حب إمتلاك ج1.. حكايات منــال عـلـي

الجزء الاول
— “إنتي مديووونة ليّا بعمرك كله، فاسمعي الكلام كويس… هتنزلي البيبي ده، عشان أنا هحتاجك جنبي.”
قالتها إلهام ببروود غريب، بس مي كانت متوقعة إنها تسمع حاجة بالشكل ده من أختها الكبيرة.
كانت مي قاعدة على طرف البانيو، ماسكة اختبار الحمل وبتبص فيه.. خطيييين.. واضحين وصريحين ومفيش أي شك فيهم.
حضنت الاختبار لـ صدرهاااا وطلعت نفس طووويل، كأنها أول مرة تعرف تتنفس من سنين.
دخل أحمد الحمام من غير ما يخبط.. أول ما شاف وشها وقف مكانه.
— مي؟ مالك؟ في إيه؟!
قعد على ركبه قدامها وهو بيدور في عينيها على إجابة.
مدت إيدها المرتعشة ناحيته.
— بص…
أخد الاختبار وقلبه بين صوابعه، وفجأة وشه نوَّر بابتسامة فرّحت وشوش الدنيا كلهاااا.
— بجد؟! يا مي… حصل! أخيرًاااا!
تلات سنين كاملة كعب داير بين دكاترة وتحاليل وحقن وانتظار وأمل بيطلع وينزل… وأخيرًا ربنا جبر بخاطرهم.
— خايفة أصدق… يمكن يكون في غلط.
— بكرة نروح للدكتورة ونتأكد بالسونار.. بس لا، مفيش غلط.. إحنا استنينا اللحظة دي كتير أوووي.
قالها وهو حاطط إيده على بطنها بكل حنان الدنيا.
قعدوا على الأرض أكتر من نص ساعة.. أحمد فتح الموبايل وبدأ يدور على أحسن دكاترة نسا وتوليد في القاهرة، ويقارن بين سراير الأطفال والعربيات، ويقرا مراجعات عن الحفاضات.
ومي كانت تضحك وتخطف الموبايل من إيده.
— استنى بس يا أحمد… خلينا نفرح باللحظة الأول.
ولأول مرة من شهور طويلة، ضحكت من قلبهاااا.
تاني يوم الصبح كلمت أختها الكبيرة، أبله إلهام، اللي هي في مقام أمها.
كانت فرحانة زي طفلة راجعة بشهادة نجاح.
بعد كذا رنة، ردت إلهام.. صوتها كان هادي وناااشف زيادة عن اللزوم.
— أبله إلهام! عندي خبر حلو أوووي!
قالتها مي وهي السعادة مش سيعاها.
— أنا حامل… أنا وأحمد أخيرًا ربنا كرمنا.
سكتت…
مفيش زغروطة.. مفيش فرحة.. مفيش حتى كلمة مبروك تشفي الغليل!
بس نفس طووويل وساخن من الناحية التانية.
— أبله؟ سامعاني؟
— سامعاكي.
ردت بصوت زي التلج.
— تعاليلي النهارده.. محتاجة أكلمك.. لوحدك.
قشعريرة باردة مشيت في جسم مي.. لكنها حاولت تقنع نفسها إن أختها أكيد تعبانة، أو شايلة هم السنين فوق كتافها ومضغوطة.
وصلت عندها على الضهر.
أبله إلهام فتحت الباب من غير حضن ولا حتى ابتسامة تفتح النفس.. وشاورتلها تدخل ناحية المطبخ.
أول حاجة لفتت نظر مي إن السفرة كانت فاااضية تماماً.
لا كبايات شاي.. لا ريحة نعناع.. ولا أي حاجة من العادات والترحيب اللي عمرها ما اتغيرت في البيت ده.
— أبله إلهام… في إيه؟ جوزك عماد فين؟ البيت هادي كده ليه؟
سألتها وهي قاعدة قدامها وقلقانة.
— أنا جاية أقولك خبر يفرح، وإنتي وشك مش مفسر خالص.
تنهدت إلهام وقعدت في الوش.
— هفرحلك… بس اسمعيني الأول.
سكتت لحظة، وبلعت ريقها..
— أنا كمان حامل.
مي رمشت كذا مرة وفتحت بقها بذهول:
— إيه؟! حامل إزاي؟! يا أبله إنتي داخلة على الـ 48 سنة! بسس
— متقلقيش يا حبيبتي… هنعدي الموضوع ده سوا.. أنا وأحمد مش هنسيبك وهنقف جنبك في أي حاجة تحتاجيها ومع جوزك كمان لو حصلت مشكلة.
لكن إلهام هزت راسها بالرفض.. ولأول مرة، مي شافت في عينيها حاجة غريبة.. مش خوف من كلام الناس أو سنها.. ولا حزن.. لكن لؤم وحسااابات!
— أنا مش عايزة مساعدة في بيتي ولا مع جوزي.
قالتها ببطء وبتأكيد على كل كلمة:
— أنا عايزاكي إنتي… كلك… من غير ما يكون في حياتك حاجة تشغلك عني.
رجعت مي البيت وتفكيرها هيموتها.
“كلك؟” يعني إيه؟!
وإيه اللي ممكن يشغلها عن أختها الكبيرة غير طفلها اللي استنيته سنين؟!
لكنها أقنعت نفسها إن إلهام بس خايفة من الحمل ومخضوضة من رد فعل جوزها وولادها.
بالليل رجع أحمد من الشغل.. أول ما دخل حضنها بلهفة.
— حكيتيلها؟ وفرحت؟
— آه… شوفتها.
تنهدت مي بقلة حيلة.
— والغريب يا أحمد… إنها هي كمان حامل!
— ده اللي أنا قولتهولها.
ردت مي وعينيها مليانة دموع محبوسة.
— لكنها قالت إنها عايزاني ليها لوحدها… مش عايزاني أكون متقسمة بينها وبين ابني!
أحمد بص لها باستغراب وضيق:
— تلاقيها بس الهرمونات مأثرة عليها وموتراها من الموقف كله.
كل حاجة كانت ممكن تقف عند حد الهرمونات والخوف.. لولا المكالمة اللي جت تاني يوم.
— تعاليلي بكرة.
قالتها إلهام بصوت أمر مفيش فيه نقاش.
— وماتجيبيش أحمد معاكي.
— يا أبله… ده جوزي ومخبيش عنه حاجة.
— عارفة.
سكتت لحظة وكملت بضغط وقسوة:
— بس إنتي مديووونة ليّا بعمرك كله.. ومرة واحدة في حياتك اعملي اللي بطلبه منك من غير كتر كلام.
كلمة “مديونة” دي دبحت مي من جوا.. لأنها فاكرة كل حاجة..
فاكرة الليالي اللي أختها ماكنتش بتنام فيها عشان تسهر على عياها بعد ما أمهم ماتت وسابتها لحم حمرا.. وجوزها عماد نفسه استحمل وجودها معاهم في أول جوازهم عشان خاطر تربيتها!
وفاكرة الذهب اللي إلهام باعتها عشان تدفع لها مصاريف الكلية..
وفاكرة شبابها وصحتها اللي راحت في شيل همها.
آه… كانت حاسة فعلًا إنها مديونة ليها بحياتها كلها.
لكن وهي واقفة قدام الشباك، وحاطة إيدها على بطنها بحنان الأمومة اللي بدأ يصحى، همست:
— متخافش يا حبيبي… أنا مش هفرط فيك.
تاني يوم راحت لها، وكانت السفرة مترتبة وعلى الفرااازة.. شاي تقيل مظبوط، وبسكوت، وكل حاجة متجهزة كأنها عزومة رسمية.. وده زود قلق ومغص في بطن مي أكتر.
— كلي الأول.
قالت إلهام وهي بتزق الطبق ناحيتها ببرود.
— وشك أصفر ومخطوف.
— أبله إلهام… قولي اللي عندك من الآخر عشان أنا على أعصاابي.
اعتدلت إلهام في قعدتها وبصت في عينيها مباشرة:
— أنا قررت أكمل حملي ده.. ومش هقول لعماد ولا لولادي دلوقتي خالص.
— وده حقك.. بس إزاي هتخبي؟
— دي تسيبيها عليا.. بس أنا داخلة على الخمسين.. وصحتي مش هتشيل طفل لوحدي.
سكتت لحظة وعينيها قسيت أكتر:
— ومحتاجاكي جنبي بكل وقتك وصحتك.. تخدميني وتراعي البيبي معايا.
ابتسمت مي بتحايل:
— وأنا جنبك والله ومش هسيبك.. أنا وأحمد اتكلمنا وهنشيلك في عنينا وهنعمل أي حاجة تحتاجيها.
لكن إلهام قاطعتها بعنف وزعاق خضها، ولمعت عينيها بشكل مرعب ومخيف:
— لااااااا!
— لا إيه يا أبله؟!
— أنا عايزاكي ليا أنا وبس… تفرغيلي تماااماً… من غير ما تتقسمي بيني وبين ابنك… يعني الطفل اللي في بطنك ده مش هيطلع للنور!
يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *