لمحت النسر النحاسي اللامع في القرنيه

لمحت النسر النحاسي اللامع في الكارنيه، والاسم المكتوب بخط الرقعة العريض: “المستشارة هدى عبد الرحمن.. رئيسة نيابة الأموال العامة والتعاون الدولي”. حطيت الكارنيه في جيب العباية، ومعاه تليفوني الصغير القديم اللي فيه أرقام رجالة مبينااموش، رجالة اتعلموا على إيدي في النيابة والمحاكم وبقوا النهاردة قيادات ورؤساء مباحث بيقيدوا الأرض نار تحت رجلين أي مجرم.

الإسعاف وصلت الموقف، وصوت السارينة كان بيشق سكون الفجر في عبود. المسعفين شالوا هند وهي غايبة عن الدنيا، متبهدلة، والدم مغير ملامح وشها الرقيق. ركبت معاهم في العربية، وجسمي كله كان بيترعش، مش من البرد، من الغل. الغل اللي بيتحول في عروق القاضي لعدالة عمية مبترحمش. طول السكة وأنا ماسكة إيدها الباردة، كنت ببص من الشباك على شوارع القاهرة الفاضية، وبفتكر شريف وهو بيتمسكن يوم ما جه يطلب إيدها، لما كان بيوطي راسه ويبوس إيد أمه الحاجة فايزة عشان يورينا إنه بار وأصيل، وهو في الحقيقة كان بيمهد الطريق عشان ينهش لحم بنتي.

دخلنا المستشفى الحكومي القريب. دكاترة الطوارئ اتلموا حوالين هند. الحالة كانت صعبة: اشتباه في ارتجاج في المخ، كسر في الضلع الثالث والرابع، وسحجات وكدمات متفرقة في بطنها وضهرها نتيجة الضـ,ـرب بآلة حادة وطويلة.. زي ما قالتلي، حديدة الستارة. الدكتور كتب التقرير الطبي المبدئي، وبصلي بحزن وقال: “يا حجة، بنتك أكلت علقة مـ,ـوت، دي محتاجة جراحة عاجلة عشان نوقف النزيف الداخلي، وأنا لازم أبلغ نقطة الشرطة اللي في المستشفى.”

بصيتله بثبات هز المكان، وطلعت الكارنيه الذهبي من جيب العباية وحطيته قدام عينه. الدكتور بربش، وشه جاب ألوان، ووقف انتباه تلقائيًا: “يا فندم.. أنا أسف، مكنتش أعرف..”

قاطعته بصوت حاد وزي الموس: “التقرير يتكتب بما يرضي الله وبمنتهى الدقة. جـ,ـناية شروع في قـ,ـتل وعـ,ـاهة مستديمة محتملة. وتجهيز العمليات فوراً. بنتي لو جرى لها حاجة، المستشفى دي كلها هتتحاسب.”

الدكتور جري ينفذ الأوامر، وفي أقل من دقيقتين كان تليفوني بيرن. ده كان اللواء أحمد، مساعد وزير الداخلية وحبيبي وتلميذي القديم اللي ياما سهرنا سوا على قضايا تهريب وغسيل أموال.

“يا فندم! صباح الخير، جالي إخطار حالا من اللاسلكي إن سيادتك في المستشفى وبتطلبي قوة.. خير يا سيادة المستشارة؟”

رديت عليه والبرود اللي في صوتي يرعب: “أهلاً يا أحمد. بنتي هند بتمـ,ـوت في العمليات. جوزها وأمه ضـ,ـربوها وشوهوها ورموها في الموقف عشان يفضو البيت لعروسته الجديدة في ليلة العيد. شريف عبد العزيز، شغال في شركة استثمار في الزمالك، وساكن في فيلا بالتجمع الخامس.”

سمعت صوت أحمد وهو بيتحول على الناحية التانية من الخط، صوت كرسي بيتحرك بعنف وصوت زعيق لعساكره: “شروع في قتـ,ـل؟ لبنت سيادتك؟ ده يوم أمهم مش هيعدي! أنا نازل بنفسي حالا على التجمع، وقوة القسم هتحاصر الفيلا قبل ما يرموا السلام على بعض.”

قلتله: “أنا مش عايزة قفل محضر عادي يا أحمد. أنا عايزة كبس كامل، تلبس جنائي، الأدوات المستخدمة في الجري,,مة لسة في الفيلا، السجادة العجمي مغرقاها دم هند، هما قفلوا الفيلا وبيستعدوا لعزومة بليل والعروسة الجديدة هناك. أنا عايزة ضبط وإحضار من النيابة فوراً، وهكلم المحامي العام حالا.”

سيبت هند في أوضة العمليات تحت حراسة اتنين عساكر بعتهم مأمور القسم فوراً، وركبت عربيتي وتوجهت على التجمع الخامس. الشمس بدأت تطلع، بس الجو كان مغيم ورمادي، كأنه بيعلن عن العاصفة اللي هتحل على عيلة عبد العزيز.

وصلت قدام الفيلا الساعة تمانية الصبح. كانت فيلا ضخمة، سورها عالي ومزروعة ورد وياسمين، والعربيات الفارهة واقفة برا. الشارع الهادي والراقي في التجمع كان مقلوب. تلات عربيات بوكس ميكروباص وعربيتين شرطة سودا سادين المدخل، والرجالة بتوع المباحث منتشرين بأسلحتهم. اللواء أحمد كان واقف لابس مدني، وجنبه رئيس مباحث التجمع، الرائد كريم، اللي كان ماسك في إيده إذن النيابة المكتوب بالحبر الفسفوري: ضبط وإحضار وتفتيش لوجود حالة تلبس وجر..يمة شروع في قـ,ـتل.

لما نزلت من العربية، أحمد قرب عليا ووطى راسه باحترام: “كل حاجة جاهزة يا فندم. المحامي العام أدا رخصة التفتيش والكسر فوراً بناءً على تقرير المستشفى وبناءً على تاريخ سيادتك. الفيلا محاصرة من ورا وقدام.”

هزيت راسي، وخطيت بخطوات تزلزل الأرض لحد ما وقفت قدام الباب الخشبي الضخم والمنقوش بالنحاس.

“اكسر الباب يا كريم،” قلتها بهدوء مرعب.

اتنين عساكر ضخام نزلوا بالعتلة الحديد على الكالون. خبطتين تلاتة، والباب اخلع من مكانه ووقع لجوة بصوت زلزل الفيلا كلها.

جوة، كان المكان عبارة عن لوحة من الفخامة المستفزة. ريحة بخور غالي، وسفرة طويلة عريضة مفرشها حرير أحمر، ومترصص عليها أطباق الكريستال والشوك والسكاكين الفضة، وفي النص صواني الأكل اللي بتتسخن وريحة الديك الرومي واللحمة مغرقة المكان.

على السفرة، كان قاعد شريف، لابس قميص حرير أسود وساعة دهب، وجنبه أمه الحاجة فايزة، ولابسة عباية استقبال مطرزة بالماس والدهب وبتضحك. وعلى الناحية التانية كانت قاعدة بنت صغيرة في السن، حاطة ميك أب كامل وفسان سواريه سواريه مكشوف، باين عليها العروسة الجديدة اللي جاية تقعد مكان بنتي.

الكل اتنفض من على السفرة. شريف وشه بقى أصفر زي الليمونة لما شاف الظباط والسـ,ـلاح، وأمه صرخت: “إيه ده! أنتوا مين؟ وازاي تدخلوا هنا كده؟ شريف! كلم وزير الداخلية! كلم صحابك!”

شريف حاول يتماسك، وبص للرائد كريم وقال بزعيق: “أنت مش عارف أنا مين ولا إيه؟ أنا شريف عبد العزيز! أنا هوديكم ورا الشمس! إزاي تقتحموا بيتي بالطريقة دي ومن غير إذن؟”

الرائد كريم خطى خطوة لقدام، ورمى ورق النيابة على السفرة وسط أطباق الأكل وقال بصوت جهوري: “معانا إذن من النيابة العامة بضبطك وإحضارك أنت ووالدتك فايزة صبري، بتهمة الشروع في قـ,ـتل المجني عليها هند محمد عبد الرحمن، وتفتيش المكان لضبط أدوات الجر..يمة.”

شريف بلم، وبص ورا الظباط، وفجأة عينه جت في عيني.

أنا كنت واقفة وراهم، رابطة طرحتي بقوة، ملامح وشي خالية من أي تعبير غضب، بس عيني كانت بتطلع شرار.

شريف ضحك بسخرية وهو بيترعش: “هدى؟ أنتي اللي جايبة البوليس ده كله هنا؟ أنتي اتجننتي يا ست أنتي؟ بنتك هي اللي رمت نفسها من العربية امبارح وكانت بتتدلع، وأنا اللي رحمتها ووديتها الموقف عشان تتربى! اطلعي برا بيتي أحسنلك بدل ما أخليكي تحصليها!”

الحاجة فايزة وقفت وهزت وسطها وقالت: “آه والله يا فندم! البت دي فاجرة ومجنونة، وكسرت فازات البيت وضـ,ـربت ابني، وإحنا طردناها عشان قلة أدبها. وجايبلنا أمها بتاعة المحشي دي تتبلى علينا؟ مش كفاية إننا اتنازلنا ونسبنا عيلة فقرية زيكم؟”

خطيت خطوات بطيئة، والظباط كلهم وسعوا لي الطريق وسكتوا تماماً. وقفت قدام شريف مباشرة، السفرة كانت بتفصل بيني وبينه.

“عيلة فقرية؟” صوتی طلع واطي بس كان له صدى هسس في الصالة كلها. “أنا فعلاً غلطت لما سبتكم تفتكروا إني ست غلبانة بتعمل محشي ومعاشها على قدها. أنا كنت حابة بنتي تعيش في هدوء من غير ما حد يخاف من سلطة أمها.. بس الظاهر إن الكلاب مابتفهمش غير لغة السوط.”

شريف زعق: “سوط إيه وزفت إيه! أنتي حتة ست عجوزة محالة على المعاش، أنا بكلمة واحدة هطير الظباط اللي واقفين دول وهحبسك أنتي وبنتك بتهمة البلاغ الكاذب والتعدي على حرمة ملكية خاصة!”

اللواء أحمد ضحك ضحكة عالية رنت في المكان، وبص لشريف بقرف وقال: “تطير مين يا روح أمك؟ أنت عارف أنت بتتكلم مع مين؟ دي سيادة المستشارة هدى عبد الرحمن، رئيسة جنايات الأموال العامة السابقة، والست اللي نص قضاة ومستشارين مصر تلاميذها، والست اللي خلت حيتان ووزراء يعيطوا ورا القضبان. كلمة واحدة منها، والشركة اللي أنت شغال فيها دي كلها بكرة الصبح تتقفل ويتعمل عليها تفتيش مالي يوديك ويودي صاحبها في ستين داهية.”

الصدمة كانت كفيلة إنها تقعد شريف على الكرسي تاني غصب عنه. وشه اتقلب أزرق، وبص لأمه اللي فجأة برقت وعينيها زاغت، والعروسة الجديدة لمت شنطتها وكانت هربانة من الباب الوراني بس العساكر قفشوا طريقها.

“كريم،” ناديت على رئيس المباحث.
“نعم يا فندم.”

“فتش الأوضة اللي فوق. هند قالتلي إنهم ضـ,ـربوها بحديدة ستارة. والسجادة العجمي اللي أمه كانت خايفة عليها، هتلاقيها مغسولة بس بقع الدم لسة ثابتة فيها. المعمل الجنائي ينزل حالا يرفع البصمات والدم.”

الرائد كريم طلع مع تلات عساكر، وفي أقل من خمس دقايق نزل ومعاه حديدة الستارة النحاسية الطويلة، وعليها بقع دم ناشفة مسودة، وكان في إيده كيس بلاستيك فيه قماش مقطوع من فستان هند وفيه خصلات من شعرها المنتوف.

“لقينا دول متداريين في بلكونة أوضة النوم يا فندم، والسجادة فعلاً مغسولة في الحمام بس أثار الدم واضحة تحت كشاف الأشعة المبدئي،” كريم قالها وهو بيبص لشريف بقرف.

الحاجة فايزة بدأت تصوت وتلطم على وشها: “يا مري! يا خراب بيتي! يا ناس ظلم! إحنا معملناش حاجة، دي البت هي اللي كانت بتضـ,ـرب نفسها عشان شريف يتجوز عليها! يا شريف اتصرف! كلم المستشار صاحباك!”

شريف كان شاش تماماً، نفوذه وفلوسه ومنصبه وطبقتهم اللي كانوا بيتعالوا بيها عليا وعلى بنتي، كل ده داب زي الفص الملح في المية قدام هيبة القانون الحقيقية. بصلي وهو بيلهث: “يا سيادة المستشارة.. يا حماتي.. أنا أسف، الشيطان شاطر، والبيت بيتك، وإحنا مستعدين نصلح كل حاجة، شوفي التعويض اللي أنتِ عايزاه.. مليون.. اتنين.. تلاتة.. بس بلاش فـ,ـضايح وقضايا، أنا مستقبلي هيضيع!”

قربت منه لحد ما بقيت بصه في عينه من مسافة شبر، وقلتله بنبرة هادية بس تقطع النفس: “مستقبلك؟ مستقبلك ضاع من اللحظة اللي فكرت فيها تمد إيدك على بنتي. الفلوس اللي بتتباهى بيها دي، أنا ياما دوست عليها برجلي في قضايا الرشـ,ـوة والفسـ,ـاد. بنتي هند مش للبيع، ودمها اللي سال على أرض الفيلا دي، هتدفع تمنه من عمرك وصحتك وكرامتك اللي هتتداس تحت جزم المساجين في ليمان طرة.”

التفت للواء أحمد وقلتله: “كلبش يا أحمد. هو وأمه الحيزبون دي. ويتحطوا في بوكس واحد، ويتعرضوا على النيابة المسائية بتهمة الشروع في قتـ,ـل مع سبق الإصرار والترصد، وتعديل القيد والوصف بناءً على التقرير الطبي النهائي اللي هيطلع من المستشفى.”

العساكر هجموا عليهم. الكلبشات الحديدية لمعت وصوت “تكة” القفل كان زي حكم الإعـ,ـدام في ودن شريف وأمه. شريف بدأ يعيط بهستيرية وهو بيتسحل على الأرض: “ماما! اعملي حاجة يا ماما! هضيع يا ماما!” وأمه بتصرخ وبتدعي وتلطم، والعروسة الجديدة واقفة مرعوبة وبتترجى الظباط يسيبوها تمشي لأن مالهاش ذنب.

خرجت من الفيلا والشمس كانت بقت في كبد السما، الجو بدأ يدفى شوية. ركبت عربيتي ورجعت المستشفى جري.

هند كانت طلعت من العمليات واتنقلت أوضة العناية المركزة. وشها كان لسة متغطي بالشاش، والخرطوم بتاع المحلول متعلق في إيدها. قعدت على الكرسي اللي جنب سريرها، مسكت إيدها المربوطة، ودموعي اللي حبستها طول اليوم نزلت أخيراً. دموع أم كانت خايفة تفقد حتة من قلبها.

بعد ساعتين، هند بدأت تفتح عينيها ببطء. بصت حواليها، وشافتني.

“ماما..” صوتها كان طالع بالعافية ومخنوق. “أنا فين؟ شريف.. شريف هييجي ياخدني؟”

بست إيدها وقلت لها بنبرة حنونة ودافية: “شريف مش هييجي تاني يا قلب أمك. شريف وأمه في الحجز دلوقتي، والنيابة أمرت بحبسهم أربعة أيام على ذمة التحقيق، وهي تجددت لخمسة عشر يوماً. الفيلا بتاعتهم اتشمعت بالشمع الأحمر، والبلد كلها عرفت هما عملوا إيه.”

هند دمعت، بس كانت دموع راحة، وقالت: “أنا كنت خايفة عليكي يا ماما.. كنت فاكراهم أقوى مننا عشان معاهم فلوس ونفوذ.”

بتسمت لها وطلعت الكارنيه والنصر النحاسي وحطيتهم في إيدها الصغيره: “مفيش حد أقوى من الحق يا هند. وأمك ياما كسرت مناخير ناس أكبر منهم بكتير. ارتاحي أنتي دلوقتي، وحقك جاي تالت ومتلت.”

مرت الأيام، وهند بدأت تتعافى، وجروح وشها بدأت تلم، ورجعت ضحكتها الجميلة تنور بيتنا الصغير في مصر الجديدة تاني. القض,,ية مشيت بسرعة الصاروخ، وبفضل علاقاتي وتقارير الطب الشرعي الدقيقة، الق..ضية اتحولت لمحكمة الجنايات بدائرة مستعجلة.

يوم الجلسة، كنت واقفة في قاعة المحكمة، لابس تايور أسود فورمال ووقفت في صفوف الحاضرين عن المجني عليها. شريف وأمه كانوا واقفين ورا قفص الاتهام الحديدي، شكلهم كان يصعب على الكافر: لبس السجن الأبيض، وشهم باهت، وشعرهم منكوش، ونظرة الكبرياء والغرور اتمحت تماماً وحل مكانها الرعب من المجهول. المحامي بتاعهم حاول يتكلم ويقول إنها خناقة عائلية، بس النيابة قدمت الأدوات، البصمات، وتقرير المستشفى، وشهادة الشهود من الموقف اللي شافوا هند وهي مرمية زي الج..ثة.

القاضي رفع الجلسة للمداولة، وبعد ساعة كاملة من الانتظار المرير، دخل المنصة، خبط بالشاكوش وقال بصوت جهوري هز القاعة: “حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء، بمعاقبة المتهم الأول شريف عبد العزيز بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات، وبمعاقبة المتهمة الثانية فايزة صبري بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات، وإلزامهم بالمصاريف الجنائية وإحالة الدعوى المدنية للمحكمة المختصة.”

صوت الزغاريد ملأ القاعة من قرايبنا وأصحابي اللي جولنا، وشريف انهار تماماً وقعد في الأرض يعيط ويخبط راسه في حديد القفص، وأمه أغمى عليها والعساكر بيشيلوها.

بصيت عليهم للمرة الأخيرة وقلت في سري: “دي نهاية اللي يفتكر إن الفلوس ممكن تشتري بني آدمين، أو إن السلطة بتحمي المجرم.”

خرجنا من المحكمة، وأنا سانده هند اللي كانت بتتنفس حرية لأول مرة من سنين. ركبنا العربية ورجعنا بيتنا. هند دخلت الأوضة ترتاح، وأنا دخلت المطبخ عشان أكمل تجهيز الأكل اللي اتقطع يوم وقفة العيد.

كنت واقفة بقلب الشوربة والهدوء رجع للبيت تاني، وفجأة تليفوني رن.

بصيت على الشاشة، مكنش رقم غريب ولا رقم اللواء أحمد.

كان رقم دولي، من دولة عربية.. رقم “طارق”، أخو شريف الكبير اللي عايش برا مصر وهربان من قضايا شيكات قديمة، واللي الكل كان بيقول إنه هو “العقل المدبر” و”الحوت الكبير” لثروة العيلة دي كلها واللي شريف كان شغال تحت إيده في غسيل الأموال.

فتحت الخط ومطقتش بكلمة.

جالي صوته فحيح زي التعبان، هادي وواثق وفي منتهى الخطورة:

“مبروك عليكي الجولة الأولى يا سيادة المستشارة هدى.. حبستي أخويا وأمي وافتكرتي إنك كسبتي. بس أنتي متعرفيش أنا مين، ولا تعرفي الفلوس اللي طيرتي مستنداتها دي بتاعة مين في البلد دي. أنا حجزت طيارة ونازل مصر الصبح.. ومش هسافر تاني غير لما أخد بدموع أمي وحرقة قلب أخويا.. والمرة دي مش هند اللي هتترمي في الموقف.. المرة دي اللعب هيبقى معاكي أنتي شخصياً.. جهزي نفسك.”

وقفل السكة.

الخط قطع، وصوت “توت توت” المتقطع كان مالي المطبخ. بصيت على الشوربة اللي بتغلي، وعيني نزلت على درج المكتب اللي فيه الكارنيه والنصر النحاس.

ابتسمت ابتسامة باردة، وقفلت بوتاجازي، وفتحت درج المكتبي تاني، بس المرة دي ممديتش إيدي على الكارنيه.. مديت إيدي على الملف الأسود السرّي المخفي تحت أرضية الدرج.. الملف اللي فيه حسابات طارق وكل مليم هربه برا مصر من عشر سنين.. الملف اللي كنت مستنياه يرجع عشان أقفله بضلفة الباب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *