بعد فرحى بشهر حكايات رومانى مكرم 2
حماتي وقفت مكانها مبرقة، والد.م ه.رب من وشها. بصت للدينا وقالت بصوت بترعش فيه الكسرة على الغرور:
“تسرقوا؟ إحنا بنسر.قك يا بنت الأصول؟ بقى دي آخرة جيرتنا ليكي؟”
رديت وأنا لسه رافعة التليفون ومثبتة عيني في عينها:
“لما تدخلوا في غيابي وتعبوا حاجتي في كراتين من غير علمي، ولما تقوليلي خلي أبوكي يجيبلك غيرهم وتستغلي طيبة قلبي.. يبقى اسمها إيه يا طنط؟ الكلمة صعبة؟ يبقى الفعل نفسه كان أصعب. أنا احترمتكم عشان خاطر جوزي، لكن لحد كرامة أبويا وشقا شني.. أنا مبعرفش حد.”
دينا لوت بوزها وسحبت أمها من إيدها وهي بتقول بغل:
“سيبك منها يا ماما، دي طلعت ناشفة ومبتفهمش في الأصول، يلا بينا والكراتين دي هناخدها معانا ونشوف ابنك هيقول إيه على قلة الأدب دي.”
خرجوا ورزعوا الباب وراهم، وحسيت بركبي سابت. قعدت على أقرب كرسي وأنا دقات قلبي مسموعة في ودني. كنت عارفة إن المعركة الكبيرة لسه مبدأتش، وإن “أحمد” جوزي لما يرجع، الدنيا هتتقلب.
وفعلاً، مكملتش ساعتين، ولقيت الباب بيتفتح ورزعة الباب كانت أقوى من المعتاد. دخل أحمد وعينيه بتطق شرار، ومستناش حتى يغير هدومه. زعق بعلو صوته:
“أنتِ إزاي تتجرأي تطردي أمي وأختي؟ إزاي تقوليلهم بتسرقوني؟ أنتِ اتجننتي يا سارة؟”
وقفت قدامه بمنتهى الثبات، رغم إن من جوايا كنت بترعش، وقلت له:
“أنا مطردتش حد، هما اللي مشيوا لما عرفوا إن أسلوب فرض الأمر الواقع مش هيمشي معايا. وأنا مقلتش سرقوني، أنا قلت لو مدوا إيدهم على حاجة في غيابي تاني هيبقى اسمها سرقة.”
أحمد قرب مني وعروق رقبتها بارزة:
“دي أمي! يعني تدخل وتخرج وتعمل اللي هي عايزاه، وأختي تاخد اللي هي عايزاه ورجلك فوق رقبتك! أنتِ فاهمة ولا لأ؟ طقم الصيني والخلاط هيتبدلوا، والكاسات هتروح لدينا هدية، ورجلك فوق رقبتك يا سارة، وإلا مش هتقعدي في البيت ده دقيقة واحدة!”
بصيت له ودموعي نزلت، بس مش دموع ضعف، كانت دموع صدمة في الراجل اللي اخترته. سحبت تليفوني وفتحت التسجيل وسمعته صوت أمه وأخته وهما بيقولوا “ما إنتِ اتجوزتي خلاص وأبوكي يجيبلك غيرهم”، وسمعته صوتهم وهما داخلين بالكراتين القديمة.
أحمد سكت ثواني لما سمع التسجيل، ملامحه اتهزت بس كبريائه منعه يتراجع، وقال:
“برضه ملهمش حق يقولوا كده على أبوكي، بس برضه دي أختي ومفيش حاجة تخرج برة.. لازم تمشي الموضوع.”
قلت له بنبرة ميتة:
“الموضوع مش هيمشي يا أحمد. لو وافقت النهاردة على الصيني والخلاط، بكرة هلاقيهم داخلين ياخدوا غسالتي وتلاجاتي لدينا، ويقولوا لي أبوكي يجيبلك غيرهم. أنا جهازي خط أحمر. وبما إنك بتخيرني بين حاجتي وكرامتي وبين القعدة في البيت ده.. يبقى اتفضل كلم بابا ييجي ياخدني.”
أحمد اتفاجئ بالرد، مكنش متوقع إني أكون بالقوة دي بعد شهر واحد جواز. افتكر إني ببهوق، فقال بعند:
“ماشي يا سارة، اطلبي أبوكي خليه ييجي ياخدك، وريني هيعملك إيه.”
مسكت التليفون وطلبت أبويا، وأول ما رد وصوته الطيب جالي، حبست دموعي بالعافية وقلت له:
“إزيك يا بابا.. معلش يا حبيبي، عاوزاك تجيلي دلوقتي أنت وإخواتي.. عاوزاكم في موضوع مهم.”
أبويا حس بنبرة صوتي وقال بقلق:
“مالك يا بنتي؟ فيكِ إيه؟ أحمد حرك فيكِ حاجة؟”
بصيت لأحمد اللي كان واقف مربع إيديه ومستنيني أتراجع، وقلت لأبويا:
“تعال يا بابا بس.. وهتعرف كل حاجة لما تيجي.”
