمة.
وفي يوم السبت، وآية قاعدة في المطبخ بتعمل قهوة الصبح ومبسوطة بالهدوء، لقت موبايل أحمد رن برقم غريب. أحمد فتح الخط وسكت شوية، وفجأة وشه اأتقلب ولقينا الموبايل وقع من إيده على الأرض وهو بيصرخ:
— يا نهار أسود!!! طنط ميرفت؟؟؟ أنت بتقول إيه يا راجل أنت؟!
آية جريت عليه وال رعبة مالية قلبها:
— في إيه يا أحمد؟ طنط ميرفت مالها؟ حصل إيه؟!
أحمد بص لها وعيونه طالعة لبرة من الصدمة والرعب، وقال بصوت بيترعش تماماً:
— آية… أمي… أمي اتقبض عليها في السوبر ماركت الكبيـر اللي في أول الشارع… ممسوكة متلبسة وهي بتسرق!!!
يا ترى الست ميرفت عملت إيه في السوبر ماركت؟ وهل السرقة دي كانت فعلاً هواية ومرض عندها ولا في سر تاني خالص العيلة كلها متعر فوش؟ وأحمد وآية هيتصرفوا إزاي في المصيبة الجديدة دي؟
