سر العيله

الباب اتفتح ببطء، وظهر وراه راجل طويل، لابس بدلة سودا كاملة رغم إننا كنا بعد نص الليل، وشه كان صارم وملامحه حـ . ـادة زي الصخر، بس أول ما عينه جت عليا، ملامحه دي هديت وظهر فيها مزيج من الحـ . ـزن والغضـ . ـب المكتوم. الراجل ده مكنش غريب عليا، ده كان “إبراهيم الملاح”، المحامي الخاص بجدّي الله يرحمه، والراجل اللي معاه مفاتيح كل أسرار عيلة “ريـ . ـاض” اللي سليم كان فاكر إنها عيلة غـ . ـلبانة ومقطوعة من شجرة.

​دخل وقفل الباب وراه براحة، ومشي ناحيتي بخطوات ثابتة وليها هيبة، وسحب الكرسي وقعد جـ . ـنبي، بص لجـ . ـرح بطني ولوعتي وبعدين بص في عيني وقال بصوت رخيم وهادي: “حمد لله على سلامتك يا بنتي، شدة وتزول.. أنا عرفت كل اللي حصل بره، وسليم الشافعي افتكر نفسه ذكي ولـ . ـعب اللعبة اللي هتكون نهايته”.

​دمـ . ـوعي نزلت غصـ . ـب عني وقلت بصوت مخنـ . ـوق: “يا متر، سليم رماني وأنا بمـ . ـوت، لغى التأمين ورفع إيده عن ولاده، العيال محبـ . ـوسين في الحضّانة جوه والمـ . ـستشفى بتهددني بيهم.. أنا معنديش فلوس أدفع مليم واحد، سليم أخد كل حاجة ومضاني على تنازلات من شهور وأنا مش دريانة”.

​إبراهيم الملاح ابتسـ . ـم ابتسامة خفيفة فيها ثقة غريبة، وطلع من شنطته الجلد القديمة فايل أسود مقفول بقفل نحاسي صغير، وطلّع مفتاح من جيبه وفتحه قدامي وقال: “سليم الشافعي مفكر نفسه بيفهم في البيزنس والقانون عشان عمل كام مليار من المقاولات والبورصة، وميعرفش إن جِدك، الحج ريـ . ـاض السيوفي، كان قاري المشهد ده من عشـ . ـر سنين فاتوا.. من قبل ما تمـ . ـوتي في دبلة سليم حتى”.

​بصيت للورق وأنا مش فاهمة حاجة، ومسحت دمـ . ـوعي بكم الجلابية البيضا بتاعة المـ . ـستشفى، كمل المتر وقال: “جِدك لما كتب الثروة كلها باسـ . ـم عمامك وباع الظاهر ليهم، كان عارف إنهم طماعين وإنك لو ورثتي علني، أي راجل طمـ . ـعان فيكي هيستغـ . ـلك.. عشان كده عمل حاجة اسـ . ـمها (صندوق الأمان العائلي المغـ . ـلق)، الفلوس دي متشالة في بنك سويسري وليه فرع هنا في مصر، ومحدش يعرف عنه حاجة ولا حتى عمامك، جِدك حط شـ . ـرط واحد عشان الصندوق ده يتفتح وتتنقل الأصول والمليارات دي كلها لحسابك الشخصي”.

​سألته ونبرة اللهفة في صوتي: “شـ . ـرط إيه يا متر؟”

بص لي وقال بوضوح: “إنك تتعرضي لغـ . ـدر واضح أو طـ . ـلاق تعسفي يهدد حياتك أو حياة أولادك، وجِدك حط بند اسـ . ـمه (بند الثأر المالي)، البند ده بيقول إن في حالة طـ . ـلاقك بالطريقة دي، من حقك قانونيًا وبقوة التوكيل العام اللي سابهولي جِدك قبل ما يمـ . ـوت، إننا نسحب كل الأسهم والسيولة اللي عيلتك كانت شـ . ـريكة فيها بالباطن في شـ . ـركات سليم الشافعي.. وسليم ميعرفش إن نص أرض مشـ . ـروعه الجديد في العاصمة الإدارية، ونص أسهم شـ . ـركته القابضة، متغطيين بفلوس الصندوق ده من خلال شـ . ـركات واجهة”.

​الكلام نزل عليا زي الماية الساقعة اللي فوقتني من الكابـ . ـوس، حسيت بكهربا بتمشي في عروقي، والوجـ . ـع اللي في بطني بدأ يتحول لطاقة غضـ . ـب وعزيمة، افتكرت سليم وهو بيقول بره: “أسرعوا بالطـ . ـلاق”، وافتكرت رسالته لنادين “خلاص، بقيت حر”، وافتكرت الذـ . ل اللي شفته في عيون موظف الإدارة.

​قلت للمتر وبصوتي رجعاله قوته: “يعني أنا مش شحاتة يا متر؟ أنا أقدر أخرج ولادي دلوقتي؟”

إبراهيم الملاح وقف وقفلت الفايل بتاعه وقال بقوة: “أنتي من اللحظة دي من أغنى سيدات الأعمال في مصر يا مدام واليرا، والفلوس اللي تحت إيدك تشتري مستشفى دار الفؤاد باللي مشغـ . ـلينها.. ارتاحي الليلة دي، ومن بكرة الصبح، اللعب هيبقى على المكشوف”.

​الصبح طلع، والشمس دخلت الأوضة، بس مكنتش نفس الشمس الباهتة بتاعة امبارح، النهاردة كان فيه نور جديد، الباب اتفتح ودخل نفس موظف الإدارة الرزل وبص لي بتعالي وقال: “صباح الخير يا آنسة واليرا، للاسف المهلة خلصت، وحضرتك لازم تخلي الأوضة دي فورًا لأنها مش مدفوعة، وبالنسبة للأطفال، إحنا بدأنا إجراءات نقلهم لمـ . ـستشفى حكومي مجاني لأن تكلفة الحضّانة هنا غالية جدًا وحضرتك معندكيش غطاء مالي”.

​بصيت له بكل برود، وسندت ضهري على المخدة، ورفعت راسي لفوق وقلت له: “اطلب لي مدير المـ . ـستشفى فورًا”.

الراجل ضحك بسخـ . ـرية وقال: “مدير المـ . ـستشفى؟ يا فنـ . ـدم بقولك مش دافعة تمن الأوضة، تفتكري المدير هيفضى ليكي؟”

وقبل ما يكمل كلمته، الباب اتفتح على آخره، ودخل مدير المـ . ـستشفى بنفسه، الدكتور مجدي، ومعاه اتنين من نوابه، وكان وراهم إبراهيم الملاح ومعاه تلات حراس شخصيين بلبس شيك جدًا.

​مدير المـ . ـستشفى كان وشه جايب ألوان، وبص للموظف وزعق فيه: “أنت بتعمل إيه هنا يا غبـ . ـي؟ اطلع بره واجمع حاجتك وعلى الشؤون القانونية فورًا!”

الموظف اتصدم وقال: “في إيه يا دكتور؟ دي الحالة اللي سليم بيه الشافعي ألغى ضمانتها..”

الدكتور مجدي قاطعه بصـ . ـرخة: “أخرس خالص واطلع بره!”، وبعدين التفت ليا وبدأ يعتذر بلهفة وهو بيعرّق: “مدام واليرا، أنا بعتذر لحضرتك بالنيابة عن كل طاقم المـ . ـستشفى، حصل سوء تفاهم كبير، الشيك المقبول الدفع بقيمة خمسة مليون جـ . ـنيه كوديعة مبدئية وصل للحسابات من مكتب المتر إبراهيم، وحضرتك دلوقتي من كبار عملاء الجـ . ـناح الملكي، وتم نقل الأطفال لأعلى مستوى رعاية وتحت إشـ . ـراف أكبر استشاريين في مصر”.

​بصيت للموظف اللي كان واقف هيمـ . ـوتمن الرعـ . ـب، وقلت للدكتور مجدي: “الموظف ده ملمحش وشه في المـ . ـستشفى دي تاني، والعيال يتنقل لهم طاقم تمريض خاص بيهم وممنوع أي كائن، مهما كان اسـ . ـمه.. حتى لو كان سليم الشافعي نفسه، يدخل الأوضة عندهم أو يعرف عنهم معلومة واحدة”.

مدير المـ . ـستشفى انحنى باحترام وقال: “أوامرك يا فنـ . ـدم، كله هينفذ حالا”.

​لما خرجوا، بصيت لإبراهيم الملاح وقلت له: “سليم فين دلوقتي؟”

الملاح طلع موبايله وبص فيه وقال: “سليم دلوقتي في مؤتمر صحفي كبير في فندق الفورسيزون بجاردن سيتي، بيعلن عن شـ . ـراكة استثمارية ضخمة وروند تمويل بمليار جـ . ـنيه مع مستثمرين خليجيين، ومعاه نادين Paredes، وعاملين شو جامد قوي قدام القنوات والصحافة”.

قمت من السريـ . ـر براحة، ورغم الوجـ . ـع، وقفت على رجلي وقلت: “هات لي هدوم تليق باليوم ده يا متر، إحنا رايحين المؤتمر”.

​في القاعة الكبيرة بالفورسيزون، كانت الأنوار تبرق، والفلاشات بتنور كل ثانية، سليم الشافعي كان واقف ورا المنصة، لابس البدلة الكحلي الشيك، وابتسامته المغـ . ـرورة مالية وشه، وجـ . ـنبه نادين لابسة فستان رسـ . ـمي أسود وبتتكلم في المايك بكل ثقة وتشـ . ـرح نجاحات الشـ . ـركة.

​سليم مسك المايك وقال بصوته الجهوري: “النهاردة بنعلن عن انطـ . ـلاقة (الشافعي جروب) للعالمية، بصفقة سد الذرائع وبتمويل ضخم هيغير خريطة التطوير العقاري في مصر، وإحنا بنطمن المـ . ـستثمرين إن وضع الشـ . ـركة المالي أقوى من أي وقت فات، ومفيش أي عوائق أو التزامـ . ـات ممكن تعطّلنا”.

​الناس بدأت تسقف، ونادين بصت له بنظرة فخر واعجاب، وفي اللحظة دي بالظبط، أبواب القاعة الكبيرة اتفتحت بقوة، الصوت عمل صدى في المكان، وكل الصحفيين والكاميرات لفوا عشان يشوفوا مين اللي دخل.

​كنت واقفة على الباب، لابس فستان أسود كلاسيك راقي جدًا، مغطي كل علامـ . ـات التعـ . ـب، وفوقه بالطو طويل، وعلى يمينى إبراهيم الملاح، وورايا الحرس الشخصيين، وخطواتي كانت ثابتة وبترن في القاعة، الكاميرات بدأت تتوجه عليا، وبعض الصحفيين عرفوني وبدأوا يهمسوا: “دي واليرا، مراته! مش دي اللي قالوا إنها في العـ . ـناية المركزة بتمـ . ـوت؟”

​سليم أول ما شافني، الابتسامة اختفت من وشه تمامًا، وعيونه اتسعت بصدمة ورعـ . ـب، ونادين وشها بقى أبيض زي الورقة، سليم حاول يتماسك ومسك المايك وقال بنبرة حـ . ـادة وواطية: “واليرا؟ أنتي إيه اللي جابك هنا؟ وإزاي تخرجي من المـ . ـستشفى؟ الأمن.. خرجوا الست دي بره”.

​بس الأمن مكنش قادر يتحرك، لأن الحرس بتوعي كانوا واقفين سد، مشيت لحد ما وصلت قدام المنصة بالظبط، وبصيت في عينه بكل قوة، المايكات كلها كانت متوجهة ليا، وقلت بصوت مسـ . ـموع وواضح هز القاعة: “أنا جاية أبارك لك يا سليم بيه على الصفقة الجديدة.. وجاية كمان أقدم للمـ . ـستثمرين الأفاضل اللي قاعدين معاك أول هدية بمناسبة طـ . ـلاقنا اللي تم بالليل وأنا بين الحياة والمـ . ـوت”.

​أحد المـ . ـستثمرين الخليجيين وقف وقال باستغراب: “طـ . ـلاق؟ وشنو السالفة يا سليم بيه؟ مين السيدة دي؟”

قبل ما سليم ينطق، إبراهيم الملاح طلع لابتوب ووصله بالشاشة الكبيرة بتاعة العرض اللي ورا سليم، اللي كانت بتعرض لوجو الشـ . ـركة، وفجأة الشاشة اتغيرت وظهر عليها مستندات بنكية رسـ . ـمية مختومة بختم النسر والبنك المركزي المصري وبنك سويسري.

​الملاح اتكلم في المايك وقال: “بصفتي الوكيل القانوني لـ (صندوق ريـ . ـاض السيوفي الائتماني)، بنعلن فك الارتباط المالي بالكامل مع شـ . ـركة (الشافعي جروب)، وبناءً على البنود الجزئية الموقعة في عقود الشـ . ـراكة بالباطن، تم سحب سيولة نقدية فورية بقيمة 800 مليون جـ . ـنيه من حسابات الشـ . ـركة بقرار محكمة مستعجل صدر قبل ساعة، وتحويل ملكية 45% من أرض مشـ . ـروع العاصمة الإدارية لصالح المدام واليرا ريـ . ـاض، كتعويض وتسييل للأصول عقب الإخلال ببنود الأمان العائلي”.

​القاعة انقلبت غوغة، الصحفيين بدأوا يصوروا الورق على الشاشة زي المجانين، والمـ . ـستثمر الخليجي بص لسليم وقال بغضـ . ـب: “سليم! أنت واخد فلوسنا وعامل مشـ . ـروع على أرض مش ملكك بالكامل؟ والسيولة بتاعتك اتسحبت؟ الصفقة دي لاغية!”