قفل الخط، وبصيت لأحمد وقلت له:
“بابا جايب في الطريق.. وبكرة نشوف الأصول بتقول إيه.”
مرت ساعة كاملة والبيت غرقان في صمت قاتل. أحمد كان قاعد في الصالة ماسك تليفونه وبيحاول يبان مش مهتم، بس رجليه اللي كانت بتهز على الأرض فضحت توتره. أما أنا، فكنت في أوضتي بلم هدومي الأساسية في شنطة صغيرة، والدموع المحبوسة في عيني مخلية الرؤية مشوشة، بس إيدي كانت ثابتة. مش هسمح لحد يكسرني ولا يكسر أبويا.
سمعنا صوت جرس الباب. أحمد قام بسرعة وفتح، ودخل أبويا ومعاه أخويا الكبير “محمود”. ملامح أبويا كان باين عليها التعب والخوف عليا، وأول ما عينه جت في عيني وجريت عليه حضنته، طبطب على ضهري وقال بصوت حنين:
“في إيه يا بنتي؟ مالك؟ أحمد زملك في حاجة؟”
محمود أخويا بص لأحمد بنظرة حادة وقال:
“خير يا أحمد؟ سارة صوتها في التليفون مكنش مطمن، في إيه بينكم؟”
أحمد اتكلم بسرعة وبلجلجة حاول يديرها:
“يا عمي مفيش حاجة، دي خناقة تافهة وسارة مكبراها وطلبتكم على أساسها، الموضوع كله إن دينا أختي جهازها قرب، وأمي كانت بتطلب من سارة تبديل طقم صيني وخلاط، وسارة شتمتهم وقالت عليهم حرامية وطردتهم من البيت!”
أبويا بصلي بذهول، وقبل ما يتكلم، طلعت تليفوني وشغلت التسجيل من أوله لآخره وصوت حماتي ودينا طالع منه بمنتهى الوضوح، لحد جملة حماتي: *”ما إنتِ اتجوزتي خلاص، وأبوكي ربنا يكرمه يجيبلك غيرهم بعدين”*.
المكان كله اتقلب في ثانية. محمود أخويا عروق وشة برزت وعينه احمرت، وبص لأحمد وقال بصوت زي الرعد:
“بقى إحنا بنسرق اللقمة من بقنا وبنبيع اللي وراها واللي قدامنا عشان نستر بنتنا، وتقوم أمك وأختك جايين يستولوا على جهازها عافية؟ وكمان بتقول لأبويا يجيب غيرهم؟ هو أبويا شغال عندكم عشان يجهز بناتكم؟”
أبويا رفع إيده وهدى محمود، وبص لأحمد بنظرة عتاب وكسرة وجعت قلبي أكتر من كلام حماتي. قال له بنبرة هادية بس تذبح:
“أنا يا أحمد لما جيت خطبت بنتي، قعدت معايا وقلتلي أنا شاري بنتك وهشيلها في عيني. وأنا يابني متبعتش معاك، وكتبتلك كل اللي بنتي طلبته وزيادة في القائمة عشان ترفع راسها قدام الناس. تقوم تسمح لأهلك يدخلوا بيتك في غيابها يلموا حاجتها في كراتين؟”
أحمد حاول يدافع عن نفسه:
“يا عمي دي أمي وأختي، وأنا مقدرش أقف قصادهم، وبعدين دي حاجات تافهة متخربش بيت بسببها!”
هنا أبويا وقف وبكل هيبة قال له:
“الحاجة التافهة دي تمنها عرق وشقا سنين، والبيت اللي يخلو من كرامة بنتي وصونها يبقى خراب من الأول. إحنا مش جايين نصلح يا أحمد.. إحنا جايين ناخد بنتنا.”
محمود دخل المطبخ وبدأ يعاين النيش والحاجة، وبص لأحمد وقال:
“الحاجة دي كلها زي ما دخلت بالورقة والقلم، هتخرج بالورقة والقلم. أختك تتجوز من شقاك أنت وأمك، مش من جهاز أختي.”
أحمد اتجنن لما حس إن الموضوع بيكبر وهيخرج برة السيطرة، وزعق:
“تخرج فين يا عمي؟ دي مراتي ولسه مكملناش شهر! لو خرجت من الباب ده متبقاش مراتي!”
أبويا بصلي وقال:
“ادخلي هاتي بقية حاجتك يا سارة.”
وفي اللحظة اللي كنت بجر فيها الشنطة وخارجة من الأوضة، الباب اتفتح فجأة ودخلت حماتي وحمايا ومعاهم دينا، وكان باين إن أحمد كلمهم يستنجد بيهم. حمايا دخل وبص لأبويا وقال:
“جرى إيه يا حاج؟ إحنا هنجيب ناس من الشارع تلّم جهاز بنتك ولا إيه؟”