عـزومـة بطعـم الخيـانة ج 3 حكـايات منـي الـسـيد

**الفصل الرابع والأخير**
الطريق قدامي كان طويل، وأنوار عمدان النور في الشارع كانت بتجري على قزاز العربية وكأنها شريط سينما بيقفل تتر حياتي القديمة. سبع سنين اتمسحوا في تلات أيام، والنهاردة كانت نقطة النهاية. ركنت العربية على جنب، قدام بيت والدتي.. المكان الوحيد اللي كنت متأكدة إني هلقى فيه نفسي. نزلت، سحبت شنطتي، وطلعت. أمي أول ما شافتني ووشي ثابت من غير دموع، خدتني في حضنها ومسألتش عن حاجة.. كأنها كانت حاسة إن بنتها كانت في حرب ورجعت منها، مش مهم خسرانة إيه، المهم إنها رجعت سليمة.
نزلت الشنطة، ودخلت الأوضة القديمة بتاعتي.. الأوضة اللي سيبتها وأنا عروسة فاكرة إن الدنيا ضحكتلي. نمت.. نمت لأول مرة من تلات أيام من غير ما عقلي يفضل يلف في سواية كوابيس الخيانة والفلوس. نمت نوم عميق، نوم حد أدى أمانته كاملة، ورمى الحِمل كله ورا ضهره.
صِحيـت تاني يوم الساعة 12 الضهر على صوت تليفوني وهو مابيبطلش رن.. الشاشة كانت منورة باسم “أحمد”. سيبته يرن مرة واتنين وعشرة، لحد ما فصل لوحده. وبعدها بدأت تيجي رسايل.. رسايل منه ومن أرقام غريبة، ورسايل من عمتهم فوزية وعم حسين.
فتحت رسايل عم حسين الأول.. كان كاتبلي: “مروة يا بنتي.. أبو أحمد اتنقل لمستشفى تانية، والجلطة أثرت على النطق عنده، بس حالته استقرت شوية. والنهاردة بالليل الكبار بتوع العيلة متجمعين في بيت الحاج شاكر.. أحمد جاي، وسعاد جاية غصب عنها بعد ما رجالتنا جابوها من شقة أختها. لازم تيجي يا بنتي.. حقك وحق شقاكي هيتاخد قدام الكل، والمهزلة دي لازم تتقفل.”
بصيت للرسالة.. وفكرت ثانية. هل أنا محتاجة أروح؟ أنا خديت حقي بالبرواز اللي علقته، وبالقضايا اللي المحامي رفعها. بس رجعت وقولت لنفسي: “لا يا مروة.. اللي بدأ الحكاية ينهيها.. وعشان محدش يرجع بعد سنة ولا اتنين يقول لو كانت صَبِرت، أو لو كانت دارت على بيتها.. لازم يشوفوا الوش الأخير للست اللي استغفلوها سبع سنين.”
لبست طقم شيك جدًا.. تايور كحلي وقور، وحطيت ميك اب خفيف يداري إرهاق الأيام اللي فاتت، ونزلت.
الساعة 8 بالليل، كنت واقفة قدام باب شقة الحاج شاكر.. البيت الكبير اللي كان دايماً بيجمعنا في الأعياد والمناسبات. خبطت، وفتحلي واحد من ولاد عم أحمد.. وشه كان حزين ومكسور، بس أول ما شافني، وسّع السكة باحترام وقالي: “اتفضلي يا ست مروة.. خطوتك عزيزة.”
دخلت الصالة الكبيرة.. الجو كان تقيل، كاتم، ريحة بخور مغرقة المكان كأنهم بيطردوا شياطين. في صدر الصالة، كان الحاج شاكر قاعد على كرسي هزاز كبير، متغطي ببطانية، وشه دبلان، وعينه اليمين مفيهاش حركـة تذكر من أثر الجلطة، وإيده الشمال بترتعش.. بس أول ما عينه جت عليا، شوفت فيهم نظرة كسرة وندم تخلي الحجر ينطق.
وعلى الكنب اللي على اليمين والشمال، كان قاعد أعمام أحمد وعماته.. رجالة كبار بجلابيبهم وعماماتهم، ووجوهم مفيهاش نقطة تفاهم.
وفي النص.. على كرسيين صغيرين، كان قاعد أحمد وسعاد.. كأنهم متهمين في قفص محكمة. أحمد كان دافن راسه بين رجيله، لابس نفس قميص امبارح ومبهدل، وشكله مطلعش عليه شمس. أما سعاد.. فكانت لامة عبايتها حوالين نفسها، وشها ورم من العياط أو الخوف، والـ “إيجو” والكبرياء اللي كانوا عندها امبارح اتمسحوا تماماً.. مكنش فاضل غير ست خايفة من الفضيحة والسجن.
أول ما دخلت، عم حسين وقف وقالي: “اتفضلي يا مروة يا بنتي.. اقعدي هنا جنبي.”
قعدت بكل هدوء وثبات، حطيت شنطتي الصغيرة على رجلي، وبصيت للجميع وقولت: “مساء الخير يا جماعة.. ألف سلامة عليك يا حاج شاكر، ربنا يشفيك ويعافيك.”
الحاج شاكر طلع من بوقه صوت مخنوق، وحرك إيده الشمال الرعاشة كأنه بيطلب مني السماح. هزيت راسي ليه براحة، ونقلت عيني لأحمد وسعاد.
عم حسين خبط بعصايته على الأرض وقال بصوت جهوري: “إحنا جمعناكم النهاردة عشان العار ده يتغسل.. وعشان كل واحد ياخد جزاءه. اللي حصل امبارح في بيت أحمد ومروة، مكنش خيانة لمروة بس.. ده كان طعنة في ضهر الحاج شاكر، وفي شرف العيلة كلها. الواد ده..” شاور على أحمد بعصايته “.. مبقاش ابننا، ولا يشرفنا يحمل اسمنا بعد النهاردة. طردناه من مجموع شركات العيلة، والنهاردة الصبح قدمنا فيه وفي السنيورة دي بلاغ رسمي للنيابة بتهمة التزوير والاستيلاء على أموال الحاج شاكر كمان.. لأني لما راجعت دفاتر أخويا، لقيتهم كانوا بيمضوه على تنازلات وهو مش في وعيه!”
أحمد رفع راسه، وعينيه كانت حمرا دم، وصرخ بصوت مبحوح: “يا عمي ارحمني! أنا اتعميت.. الست دي هي اللي جرجرتني! هي اللي بدأت! أنا خسرت كل حاجة.. خسرت مراتي وشغلي في الجامعة امبارح اتقدم فيا شكوى رسمية والعميد قالي قدم استقالتك بدل ما تترفد بفضيحة! أبويا مش عايز يبص في وشي.. هتعملوا فيا إيه تاني؟”
عم حسين بصلة بقرف وقال: “اللي هتعمله فيك مروة الأول.. اتفضلي يا بنتي، قولي شروطك عشان المهزلة دي تخلص.”
وقفت.. وبصيت لأحمد.. الراجل اللي كنت في يوم من الأيام مستعدة أسيب مستقبلي وشغلي في دبي عشان أرضيه. قولت بصوت هادي، مسموع وواضح:
“أنا معنديش شروط يا عم حسين.. أنا عندي حقوق، وحقوقي مابتتجزأش. أول حاجة.. ورقة طلاقي غيابي توصلي خلال 24 ساعة.. طلاق إبراء وبكل حقوقي القانونية؛ المؤخر، ونفقة المتعة، وكل مليم اتثبت في قسيمة الجواز. تاني حاجة.. الشقة اللي امبارح اتفضحتوا فيها.. الشقة دي مكتوبة باسمي أنا، وأحمد يدوب كان شريك بالربع وفلوسه أنا اللي مدياها له.. الشقة من النهاردة معروضة للبيع، وفلوسها هترجعلي كاملة، وهو ملوش عندي ولا مليم.”
أحمد بصلي بكسرة وقال: “ماشي يا مروة.. اللي أنتِ عايزاه هيحصل.. الشقة وخديها، والطلاق وهطلقك.. بس بلاش القضايا بتاعة البنك.. السجن هيضيع مستقبلي خالص.. أبوس إيدك!”
بصيت لسعاد اللي كانت قاعدة بتسمع وبتترعش، وقولت: “أما بخصوص الـ 7 مليون جنيه.. والقضايا اللي في النيابة.. فالمحامي بتاعي مش هيتنازل عن قضية خيانة الأمانة والتزوير إلا في حالة واحدة.. إن الشاليه اللي في الساحل اللي متسجل باسم شركة طنط سعاد، يتنازلوا عنه ليا رسمي كتعويض عن الفلوس اللي اتسرقت من حسابي بقالها تلات سنين. وكمان.. المحل اللي سعاد مأجراه في المهندسين وبتدير منه شغلها.. يتنازلوا عن عقد الإيجار بتاعه لصالحة.. غير كدة.. المحامي مكمل، والورق اللي معايا يودي حبل المشنقة مش بس السجن.”
سعاد نطت من مكانها وزعقت بصوت مرعوب: “أتنازل عن الشاليه؟ والمحل؟ ده شقا عمري! ده مالي ومستقبلي! أنتِ عايزة تخرب بيتي وتأخدوا كل حاجة؟ يا حسين بيه قول حاجة! أنا ماليش ذنب.. ابن أخوك هو اللي كان بيجيلي وهو اللي كان بيلف ورايا!”
عم حسين وقف وضرب الأرض بعصايته وزعق فيها: “اخرسي يا فاجـ*ـرة! ليكي عين تتكلمي عن شقا عمرك؟ شقا عمرك من فلوس البنت دي ومن فلوس أخويا اللي نايم مش قادر ينطق بسببك؟ هتمضي ورجلك فوق رقبتك.. وإلا وحياة جلال الله، هسيبك للنيابة تتسحبي بالكلابشات من هنا على التخشيبة.. والكلابشات تليق بيكي!”
سعاد عيطت بحرقة.. عياط الـ*ـمـ*ـقـ*ـهـ*ـور اللي عرف إنه خلاص اتكشف ومبقاش معاه كروت يلعب بيها. رميت نفسها على الأرض قدام الحاج شاكر، بس الحاج شاكر ببطء شديد، لف وشه الناحية التانية.. مكنش عايز يشوف وشها، ولا وش ابنه.
المحامي بتاعي دخل الصالة في اللحظة دي.. كان جاهز، ومعاه عقود التنازل الرسمية، وإقرارات بالتصالح مشروطة بنقل الملكية. قعد على السفرة الكبيرة، وفتح الشنطة بتاعته، وطلع الأوراق.
“اتفضل يا دكتور أحمد.. امضي هنا.” المحامي قالها بجمود.
أحمد مشى بخطوات تقيلة، كأنه رايح لعشماوي.. مسك القلم، وإيده بترتعش، وبصلي بآخر أمل في عينيه.. أمل إني أقوله (خلاص)، بس أنا بصيت الناحية التانية. مضى على التنازل عن الشقة، وعلى إقرار الطلاق، وعلى نقل ملكية أي حصة تخصه.
وبعده.. جيه دور سعاد. مشيت وهي بتجر رجليها، وبتبص للعقود كأنها بتمضي على وثيقة إعدامها. مضت على التنازل عن شاليه الساحل، وعن عقد محل المهندسين.. مضت وهي بتبكي بصوت مسموع، وبتقول كلام مش مفهوم عن الندم والفلوس.
أول ما الأوراق اتوقعت وبقت في إيد المحامي بتاعي، أخدت الشنطة، ووقفت. بصيت لعيلة أحمد.. للناس اللي كنت فاكرة إنهم أهلي.
“عم حسين.. عمتي فوزية.. شكرًا ليكم. أنتم ولاد أصول، وحقكم عليا لو كنت عملت الفضيحة دي في بيتكم، بس الخـ*ـيانة كانت أكبر من إني أداري عليها. الحاج شاكر.. ربنا يشفيك، وأنا مسامحاك في أي حاجة تخصك أنت بالذات.. لأنك عشت راجل وتموت راجل.”
الحاج شاكر هز راسه، ونزلت دمعة واحدة من عينه الشغالة.. دمعة ندم مكنتش محتاجاها، بس كانت دليل إن الحقيقة ظهرت.
لفيت ضهري ومشيت.. مابصيتش لأحمد ولا لسعاد.. مكنوش يستاهلوا حتى نظرة وداع. ورايا سمعت صوت عم حسين وهو بيقول لرجالة العيلة: “يلا يا رجالة.. خدوا الحاجات بتاعتهم دي وارموها برا البيت.. البيت ده ملوش مكان لخـ*ـاين ولا لـ*ـحـ*ـرامية.”
خرجت من باب الشقة.. السلم كان هادي، والشارع كان منور. ركبت عربيتي.. وبصيت في المراية.. شوفت مروة الجديدة.. مروة اللي مبقتش “الزوجة المثالية” اللي بتدفع وتضحي على حساب نفسها.. مروة اللي اتعلمت إن العيلة اللي بجد هي اللي بتصونك، مش اللي بتستغلك.
فتحت تليفوني.. ولقيت رسالة من المحامي بتاعي: “كل شيء تم يا فندم.. العقود بقت قانونية، وورقة طلاقك هتوصلك بكرة الصبح.. مبروك بداية حياتك الجديدة.”
مسحت الرسايل كلها.. وعملت بلوك لأحمد ولسعاد ولكل حاجة تربطني بالماضي ده. دورت العربية، وطلعت على الطريق السريع.. الهوا كان بيخبط في وشي، ولأول مرة من سنين.. حسيت بابتسامة حقيقية بتترسم على وشي.
الرحلة القديمة انتهت.. والفرصة اللي سبتها زمان في دبي؟ كلمت صاحبة الشركة النهاردة الصبح، وقالتلي: (مكانك لسه مستنيكي يا مروة).. وبكرة.. هكون في المطار.. رايحة للمستقبل اللي يستاهلني.. رايحة أبدأ من جديد، ومن غير ما أبص ورايا أبدًا.
**تمت الفصول.**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *