فضلت قاعدة في الأوضة

فضلت قاعدة في الأوضة، ضامة مريم لحضني وهي نايمة وجسمها لسه بيفز كل كام دقيقة من الخضة. مناخيرها بطلت تجيب دم، بس العلامة الزرقا اللي بدأت تظهر على وشها الصغير كانت بتنهش في قلبي. الصوت برا في الصالة هدي فجأة، مفيش غير زنة سيف الواطية وصوت كركبة خفيفة. حماتي مبقتش بتصوت، ودي حاجة مقلقاني مش مريحاني؛ الست دي لما بتسكت، بتبقى بتدبر لمصيبة.

​بصيت في الساعة، كانت خمسة العصر. رامي جوزي تليفونه مقفول من الصبح عشان “الاجتماعات المغلقة” في إسكندرية، بس أنا عارفة إن فادية هتكون بعتتله مية رسالة صوتية بتعيط وتندب فيها وتتهمني إني ضربتها من غير سبب. الغريب إن البيت فضل هادي لساعتين كاملين، لحد ما سمعت صوت مفتاح بيدور في الباب البراني. قلبى دق بسرعة. مش معقول رامي يكون رجع بالسرعة دي، الطريق من إسكندرية بياخد وقت، وهو قايل إنه مش جاي غير بكره الصبح.

​قمت بالراحة من جنب مريم، فتحت باب الأوضة وطلعت. الصالة كانت ضلمة شوية، بس النور اللي جاي من الممر كان كاشف اللي واقف على الباب. مكنش رامي. ده كان Ernesto.. قصدي مدحت، سلفي، أبو سيف. داخل وعينه بتقد شرار، ووراه حماتي فادية ساندة عليه وماسكة حتة قماشة ومقعداها على وشها كأنها بتموت.

​”بقى إنتِ تمدي إيدك على أمي يا مريم؟ في بيتنا وتحت سقفنا؟” مدحت صوته كان عالي وبيجعر في الصالة، وسيف أول ما شاف أبوه جري عليه واستخبى وراه وهو بيشاور عليا ويقول: “دي ضربت تيتة وخدت مني السوسيس!”

​وقفت في مكاني بكل ثبات، وربعت إيدي وقلتله بصوت واطي ومسموع: “بيتك وسقفك فين يا مدحت؟ أنت نسيت إن الشقة دي شقتي وأنا اللي شارياها بفلوس أبويا الله يرحمه وقبل ما أتجوز أخوك؟ وأمك قاعدة هنا بتاكل وتشرب بفلوسي، وابنك اللي واقف وراك ده أنا اللي دافعة مصاريف مدرسته اللغات اللي أنت مش ملاحق على ربعها.. فإلزم حدودك وأنت بتتكلم معايا.”

​مدحت وشه جاب ألوان، الكلمتين جم في مق..تل لأنهم الحقيقة اللي الكل بيحاول يتناساها. حماتي لما لقت ابنها سكت، بدأت تولول بصوت عالي: “شايف يا مدحت؟ شايف البجاحة؟ بتعايرنا بلقمتنا! دي ضربتني قلمين على وشي يا ابن بطني، هانتني وهانت شيبتي عشان خاطر بت طفسة مش محصلة لقمة! اطلب لها البوليس يا مدحت، ارميها في السجن، دي ولية مجنونة!”

​”البوليس؟” أنا اللي ضحكت المرة دي، ضحكة عالية خلتهم يتبرجلوا. “اطلب البوليس يا مدحت، ياريت تطلبه حالا. عشان لما ييجوا هيلاقوا طفلة عندها سنتين وشها متدمر ومناخيرها مكسورة من ضربة أمك، وأنا مكلّمة دكتور صاحبتي في المستشفى العام وجاية في الطريق تعمل تقرير طبي بإصابة البنت.. والتقرير ده يا فادية هوديكي بيه ورا الشمس بتهمة تعذيب طفلة والشروع في قت,,لها، وخلي بقى محامين مصر كلهم يخرجوكي منها.”

​مدحت بص لأمه وهو متدمر، هو عارف إني مبهزرش وإني لو صممت على حاجة هعملها. حماتي وشها اتقلب أصفر، وبدأت تنزل القماشة من على وشها وتقول بلجلجة: “تقرير إيه وتهمة إيه؟ أنا كنت بربيها! البت دي طالعة عينها قوية وبكرة توديكم في داهية!”

​في اللحظة دي، الباب اتفتح تاني بس المرة دي بقوة. رامي دخل، وعلامات السفر والبهدلة باينة على وشه، وواضح إنه جرى بالطريق جرى أول ما لقى الرسايل. أول ما دخل، أمّه جريت عليه ورمت نفسها في حضنه وهي بتعيط بدموع تماسيح: “الحقني يا رامي! مراتك ضربتني وهانتني وطردتني من البيت، ورمت كارت التأمين بتاعي في الشارع وبتقولي موتي بالمرارة!”

​رامي بصلي وعينه حمرا من الغضب، بس قبل ما ينطق كلمة واحدة، أنا مشيت لغاية الأوضة، فتحت الباب وشلت مريم وهي نايمة وجسمها لسه بيترعش، وخرجت بيها في الصالة تحت الإضاءة القوية.

​”بص يا رامي،” قلتها بصوت ملوش أي علاقة بالضعف، صوت حاسم زي السك..ينة. “بص على بنتك اللي عندها سنتين. بص على وشها، وشوف أمك الطاهرة الطيبة عملت فيها إيه عشان حتة سوسيس خطفتها من ابن أخوك. شوف الخمس صوابع المعلمين في لحمها، وشوف الدم اللي مغرق التيشيرت بتاعها. قبل ما تنطق بكلمة واحدة، وقبل ما تفكر تدافع عن أمك، فكر كويس في رد فعلك.. لأن الكلمة اللي هتقولها دلوقتي هي اللي هتحدد إذا كنت هفضل مراتك ولا من الدقيقة دي هنبقى أغراب.”

​رامي اتصمر في مكانه. الغضب اللي كان مالي وشه اختفى وحل محله صدمة وذهول وهو بيبص لوش مريم الصغير. مشي خطوتين ناحيتي، إيده كانت بترتعش وهو بيحاول يلمس وش بنته، بس أنا رجعت خطوة لورا ومنعته.

​”دي.. دي أمي اللي عملت كده؟” رامي سأل وصوته مخنوق، وبص لأمه اللي كانت واقفه ورا مدحت وبتحاول تداري وشها.

​”آه أمك،” مدحت تدخل بسرعة عشان يلحق الموقف: “بس البت غلطت برضه يا رامي! وأمك كانت بتأدبها، ومراتك استغلت الغلطة ونزلت في أمك ضرب وهانتها قدام ابني! إحنا ملناش قعاد في البيت ده تاني.”

​”مع السلامة، الباب يفوت جمل!” صرخت في مدحت. “خد ابنك وأمك واطلعوا برا بيتي حالا! مشايعة ليلتكم سودة بره!”

​حماتي بدأت تصرخ تاني وتتنطط: “شايف يا رامي؟ بتطردنا! بتطرد أمك وأخوك في نص الليل عشان حتة عيلة! انطق يا راجل، قول حاجة!”

​رامي كان واقف في النص، عينه بتروح بين بنته اللي بتنزف وبين أمه اللي بتعيط. الضغط عليه كان رهيب، وعقليته الشرقية صراعها باين في عينه: أمّه اللي فرض فرض احترامها، وبنته ولحمه اللي اتهانت في بيته. لف لجام غضبه وبصلي وقال: “مريم.. أمي غلطت، بس مكنش ينفع تمدي إيدك عليها. دي ست كبيرة، ومهما حصل…”

​”مهما حصل إيه؟” قاطعته بقرف. “يعني لو كانت موتها كنت هتقولي معلش دي ست كبيرة؟ رامي، أنت برّ برا الموضوع ده. أمك وإخواتك عاشوا في خيري سنين، وكنت ساكتة وبقول عشان خاطر جوزي وبيتي. لكن لحد ضنايا ويتقطع عرق الرحمة. أقسم بالله العظيم، لو الست دي أو ابنها فضلوا في البيت ده دقيقة كمان، هكون طالبه النجدة ومبلّغة عنهم، والطلاق هيكون أسهل حاجة أعملها بكرة الصبح.”

​رامي حس إن الموضوع بيكبر وهيخرج عن السيطرة، بص لمدحت وقال بصوت مكسور: “خد أمي وسيف يا مدحت.. روحوا اقعدوا في شقتك الكدابة اللي في الهرم كام يوم لحد ما الأمور تهدى.”

​حماتي شهقت وكأنها خدت رصاصة في صدرها: “بتطردني يا رامي؟ بتطرد أمك عشان الوش دي؟ ماشي يا ابن بطني.. بكرة تلف الأيام وتعرف قيمتي.”

​مدحت خد أمه وابنه وخرجوا وهم بيبرطموا ويشتموا، وقفلوا الباب وراهم برزع هز الحيطة. الصالة فضيت، ومبقاش في المكان غيري أنا ورامي ومريم اللي بدأت تصحى وتعيط بصوت مكتوم من الوجع.

​دخلت الأوضة ورامي جه ورايا، قعد على طرف السرير وراسه بين إيديه. “أنتِ كسرتيني قدام أهلي يا مريم،” قالها بصوت مخنوق.

​”أنت اللي كسرت نفسك لما سمحت لهم يسوقوا فيها ويهينوا بنتك،” رديت عليه وأنا بحط كمادات مية ساقعة على وش مريم. “أنا مش هعاتبك دلوقتي يا رامي، بس كارت التأمين اتلغى، والفلوس اللي كنت بديها لمدحت عشان مدرسة ابنه اتمنعت، ومن هنا ورايح مفيش مليم واحد هيطلع من جيبى لعيلتك. أنت عايز تصرف عليهم من مرتبك؟ اتفضل، بس مليم واحد من فلوس بيتي وبنتي مش هيروح هناك.”

​رامي منطقش، فضّل ساكت وطول الليل كان بيتقلب في الصالة مش عارف ينام.

​عدى يومين، والجو في البيت كان زي التلج. رامي بيروح الشغل ويرجع مبيتكلمش، وأنا مركزة في شغلي في الأتيليه وبحاول أعوض مريم عن الخوف اللي شافته. وفي اليوم الثالث، وأنا قاعدة براجع حسابات المحل، تليفوني رن برقم غريب.

​رديت، لقيت صوت راجل غريب وجاد جداً بيقول: “ألو.. مدام مريم معايا؟”

“أيوه أنا، مين حضرتك؟”

“معاكي الرائد أحمد من مباحث الأموال العامة. إحنا بره الأتيليه بتاع حضرتك ومعانا إذن تفتيش وتحفظ على المكان.”

​الدنيا لفت بيا، وتليفوني كان هيقع من إيدي. تفتيش إيه وأموال عامة إيه؟ أنا كل شغلي قانوني وبدفع ضرائبي بالمليم! “أفندم؟ تفتيش بخصوص إيه؟ أنا معنديش أي حاجة غلط!”

​الظابط قال بنبرة جافة: “حضرتك متهمة بغسيل أموال والتعامل بفواتير مزورة تابعة لشركات وهمية، ومقدم فيكي بلاغ رسمي وموثق بمستندات طالعة من حسابات الأتيليه وبإمضاكِ.. ياريت تتفضلي معانا بدون شوشرة.”

​خرجت برا المكتب وأنا رجلي مش شايلاني، لقيت القوة واقفة بره والزبائن بتتفرج بذهول. وسط الزحمة دي، لمحت عربية مركونة على الناحية الثانية من الرصيف.. الزجاج بتاعها نزل شوية، وظهر من وراه وش مدحت سلفي، وكان باصصلي وعلى وشه ابتسامة شماتة قذرة، وجنبه حماتي فادية بتبصلي بعيون كلها غل وكأنها بتقولي: “دلوقتي جه دورنا نربيكي.”

​فهمت كل حاجة في لحظة. المستندات، الدفاتر الحسابية، التوقيعات.. مدحت كان بيشتغل محاسب حر، وكان بيساعدني في تظبيط دفاتر الأتيليه من سنتين! يعني هو اللي طبخ الطبخة دي كلها عشان يلووا دراعي ويدمروا حياتي انتقاماً للي حصل!

​الظابط قرب مني عشان يكلبش إيدي، وفي نفس اللحظة تليفوني رن في جيبى.. كان رامي. فتحت الخط بسرعة وأنا بصرخ: “رامي! أهلك دمروني، أهلك جايبين لي البوليس في الأتيليه!”

​صوت رامي جه من الناحية التانية، بس مكنش صوت رامي اللي أعرفه.. كان صوت بارد، خالي من أي مشاعر، وقال جملة واحدة خلت الدم يقف في عروقي تماماً: “أنا عارف يا مريم.. لأن أنا اللي سلمت مدحت المستندات دي بنفسي.”

​الخط قطع، والظابط شد إيدي، وأنا واقفة في مكان المطرقة نزلت فيه على راسي، ومش عارفة إزاي رامي عمل كده، وإيه اللي هيحصل لمريم اللي ملهاش حد في الدنيا غيري لو أنا دخلت السجن؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *