فضلت واقف مكاني والكاس في ايدي وعيني في عنين مريم
فضلت واقف مكاني، الكاس في إيدي، وعينيا في عينين ماجدة. العصير كان لونه أحمر قاني، زي الدـ,ـم اللي كان بيغلي في عروقي. لو كانت سألتني قبل الليلة دي بساعتين كنت هقول إنها ملاك، الست اللي عاشت معايا على الحلوة والمرّة، اللي استحملت سهر برا وجوا مصر وشقا الأيام لحد ما عملت القرشين اللي مأمنين حياتنا. لكن دلوقتي؟ كنت شايف قدامي وش تاني خالص، وش شيطان لابس قناع ملاك، ملامحها اللي كنت بشوفها طيبة بقت مكشوفة قدامي بكل غلّها وحساباتها الباردة.
— “مالك يا أحمد؟” ماجدة سألتني ونبرة صوتها فيها حنية مزيفة خلت جسمي يقشعر، “أنت واقف متنح كده ليه؟ العصير هيسقع والثلج هيسيح فيه.”
بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أظهر بأهدى مظهر ممكن. هزيت راسي وابتسمت ابتسامة صفرا تليق بالتمثيلية اللي احنا بقينا فيها: “لا يا حبيبتي، مفيش.. بس الصيدلي أخرني والجو برا كان زحمة ونفسي اتسد شوية. سيبيه على السفرة، هغير هدومي وأشربه علطول.”
حطيت الكاس على السفرة ولمسته بأطراف صوابعي كأني بلمس قنـ,ـبلة موقوتة. دخلت أوضة النوم وقفت ورا الباب، قلبي كان بيقيد نـ,ـار. فتحت الموبايل وبعت رسالة للمستشار فريد: «أنا في البيت. السـ,ـم في إيدي دلوقتي. هحاول أتحفظ على العينة من غير ما تحس. رتب مع دكتور السموم فوراً.»
طلعت قميص وبنطلون ولبستهم وأنا بفك الخطة في دماغي. منصور.. منصور ربيع، صاحب عمري اللي كنا بنقعد على قهوة واحدة، اللي سلفته لما كان بيقفل شركته، اللي كان بيدخل بيتي في غيابي وبأمان كامل لأنني كنت بعتبره أخويا اللي مخلفتوش أمي. حازم.. الولد اللي شيلته على كتفي، اللي كنت ببكي من الفرحة لما كان بيجيله دور برد، اللي دفع دم قلبي عشان يدخل أحسن جامعات ويتحوز في أحسن حته.. مطلعش ابني!
الحقيقة دي كانت ألعن من السم اللي في الكاس. السم بيمـ,ـوت الجسم، لكن الخـ,ـيانة دي كانت بتدبح الروح والكرامة والتاريخ كله.
طلعت من الأوضة، كانت ماجدة في المطبخ بتتكلم في التليفون بصوت واطي جداً. اتسحبت براحة ووقفت ورا باب المطبخ المورب.
— “أيوا يا نادين.. لأ، لسه مشربهوش، لسه راجع من برا وبيقول إنه تعبان وزحمة الشارع خانقاه.. متقلقيش، هو كدا كدا بيشربه قبل ما ينام، والجرعة النهاردة تقيلة، يعني يومين تلاتة بالكتير والدكتور هيقول سكتة قلبية مفاجئة من ضغط الشغل.. ركزي أنتِ بس مع حازم وخليه يمضي على توكيل عام ليكِ عشان لما نبيع شقة مدينتي نخلص من الحوار ده بسرعة.”
سكتت ثانية بتسمع الرد، وبعدين ضحكت ضحكة خبيثة: “منصور؟ منصور مأمن نفسه، بس هو كمان طمعان، فاكر إنه لما أحمد يـ,ـمـ,ـوت هياخدني بالورث، ميعرفش إني هخلص منه هو كمان أول ما الفلوس تبقى في جيبي.. يالا اقفلي دلوقتي عشان طالعاله.”
جسمي كله ساب. الست دي مش بس بتقـ,ـتلني، دي بتلعب بالكل، بمنصور وبنادين وبابنها اللي فاكراه ابن منصور. دي آلة قـ,ـتل متحركة بدافع الطمع الأعمى. جريت بسرعة على الصالون وقعدت على الكرسي، ومسكت الجرنان كأني بقرأ فيه.
دخلت عليا وبإيدها طبق قطايف: “ها يا أبو حازم، مشربتش العصير ليه؟”
بصيت للكاس، وبعدين بصيتلها: “ماجدة، هاتيلي كباية مياه ساقعة الأول عشان ريقي ناشف، وبعدين هشرب العصير.”
أول ما دارت وشها ودخلت المطبخ، طلعت من جيبي زجاجة قطرة فاضية كنت غاسلها ومعقمها كويس، وسحبت من العصير كمية كفاية وقفلت الزجاجة وحطيتها في جيب بنطلوني الداخلي. ومسكت كاس العصير ودلقت باقيه في قصرية الزرع الكبيرة اللي جمب الكرسي، وحطيت الكاس الفاضي على التربيزة.
رجعت بالمياه، بصت للكاس الفاضي وعينيها لمعت بانتصار شرير: “بالهنا والشفا يا حبيبي.. مطرح ما يسري يمري.”
— “الله يهنيكي يا ماجدة.. أنا هقوم أنام بقى عشان حاسس بهمدان في جسمي كله.”
— “سلامتك يا أخويا، روح ارتاح وأنا هقعد أظبط شوية حاجات في البيت.”
دخلت الأوضة، قفلت الباب بالمفتاح. قعدت على السرير وأنا بنهج كأني كنت في معركة حربية. طلعت الموبايل واتصلت بمدحت مدير القاعة: “مدحت، الفيديو اللي عندك انسخه على فلاشة، واقفل عليه في خزنتك، وماتديهوش لأي مخلوق حتى لو مراتي راحتلك.. فاهم؟”
— ” رقبتي ليك يا حاج أحمد، متقلقش، الفلاشة في أمان، بس طمني أنت هتعمل إيه؟”
— “هقلب التربيزة على الكل.. بس في وقتها.”
تاني يوم الصبح، نزلت من البيت بدري جداً كأني رايح الشغل. قابلت المستشار فريد في مكتبه في مصر الجديدة. كان مستنيني ومعاه راجل تلاتيني لابس نظرة طبية، وعرفني عليه: “ده الدكتور شريف، أستاذ سـ,ـموم في قصر العيني.”
طلعت زجاجة القطرة اللي فيها العصير وحطيتها على المكتب: “هي دي العينة يا دكتور.”
دكتور شريف خد الزجاجة وبص ليها بعناية: “تمام يا حاج أحمد، أنا هاخدها المعمل عندي، وهعمل تحليل سريع للتركيز. بس من كلام المستشار فريد عن الأعراض اللي بتجيلك (النهجان، وضـ,ـربات القلب السريعة، والهمدان)، فده غالباً تسـ,ـمم مزمن بمادة الديجوكسين. المادة دي بتزود ضـ,ـربات القلب لحد ما يحصل توقف مفاجئ، والمشكلة إنها بتبان في الوفـ,ـاة الطبيعية كأنه هبوط حاد في الدورة الدـ,ـموية.”
— “هتاخد وقت قد إيه عشان تطلع التقرير رسمي وموثق؟”
— “أربع وعشرين ساعة بالكتير، والتقرير هيكون مع سيادة المستشار.”
بعد ما الدكتور مشي، لفيت بكرسي وبصيت لفريد: “فريد.. احنا مش هنرفع قضية علطول.”
فريد استغرب: “أومال هتعمل إيه يا أحمد؟ دي محاولة قتـ,ـل عمد مع سبق الإصرار والترصد!”
— “لو رفعت قضية دلوقتي، منصور هيهرب، ونادين هتنكر، وماجدة هتعمل نفسها ضحية وهيطلعوا منها زي الشعرة من العجين بفلوسي. أنا عايز أكسرهم كلهم في وقت واحد.. عايزهم يقعوا في شر أعمالهم وهم فاكرين إنهم بينتصروا.”
فريد سكت شوية وبعدين ابتسم: “دماغك طول عمرها سم يا أحمد.. قولي ناوي على إيه؟”
— “أول حاجة، الحسابات المشتركة اللي بيني وبين ماجدة اسحب منها كل الملاليم وحولها لحساب سري باسمك أو باسم شركة وهمية. شهادات الاستثمار كلها تتجمد بناءً على طلب مني بوجود شبهة تـ,ـزوير أو أي حجة قانونية. شقة مدينتي اللي كتبتها لحازم، العقد بتاعها لسه مسجلتهوش في الشهر العقاري صح؟”
— “صح، أنت عاملهم توكيل بالبيع بس متمش التسجيل الفعلي.”
— “إلغي التوكيل ده فوراً النهاردة من غير ما يعرفوا. والخطوة الأهم.. الفيديكوميس (صندوق الاستثمار العائلي) اللي برة مصر اللي قيمته 20 مليون جنيه، واللي المفروض يتفتح لما ييجي أول حفيد بيولوجي.. هتعمل تعديل في شروطه.”
— “تعديل إيه؟”
— “الشعرة اللي هتقطم ظهرهم.. الصندوق مش هتتفك مليم منه إلا بعد عمل تحليل DNA لإثبات البنوة الحيوية للحفيد في مركز معتمد من المحكمة، والشرط ده يتكتب كبند أساسي غير قابل للإلغاء.”
فريد ضحك بصوت عالي: “يخرب بيت عقل الكبار! أنت كدا بتولع فيهم وهم عايشين.. نادين كدا مش هتعرف تطال مليم، وماجدة هتتجنن.”
— “ولسه.. أنا هعمل ليلة عشاء عائلي يوم الجمعة الجاية في البيت عندي. هعزم فيها منصور، وحازم، ونادين، وماجدة طبعاً هتكون هي اللي طبخة. وفي الليلة دي.. اللعبة هتنتهي.”
البلع كان صعب والـ 48 ساعة اللي بعد كده كانوا كابوس. كنت برجع البيت، أخد العصير اللي ماجدة بتقدمهولي، وبكل ذكاء أدلقه من وراها في الحمام أو في الزرع، وأعمل نفسي دايخ وتعبان عشان أعيشها في الوهم. كانت تبصلي بنظرات الشفقة المزيفة وتقولي: “سلامتك يا حبيبي، شكلك مجهد.. ارتاح، كله هيبقا تمام.” وكنت بقول في بالي: “فعلاً، كله هيبقا تمام.. بس ليا أنا.”
يوم الأربع، جالي تليفون من حازم.. ابني.. أو اللي كنت فاكره ابني. صوته كان متوتر: “بابا.. أنا كنت في الشهر العقاري النهاردة عشان أعمل حاجة تبع الشقة، والموظف قالي إن التوكيل اللي أنت عاملهولي بالبيع اتلغى! في حاجة غلط يا بابا؟”
أخدت نفس طويل وضغطت على أعصابي: “يا حازم يا حبيبي مفيش غلط ولا حاجة.. أنا لقيت إن في ثغرة ضريبية في التوكيل القديم، والمستشار فريد قالي نلغيه ونعمل عقد بيع وشراء نهائي ومسجل علطول عشان نأمن الشقة باسمك وباسم نادين ومحدش يشارككم فيها بعدين.. أنا بس بظبط الأوراق ويوم الجمعة في العشاء هجيبلك العقود الجديدة تمضيها أنت ونادين.”
حازم صوته اتغير تماماً والفرحة رجعتله: “بجد يا بابا؟ ربنا يخليك لينا يا رب، أنا ونادين كنا شايلين هم الحكاية دي قوي.. نادين كانت زعلانة وبتقول إنك غيرت رأيك.”
— “أنا أغير رأيي فيكم برضه؟ ده أنتوا غلاوتكم عندي ملهاش حدود.. جهز نفسك أنت ومراتك ليوم الجمعة، وعايزك تكلملي عمك منصور Rivas ييجي يتعشى معانا، بقالنا كتير مقعدناش سوا.”
— “من عيوني يا بابا، هكلمه حالا.”
قفلت السكة وأنا حاسس بغثيان. الولد ده طيب، مغفل زي ما أمه قالت، عايش في وهم كبير، وميعرفش إنه مجرد عروسة خشب في إيد الستات اللي في حياته، وميعرفش المصيبة الكبيرة إنه مش ابني. بس مكنش ينفع أرحم حد، المعركة دي مفيش فيها أسرى.
يوم الخميس، استلمت تقرير الدكتور شريف. النتيجة كانت صدمة.. نسبة الديجوكسين في عينة العصير كانت كفيلة تمـ,ـوت حصان لو اتاخدت على مدار شهر. التقرير كان مختوم وموثق، وفريد جهز معاه محضر شرطة رسمي بتهمة الشروع في القـ,ـتل، ومرفق معاه فلاشة فيديو الكاميرات بتاعة القاعة. كل الأوراق بقت في شنطة فريد، مستنية إشارة مني.
وجاء يوم الجمعة المنتظر.
البيت كان ريحته أكل حلو قوي، ماجدة كانت عاملة بط ومحاشي وصواني رقاق، مأدبة تليق بـ “الضحية” اللي هتمـ,ـوت قريب. كانت لابسة فستان شيك ومبتسمة ومتحمسة جداً.
على الساعة تمانية بالليل، الباب خبط. فتحت، كان منصور.
الراجل اللي خانني في شرفي وفي بيتي وفي ابني. دخل بابتسامته العريضة، وفتح دراعاته وحـ,ـضني: “أبو حازم يا صاحبي! وحشني يا راجل، عاش من شافك.”
حسيت إنني باحضـ,ـن تعبان، جسمي كش بس قاومت: “أهلا يا منصور يا حبيبي، منور البيت يا صاحبي.. اتفضل اتفضل.”
بعدها بشوية وصل حازم ونادين. نادين كانت مبتهجة جداً، عينيها كانت بتلمع وهي بتبص لماجدة، نظرات متبادلة وفهم متبادل إن الخطة ماشية تمام وأن “أيام الحاج أحمد معدودة”.
قعدنا كلنا على السفرة. الأكل كان محطوط، وماجدة وزعت الأطباق. وقبل ما حد يمد إيده، ماجدة قامت وقالت: “ثواني يا جماعة.. أنا عملت عصير الفراولة الفريش اللي أحمد بيحبه، وعملت لينا كلنا عشان نشرب في صحة العرايس وصحة أبو حازم.”
راحت المطبخ وجابت صينية عليها الكاسات. حطت قدامي كاس متميز شوية، لونه غامق سنة، وحطت للباقيين كاسات تانية.
نادين رفعت كاسها: “في صحة عم أحمد.. ربنا يخليه لينا ويديله على قد نيتة.”
منصور رفع كاسه وهو بيبص لماجدة بطرف عينه: ” في صحة أخويا وصاحب عمري أحمد.. طول عمرك صاحب فضل يا أحمد.”
كلهم رفعوا الكاسات ومستنيينني أشرب.
بصيت للكاس اللي قدامي، وبعدين بصيت لماجدة اللي كانت عينيها مركزة على شـ,ـفايفي مستنية أول بوق.
ابتسمت ببطء شديد.. وحطيت الكاس على التربيزة.
— “مالك يا أحمد؟” ماجدة قالت بقلق بدا يظهر على وشها، “اشرب العصير ده معمول مخصوص عشانك.”
— “أصل أنا فكرت في حاجة يا ماجدة..” قولت وصوتي بقا هادي وقـ,ـاتل، “احنا عيلة واحدة، وأصحاب عمر، وفي بنا عيش وملح.. والجمعة دي مش جمعة عادية.”
منصور استغرب: “يعني إيه يا أحمد؟”
وقفت من على الكرسي، ومشيت ببطء لحد باب الشقة، قفلته بالمفتاح وحطيت المفتاح في جيب بنطلوني. الكل بدأ يتوتر. نادين بصت لحازم، وحازم بصلي باستغراب: “في إيه يا بابا؟ أنت بتقفل الباب ليه؟”
رجعت للسفرة، وقفت فوق رأس ماجدة، وحطيت إيدي على كتفها.. حسيت بجسمها بيترعش تحت إيدي.
— “قفلته عشان مفيش حد هيخرج من هنا الليلة دي.. إلا وهو رايح المكان اللي يستاهله.”
طلعت من جيب جاكتتي جهاز تابلت صغير، وحطيته في نص السفرة بين الأطباق.
— “ماجدة.. نادين.. منصور.. حابب أعرض عليكم فيلم قصير، تصويره ممتاز، والصوت فيه واضح قوي.. سيناريو وإخراج قاعة السرايا بالتجمع الخامس.”
وش ماجدة اتقلب وبقا أبيض زي الملخص. نادين كاسها اتهز في إيدها والعصير اتدلق على فستانها الأبيض. منصور عقد حواجبه وبدأ يعرق.
دوست على زرار التشغيل.
ظهر على الشاشة صالون العروسة. وصوت نادين طلع واضح: “في صحة أغبى راجل في مصر كلها.” وصوت ماجدة بيرد: “بقالى تلات أسابيع مغيراله أقراص القلب، وبحطله بودرة الديجوكسين مطحونة في عصير الفراولة…”
الصوت كان بيملا الأوضة الحظر فيها بقا زي القـ,ـبر. حازم كان بيبص للشاشة وعينيه بتوسع من الصدمة، يبص لأمه ويبص لمراته: “إيه ده؟ إيه اللي أنا سامعه ده؟ أمي؟ نادين؟ أنتوا بتتكلموا عن بابا؟”
لكن الفيديو مخلصش هنا. الفيديو وصل للحظة القـ,ـاتلة.
على الشاشة، نادين بتسأل: “عم أحمد؟” وماجدة بترد بضحكة صفرا: “لأ طبعاً.. حازم ابن منصور.”
— “بس!!” حازم صرخ صرخة هزت الحيطان، وقف من على الكرسي وهو بيترعش كأنه اتكهرب، بص لمنصور وبص لأمه: “أنا ابن مين؟ ابن منصور؟ منصور اللي كان بيأكل معايا؟ أمي.. ردي عليا!! الكلام ده كدب صح؟ الفيديو ده متفبرك صح؟”
ماجدة كانت شاحبة تماماً، ملامحها انكمشت وبقت شبه الجـ,ـثة، حاولت تتكلم وصوتها طلع مخـ,ـنوق: “أحمد.. اسمعني.. ده.. ده كان هزار.. احنا كنا بنهزر..”
— “تهزري بالسم يا ماجدة؟” قولت بصوت جهوري هز السفرة، “تهزري بـ 40 سنة شقا؟ تهزري بشرفي مع صاحب عمري؟”
منصور وقف وحاول يتحرك ناحية الباب: “أحمد.. أنا ماليش دعوة.. الست دي هي اللي كانت بتجري ورايا من زمان.. أنا..”
حازم مجرد ما سمع جملة منصور، هجم عليه زي الوحش الكاسر، مسكه من رقبتة وفضل يضـ,ـرب فيه بوكسات بكل غل وعياطه مالي المكان: “يا خاين يا واطي! بقالي تلاتين سنة بقولك يا عمي؟! بتخون أبويا اللي عملك راجل؟”
البيت اتقلب لساحة معركة. نادين كانت بتصرخ في رعب وبتستخبى ورا الكرسي، وماجدة وقعت على الأرض وبتعيط وبتتمسح في رجلي: “سامحني يا أحمد.. الشيطان غواني.. سامحني عشان خاطر العيش والملح.”
نفضت رجلي من إيدها بكل قرف: “عش وملح؟ أنتِ سبتي فيا عيش وملح؟”
مسكت كاس العصير اللي كانت حطاه قدامي، ونزلت لمستواها على الأرض، ومسكتها من فكها جامد: “أنتِ مش بتقولي مطرح ما يسري يمري؟ ومش واثقة قوي إن العصير ده فيه شفايا؟ طب اشربيه.. اشربي الكاس ده كله دلوقتي قدامي عشان أصدق إنك بريئة وبتتمنيلي الخير.”
قربت الكاس من بقها، بدأت تصرخ وتزق إيدي برعب هستيري: “لأ!! لأ يا أحمد أرجوك!! هيمـ,ـوتني!! هيمـ,ـوتني حالا!!”
— “يعني عارفة إنه بيمـ,ـوت؟” زعقت فيها ورميت الكاس على الأرض اتكسر ميت حتة والعصير الأحمر ساح على السيراميك، “كنتي بتديني المـ,ـوت كل يوم الصبح بابتسامة يا فاجرة!”
في اللحظة دي، الباب خبط خبطات قوية ومنتظمة.
مسكت المفتاح، فتحت الباب. دخل المستشار فريد ومعاه تلاتة أمناء شرطة وضابط برتبة رائد.
الضابط بص للمنظر.. منصور على الأرض ووشه كله دم وحازم منهار بيعيط في الزاوية، وماجدة زاحفة على الأرض ونادين ميتة من الرعب.
فريد قدم الشنطة للضابط: “اتفضل يا فندم.. ده تقرير الطب الشرعي لسـ,ـموم قصر العيني بثبوت محاولة التسمـ,ـيم، ودي الفلاشة اللي عليها الاعتراف الكامل بالتخطيط للقتـ,ـل العمد والخـ,ـيانة.”
الضابط شاور للأمناء: “هاتوا الستات دول.. والراجل ده كمان معاهم.”
الأمناء كلبشوا ماجدة ونادين اللي كانوا بيصرخوا بهستيريا، ومنصور قام وهو بيعرج ووشه متدمر واتكلبش هو كمان.
قبل ما يخرجوا، لفيت وشي لنادين وماجدة وقولتلهم بكل برود: “آه.. صحيح، نسيت أقولكم.. شقة مدينتي التوكيل بتاعها اتلغى والشقة رجعت باسمي. والحسابات البنكية كلها اتمسحت ومبقاش في حسابات مشتركة. وشهادات الاستثمار اتجمدت. أما الصندوق العائلي الـ 20 مليون جنيه.. فبند جديد اتضاف فيه النهاردة الصبح: مش هيتصرف مليم منه إلا بتحليل DNA يثبت إن الحفيد من نسبي أنا.. يعني يا نادين، ابنك اللي في بطنك مش هيشوف مليم من فلوس أحمد السيوفي.. خليه بقى ينفعك ومنصور ينفعك في السجن.”
نادين بصتلي بنظرة رعب صافي، وماجدة صرخت صرخة مكتومة قبل ما العساكر يسحبوهم برا الشقة ويزقوهم على السلم.
البيت فحي فجأة وبقى هادي.. هدوء مرعب.
حازم كان لسه قاعد على الأرض، حاطط راسه بين إيديه وبيبكي بحرقة، صوته كان يقطع القلب. قسوة الموقف خلتني أنسى ناري للحظة. قربت منه، قعدت على ركبي قدامه، وحطيت إيدي على كتفه.
رفع راسه وعينيه حمرا ومليانة دموع: “بابا.. أنا.. أنا ابن مين؟ أنا بجد مش ابنك؟”
بصيت في عينيه.. الولد ده ملوش ذنب في قذارة أمه وخسة منصور. أنا اللي ربيته، وأنا اللي كبرته، وأنا اللي شيلت همه. الدم مش كل حاجة، التربية والأيام والوجع المشترك هم اللي بيعملوا الأب.
— “أنت ابني يا حازم..” قولتله وصوتي اتهز لأول مرة، “ابني أنا وبس.. اللي فات مـ,ـات، والوسـ,ـخين غاروا في داهية، واحنا هنبدأ من جديد.”
حازم اترمى في حـ,ـضني وفضل يبكي زي العيل الصغير، وأنا حضـ,ـنته جامد.. بس وأنا حاضنه، عيني جت على قصرية الزرع اللي دلقت فيها العصير كذا مرة قبل كدا.
وفجأة.. لاحظت حاجة غريبة قوي خلت الدم يتجمد في عروقي.
الزرع الأخضر اللي في القصرية مكنش دبلان بس.. الزرع كان متآكل وكأن مادة كاوية نزلت عليه، وفي قاع القصرية، تحت الطين، ظهر طرف كيس بلاستيك أسود صغير مدفون ومفتوح.
قومت ببطء، وحازم باصصلي باستغراب. قربت من القصرية، وبإيد بترتعش حفرت في الطين وطلعت الكيس.
فتحت الكيس.. كان جواه زجاجة دواء تانية خالص، مش ديجوكسين.. زجاجة مكتوب عليها بخط اليد: «زرنيخ مركز – الجرعة القاضية». ومعاها ورقة صغيرة مطوية.
فتحت الورقة وقريت الكلام اللي مكتوب فيها بخط حازم! خط ابني!
«أمي.. أنا عملت اللي اتفقتوا عليه مع نادين، وحطيت الزرنيخ في كاسات العصير التانية الاحتياطي لو خطة الديجوكسين فشلت أو لو بابا شك في عصير الفراولة وقرر يشرب من كاس حد فينا.. الليلة لازم تنتهي علطول عشان نخلص.»
النفس هرب مني تماماً. لفيت وشي ببطء وبصيت لحازم اللي كان قاعد على الأرض. دموعه اللي كانت من شوية دموع ندم وانكسار.. اختفت تماماً.
ملامح وش حازم اتغيرت في ثانية، الضعف والطيبة اتمسحوا، وظهرت مكانهم ابتسامة باردة، مرعبة، مفيش فيها أي أثر للبشرية. وقف على رجليه بكل ثبات، ونفض التراب من على بنطلونه وهو بيبصلي بعيون ميتة:
— “تؤ تؤ تؤ.. مكنتش عايزك تكتشف الكيس ده يا بابا.. كان نفسي تمـ,ـوت وأنت فاكر إنني ابنك البار الطيب.”

