ال*مو*ت الحي 1 بقلم منــال عــلي
لو فـعلاً عايـزة تطلقـي يا مـريم، هتخـرجي مـن البيـت ده بـس علـى نـقالة وفـي كفـن.
دي كـانت آخـر جملـة قـالها لي عـاصم جـوزي بقلم منــال عــلي
ما قالهاش وهو بيزعق، ولا عمل شوشرة، ولا حتى رفع إيده عليا زي المرات اللي فاتت. قالها وهو قاعد بكل برود على ترابيزة السفرة في فيلتنا بالتجمع الخامس، وبنفس الهدوء اللي بيطلب بيه كباية قهوة زيادة، في الوقت اللي كنت ماسكة فيه بإيديا ورقة طلب الطلاق اللي مضيتها في نفس اليوم بعد الظهر.بقلم منــال عــلي
عاصم كان صاحب شركات مقاولات، وسلسلة مطاعم، ونص مشاريع البلد اللي مجلات رجال الأعمال كانت بتصوره فيها على إنه المستثمر المثالي ورجل الخير. في الصور كان دايماً تلاقيه حاضن مسؤولين كبار، بيوزع كراتين رمضان، وبيقص شريط افتتاح مشروع جديد بابتسامته الساحرة المترتبة. لكن جوه البيت كان حاجة تانية خالص. جوه البيت ما كانش بيضحك. جوه البيت الكلمة كلمته، والأمر أمره.بقلم منــال عــلي
عشت معاه خمستاشر سنة كزوجة. خمستاشر سنة من فساتين الماركات، وعزومات مع أكبر دكاترة وسياسيين، ومصايف في الجونة، ووحدة قاتلة لدرجة إن جدران الفيلا الرخام ما كانتش قادرة تخبيها. الناس برا كانت بتقول عليا عايشة عيشة ملكات، وما حدش كان شايف إن التاج اللي فوق راسي ده ما هو إلا سلسلة لفاها حوالين رقبتي.
أول مرة حاولت أهرب منه وأسيبه، جابني من شقة في الإسكندرية قبل الفجر. والمرة التانية، بعت ناس ضربوا ابن خالتي اللي ساعدني علقة موت. من بعد المرة دي فهمت إن عاصم مش بيهدد لمجرد التهديد أو عشان كبريائه، ده بيهدد عشان يقدر ينفذ، وينفذ بمنتهى السهولة.بقلم منــال عــلي
عشان كده، لما وقفت ورا الباب بالصدفة وسمعته في التليفون بيقول لعمران، ذراعه اليمين وسره، إن مريم عرفت أكتر من اللازم ولازم الموضوع ينتهي، فهمت إن مفيش وقت فاضل لي في الدنيا دي.
وعملت الحاجة الوحيدة اللي ممكن ست يأست من حياتها تعملها: رتبت لموتي!بقلم منــال عــلي
على مدار شهور كنت بشيل فلوس على جنب، وبصور ورق ومستندات، وبسجل مكالمات، ولحد ما قدرت أوصل لدكتور ضميره مات بسبب ديون القمار. أداني دوا معين عنده القدرة إنه يبطئ نبضات القلب والتنفس لدرجة تخليك تبان ميت تماماً لعدة ساعات. يومها حذرني وقال لي إن الجرعة دي ممكن تموتك بجد لو جسمك مأستحملش.بقلم منــال عــلي
رديت عليه بكلمتين: وعاصم هيموتني بجد لو فضلت عايشة.
ليلة الجمعة، أخدت الجرعة بالظبط. كلمت الإسعاف وأنا بتمطوح وبمثل إن عندي أزمة قلبية حادة، وسبت باب الفيلا موارب. لما المسعفين وصلوا، كنت خلاص جسمي سقع، وشي شاحب، ومفيش أي استجابة. أعلنوا وفاتي بسكتة قلبية ونقلوني على طول على مشرحة زينهم.
وهنا بقى ظهر عم جابر.بقلم منــال عــلي
راجل عنده حاجة وخمسين سنة، شغال مساعد تشريح في المشرحة دي بقاله أكتر من عشرين سنة. عايش مع مراته ست تريزة في شقة بسيطة في المطرية. راجل شقيان، طيب، وعلى قد حاله. بالظبط من نوعية الناس اللي عاصم الشرقاوي مستحيل يبص لهم أو يديهم أي أهمية في حياته.بقلم منــال عــلي
لما فتحت عيني وفوقت وأنا فوق الترابيزة الصاج، عم جابر ركبه خبطت في بعض وكان هيغمى عليه من الرعب.
كتمت بوقي وقولت له بصوت شرقان ومبحوح: أرجوك ما تصوتش، أنا مش ميتة. بس لو ما ساعدتنيش، هبقى ميتة بجد كمان كام ساعة.بقلم منــال عــلي
حكيت له كل حاجة. قولت له إن عاصم هييجي الصبح يتعرف على الج*ثة وهيطلب تصريح دفن سريع وبسرعة عشان يخلص من غير شوشرة ولا أسئلة. وطلبت منه يوافق، وياخد الفلوس ويحسسه إنه بينفذ أوامره، وبعدين يهربني.
سألني وهو إيده بترعش من الخوف: وأنا إيه اللي يجبرني أحط راسي تحت المقصلة مع راجل واصل زي ده؟بقلم منــال عــلي
طلعت من وسط الهدوم اللي كنت مخبياها ورقة مكتوب فيها أرقام حسابات وسحب، وقلت له: عشان هديك ٥٠٠ الف جنيه. وعشان أنت راجل طيب وبتعرف تفرق بين الج*ثة، وبين ست كل ذنبها إنها عايزة تعيش.بقلم منــال عــلي
عم جابر سكت، فكر في مراته، وفي بنته اللي مش عارف يدفع لها مصاريف الكلية، وفي سنين الشقا والنباطشيات اللي اتهد فيها حيله وجزمته اللي دابت من المشي. بص ناحية باب ثلاجة الموتى، كأن حياته كلها واقفة ورا الباب ده مستنية قراره.بقلم منــال عــلي
هز رأسه وقال أخيراً: ماشي، بس من أول بكرة الصبح، أنتِ هترجعي ميتة تاني قدام الكل.
الساعة عشرة الصبح، وصل عاصم ومعاه عمران وحارس شخصي. كان لابس بدلة سودا شيك جداً، وعلى وشه علامات الحزن بتاعة زوج مكلوم، بس حزن مصطنع ما يخيلش على حد يفهمه. أول ما بص على جسمي، ما عيطش، ولا حتى قرب يلمسني. كل اللي قاله ببرود: هي دي مريم. اخلصوا في إجراءات الدفن وادفوها النهاردة.بقلم منــال عــلي
عم جابر أخد المظروف اللي فيه الفلوس وهو بيهز رأسه. عاصم مال عليا شوية، وبابتسامة خبيثة ما حدش حس بيها غيري، همس في ودني: ده أنتِ لو موتي يا مريم، مش هتهربي مني برضه.بقلم منــال عــلي
وفي اللحظة دي، جالي إحساس مرعب خلاني أتنفض من جوايا: عاصم شكله كان شاكك في اللعبة من الأول!
ما كنتش قادرة أصدق ولا أستوعب إيه اللي هيحصل في الـ ٢٤ ساعة اللي جايين.
يتبع ……
فضلت مسمرة فوق الترابيزة الصاج، حاسة ببرودتها بتاكل في ضهري، وكأن لازم أثبت للعالم كله إني ج*ثة فعلاً. عاصم فضل مايل عليا لثانية كمان، كان قريب جداً من وشي، لدرجة إن ريحة برفانه الغالي المختلطة بريحة السجاير رجعتني لليالي عشتها معاه كنت أتمنى أتمحي من الدنيا ولا أفتكرها. ما كانش بيعيط، ولا حتى بيحاول يمثل الحزن بضمير. كان بيراقب، بيدور على غلطة في جسمي، رعشة، نفس هربان، أي إشارة خوف صغيرة. وأنا فعلاً كنت مرعوبة. مش من سقعة المشرحة، أنا كنت مرعوبة ليكون حس بيا. بقلم منــال عــلي
عم جابر كان واقف جنبه، واضمم إيديه الاتنين قدامه، وبيحاول على قد ما يقدر يبان في صورة الموظف الغلبان اللي هده التعب ومستني المصلحة تخلص. أما عمران، فكان عينيه بتاكل المكان، بيبص على كل حاجة بنظرة بني آدم مش بيطمن حتى للسكوت.
عاصم كرر كلامه تاني ببرود: اخلصوا في إجراءات الدفن والسرادق النهاردة من غير عزا، ومن غير لمة أهل. مراتي ما كانتش بتحب المنظرة والشوشرة.بقلم منــال عــلي
كنت عايزة أضحك من قلبي لو كان لسه جوايا مكان للضحك. خمستاشر سنة بيستخدمني فيها كواجهة اجتماعية يتباهى بيها قدام الناس، وجاي دلوقتي يقول ما بتحبش المنظرة!بقلم منــال عــلي
عم جابر تَنحنح وقال بصوت هادي: بس يا عاصم بيه، في إجراءات برضه تصريح الدفن، وورق النيابة، وموافقة مكتب الصحة عشان نقدر نطلع الج*ثة.
عاصم طلع قلم فضة شيك من جيب جاكتته ومضى على طلب الاستعجال وقال: خلاص سلك أنت الأمور وسرّعها.بقلم منــال عــلي
أول ما خرجوا وقفلوا الباب وراهم، ما صدقتش إني قدرت أتنفس. الهواء دخل صدري وهو بيجرح حلقي من كتر الكتمة. عم جابر سَند قورته على الحيطة لثواني، ونفسه عالي.
بصيت له وقلت: أنت شوفت كان بيعمل إيه؟
بص لصدري اللي بيترفع وينزل وقال: شوفت ده كان بيتأكد.
قلت: تفتكر شاكك؟بقلم منــال عــلي
قال: جايز وجايز يكون من نوعية الرجالة اللي غاويين ذل، وعايز يذل حتى جثتك.
ما ردتيتش عليه. كنا إحنا الاتنين عارفين إن الاحتمالين يركبوا على عاصم. من اللحظة دي، الخطة البسيطة اللي كنا متفقين عليها، إننا نطلع تصريح دفن وهمي وأهرب، اتعقددت وبقت حاجة تانية خالص. عاصم مش هيسيب خرم إبرة يفوت منه حاجة.
عم جابر نقلني أوضة تخزين ورا، لفني في ملاية ودفاية قديمة عنده. رجليا ما كانتش شايلاني، مفعول الدوا كان لسه مخليني مهدودة، ريقي ناشف ودماغي بتلف. جاب لي كباية قهوة بزيادة في كباية بلاستيك، وشربتها براحة وأنا ماسكاها بإيديا الاتنين عشان بتعش.بقلم منــال عــلي
همس وهو بيبص للأرض كأنه بيفكر نفسه هو حط روحه في وسط النار دي ليه: اتنين مليون جنيه…
قلت: الفلوس متشالة وجاهزة. أول ما أخرج من هنا وأفتح حسابي السري، هحولهم لك فوراً.بقلم منــال عــلي
بص لي وعينيه ما كانش فيها طمع، كان فيها نظرة ذنب وخوف: بنتي سابت الكلية عشان ما قدرتش أدفع لها المصاريف أنا مش رجل فاجر ولا طماع يا ست مريم.بقلم منــال عــلي
قلت: وأنا كمان مش شيتانة يا عم جابر أنا كل ذنبي إني مش عايزة أموت.
قبل الظهر، عمران رجع المشرحة لوحده. ما دخلش الأوضة اللي أنا فيها، بس صوته كان ماشي في الممر زي السكينة: عاصم بيه طلب مني أفضل ملازم الج*ثة لحد ما تطلع من باب المشرحة وتوصل الترب وتتردم عليها. مش عايزين لعب، ولا تأخير.بقلم منــال عــلي
عم جابر فضل واقف ورا رصة صناديق قديمة، ووشه خشب من الصدمة. أنا فهمت من قبل ما ينطق بكلمة هما مش عايزين يدفنوا وبس، هما عايزين يراقبوا. الج-ثة التانية اللي عم جابر كان ناوي يستخدمها، بتاعة ست مجهولة الهوية وموجودة في الثلاجة بقالها شهور ومحدش سأل عليها، مستحيل اللعبة دي تنطلي على عمران وهو واقف ومقفل عليها من أول الخط لآخره.بقلم منــال عــلي
سألته بخوف: في طريقة تانية؟بقلم منــال عــلي
عم جابر قفل عينيه بيأس: في باب ورا، مخرج الطوارئ والخدمات بتطلع منه عربية غسيل ومخلفات المستشفى الساعة اتنين الظهر. بس لازم نعدي على كشك الأمن.
قلت: وتفتكر حاطين حد برا؟بقلم منــال عــلي
ما ردش عليا. طلع تليفونه الزراير القديم وكلم مراته تهاني. اتكلم بصوت واطي ومن غير ما يشرح تفاصيل كتير، قال لها إنه ممكن يتأخر، وإنها تقفل باب الشقة بالترباس وماتفتحش لأي غريب. المكالمة دي هزتني من جوايا أنا كنت شارية مساعدته بفلوس، بس دلوقتي حياته وحياة بيته بقت مربوطة بحياتي. الموضوع ما بقاش بيع وشراء بقى خطر وموت.بقلم منــال عــلي
خرجنا الساعة اتنين وربع. كنت قاعدة في أرضية عربية ربع نقل تابعة للمغسلة، متغطية بأجولة ملايات وفوط بيضا، ولابسة كمامة وكاب طبي والزي الأزرق الواسع اللي ريحته كلها كلور وخناق. عم جابر كان سايق وعينيه في وسط راسه ومش بيبص وراه. عند البوابة، أمين الشرطة طلب منه دفتر النقل. دقات قلبي كانت عالية لدرجة كنت خايفة تطلع برا صدري وتفضحنا. الأمين بص في الورق، تيجاءب بملل، وشاور له يعدي.بقلم منــال عــلي
في اللحظة دي حسيت إننا كسبنا بس بعد حارتين بالظبط، في موتوسيكل أسود مشي براحة جنبا. السواق بتاعه بص لجوه العربية النظرة ما كانتش فضول، كانت نظرة تأكيد. لقط النمرة وعرف إن أنا جوا.بقلم منــال عــلي
عم جابر لقط اللقطة هو كمان. ما زودش السرعة ولا حاول يهرب زي الأفلام، دخل في شارع كله ورش دوقو وميكانيكية، ومنه لشارع تاني، لحد ما دخل جراج سوبر ماركت كبير.
لف وقال لي بنبرة هلع: انزلي حالا!بقلم منــال عــلي
كنت بالعافية قادرة أمشي على رجليا. سندني من دراعي، اشترى لي عباية سمرة رخيصة من فرش على الرصيف، ودخلني حمام الحريم، وهناك واحدة عاملة نظافة من معارفه كانت مستنيانا وسلمتني كيسة فيها لبس تاني.
الست سألته بشك: دي بنت خالتك يا جابر؟
رديت أنا بسرعة: اه بنت خالته والنهاردة يومي.
غيرت هدومي وأنا بترعش. لما خرجت، كانت عربية المغسلة مشيت من طريق تاني عشان تموههم.
على آخر النهار، وصلنا شقة عم جابر في المطرية. طنط تهاني فتحت الباب ووشها مقلوب، مش غضب، ده كان رعب صافي. ست قصيرة، شعرها الأبيض ملموم لورا، وعينيها باين فيها شقا السنين والهم والبيوت اللي دايما حساباتها عجزت. وراها كانت واقفة بنتها كاميلْيا، عندها تسعتاشر سنة، وماسكة في إيدها كتاب كلية قديم ومتبهدل.بقلم منــال عــلي
عم جابر لخص الموضوع كله في كلمتين. طنط تهاني ما استقبلتنيش كأنني بطلة، شاورت لي على كرسي خشب وقالت بنبرة جافة: اقعدي قبل ما تقعي من طولك.
وبعدين بصت لجوزها وقالت: أنت دخلت الموت بيتنا يا جابر.بقلم منــال عــلي
محدش عرف يمد إيده على الأكل. استخدمت تليفون كاميليا عشان أدخل على الحساب السري، وحولت لهم جزء أولاني من الفلوس، مبلغ أصغر بكتير من اللي وعدت بيه، بس كان كافي يثبت لهم إني مش بكدب ولا ببيع لهم الوهم. عم جابر مالمحتش على وشه أي فرحة بالفلوس. طنط تهاني دخلت الحمام وسمعت صوت شهقاتها المكتومة وهي بتعيط، وكاميليا كانت بتبص لي بنظرات حايرة، مش عارفة تحدد أنا ضحية تستاهل التعاطف ولا مصيبة حلت على راسهم. ويمكن كنت الاتنين سوا.بقلم منــال عــلي
الساعة جَت تسعة بالليل الباب خبط.
تلات خبطات ورا بعض ناشفين. بعدين سكتة بعدين خبطتين كمان.
عم جابر جِري وطفا النور بتاع الصالة.
بص من العين السحرية، شاف ضل راجل بيسيب ظرف على الأرض وبيمشي. استنينا لحد ما صوت الخطوات اتمحى تماماً من السلم. لما طنط تهاني فتحت الباب واخدت الظرف، لقت جواه صورة لكاميليا وهي خارجة من باب الكلية، ملقوطة لها في نفس اليوم ده بعد الظهر.بقلم منــال عــلي
وعلى ضهر الصورة، كانت مكتوبة جملة بخط إيد نضيف ومترتب: سلموا مريم بدل ما بنتكوا هي اللي تحتاج سرير في المشرحة.بقلم منــال عــلي
طنط تهاني حطت إيدها على بوقها وصرخت صرخة مكتومة. عم جابر اتسمر في مكانه، وحسيت إنه عجز وتجاعيد وشه زادت مية سنة في ثانية واحدة.
مسكت الصورة في إيدي، وحسيت بالوزن الحقيقي والخراب اللي هروبي سببه عاصم مش بس عايز يموّتني، ده عايز يربي بيا الكل، ويفهّم أي حد يفكر يمد لي إيده إنه مش هيعيش بعدها.بقلم منــال عــلي
يا ترى إيه اللي حصل بعد كده…؟