​سليم رجع خطوة لورا، جسـ . ـمه كله كان بيلتعش، وبص لنادين اللي كانت بتبعد عنه وتستخبى ورا المحاميين بتوع الشـ . ـركة، سليم نزع المايك وزعق فيا وهو بيقرب: “أنتي هتمـ . ـوتيني؟ أنتي بتخرب بيتي يا واليرا؟ منين جبتي الكلام ده؟ ومنين الفلوس دي؟ أنتي حتة عيلة مقطوعة مأخدتيش مني مليم!”

​قربت منه لحد ما بقيت مش بيني وبينه غير سنتيمترات، وقلت له بصوت واطي جدا يسـ . ـمعه هو بس ونبرة تخلع القلوب: “أنا اللي كنت همـ . ـوتوأنت بتمضي ورق طـ . ـلاقنا وبتقول للدكتور (خلّص بسرعة)، أنت مسبتنيش يا سليم، أنت مسحتني، والنهاردة أنا اللي بمسح اسـ . ـمك من السوق كله، العيال اللي استخسـ . ـرت فيهم تمن الحضّانة، بقوا أصحاب النصيب الأكبر في أراضيك وشـ . ـركاتك، والصفقة اللي كنت خايـ . ـف عليها تبـ . ـوظ بسببي.. أنا بـ . ـوظتها برمش عيني”.

​سليم انهار وقعد على الركبة على أرض المنصة، والصحافة بتصوره من كل زاوية، ونادين سابت القاعة وهربت من الباب الخلفي عشان متتحطش في الكادر معاه وهو بيسقط.

​لفيت ضهري ومشيت بكل كبرياء، وخرجت من الفندق، وركبت العربية المرسيدس السودا اللي كانت مستنياني بره مع المتر إبراهيم.

​رجعت المـ . ـستشفى، دخلت الجـ . ـناح الملكي الجديد، كان هادي وجميل، ريحة الورد المالي المكان تفتح النفس، مشيت ببطء لحد ما وصلت لأوضة المبتسرين، وبصيت من ورا الإزاز، العيال كانوا نايمين بسلام، الأجهزة بتتحرك بانتظام، ومفيش أي خـ . ـطر عليهم خلاص.

​حطيت إيدي على بطني اللي كانت بتوجـ . ـعني، بس الوجـ . ـع المرة دي كان وجـ . ـع تعافي، مش وجـ . ـع ذـ . ل، قلت لنفسي: “خلاص يا ولادي، حقكم رجع، ومحدش في الدنيا هيقدر يمس شعرة منكم”.

​قعدت على الكرسي وبدأت عيني تغفل من كتر التعـ . ـب والإرهاق اللي شفته طول اليوم، نمت حوالي ساعتين، وفوقت على صوت خبط رقيق جدا على باب الجـ . ـناح.

​قلت بصوت هادي: “ادخل يا متر”.

بس الباب لما اتفتح، مكنش إبراهيم الملاح.

​دخل شاب في أواخر التلاتينات، وسيم جدا، ملامحه هادية بس عينيه فيها نظرة حـ . ـزن وغموض غريب، كان لابس بالطو أسود وتحته قميص أبيض مفتوح من فوق، وكان ماسك في إيده باقة ورد أبيض صغيرة وجميلة.

​وقفت بسرعة مستغربة، وحسيت بنغزة في قلبي، وقلت بنبرة حـ . ـذرة: “أنت مين؟ ودخلت هنا إزاي؟ الحرس فين؟”

​الشاب قفل الباب وراه، ومشي خطوتين ووقف، وبص لي بنظرة كلها اشتياق وعتاب، ومسك الورد وقدمه ليا وقال بصوت دافي هز كياني كله:

​”الحرس مش هيمنعوني يا واليرا.. أنا اللي كنت دافع تمن عملياتك بالكامل من بره مصر من قبل ما جِدك يتصرف، وأنا اللي مستني اللحظة دي بقالي خمس سنين.. سليم الشافعي كان مجرد ستارة، واللعبة الحقيقية لسه هتبدأ دلوقتي”.

​تنحت ومسكت في حرف السريـ . ـر وقلت وأنا مش مصدقة عيني: “مش ممكن.. أنت؟ أنت مش مت في الحـ . ـادثة من خمس سنين؟!”

​ابتسـ . ـم وقال ببرود مرعـ . ـب: “ده اللي سليم فهمهولك عشان ياخدك مني.. بس أنا رجعت، وكل حاجة هترجع لمكانها الأصلي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *