حماتي وقفت في مطبخي

حماتي وقفت في مطبخي، وبصت للبيت اللي أنا كنت بدفع كل مصاريفه في هدوء القسط، والكهربا، والمية، والتأمين، والأكل، وكل فاتورة كانت مخلياه ماشي.
وبكل ثقة قالتلي
قدامك أسبوعين وتسيبي البيت عشان بنتي وأولادها أولى بالمكان ده.
أما جوزي؟
فكان واقف جنب التلاجة، باصص في موبايله.
عامل نفسه مش سامع.
ولا شايف.
ولا ليه دعوة.
اسمي ندى.
وعندي 47 سنة.
وطول 9 سنين كنت شايلة البيت ده على كتافي.
الناس كلها كانت فاكرة إن جوزي هو صاحب البيت.
لكن الحقيقة إن المرتب اللي كان بيدخل كل شهر ويغطي كل حاجة
كان مرتبي أنا.
حماتي كانت عايشة معانا بقالها سنة ونص بحجة العلاج.
وأخت جوزي مي كانت كل شوية تقع في أزمة جديدة.
مرة إيجار.
مرة مدرسة العيال.
مرة عربية بايظة.
وكل مرة كنت أنا اللي أشيل.
من غير ما أتكلم.
لحد اليوم اللي قرروا فيه إنهم يشيلوني أنا.
ببساطة كده.
كأني ضيفة في بيتي.
بصيت لجوزي وسألته
إنت موافق على الكلام ده؟
رد بهدوء
مي محتاجة البيت أكتر منك.
ساعتها فهمت كل حاجة.
وفهمت إن القرار متاخد من زمان.
وإنهم خلاص رتّبوا حياتهم بعد خروجي.
لكن بدل ما أعيط
هزيت راسي وقلت
ماشي.
الفرحة ظهرت على وشوشهم فورًا.
حماتي بدأت تتكلم عن أوضة الأطفال.
وأخته بعتت صور الأثاث اللي هتجيبه.
وهم فاكرين إني استسلمت.
لكن في نفس اليوم
لغيت كل المدفوعات التلقائية اللي باسمي.
وشلت بطاقتي من كل الحسابات.
وكلمت المحامي.
وبدأت أجهز ملف صغير أزرق.
ملف فيه كل ورقة تثبت مين صاحب البيت الحقيقي.
فضلوا أسبوعين كاملين بيخططوا لحياتهم الجديدة.
لحد ما جه صباح اليوم الرابع عشر.
وصوت شاحنة نقل كبيرة وقف قدام البيت.
حماتي جريت على الشباك وهي مبتسمة وقالت
أكيد مي وصلت.
لكن أول ما باب الشاحنة اتفتح
واحد من الرجال نزل وسأل بصوت عالي
الأستاذة ندى موجودة؟
ولما حطيت الملف الأزرق على السفرة وفتحته قدامهم
اللون اختفى من وش جوزي.
لأنه أخيرًا شاف الورقة اللي كنت مخبياها عنهم 3 سنين كاملة

حماتي جريت على الشباك وهي مبتسمة، وقالت بصوت عالي مليان فرحة واطمئنان
أكيد مي وصلت، واثاثها معاها أخيرًا هنستقر ونرتاح، وكل حاجة هتبقى في مكانها الصح.
جوزي حسن رفع راسه من الموبايل شوية، وبص للشاحنة بنظرة رضا، وقال بهدوء
شكله كده خلاص، الأمور تمام، ولا حاجة توقفنا دلوقتي.
لكن قبل ما يفتحوا الباب ويستقبلوا أخت حسن وعيلتها، رفعت راسي أنا ندى بكل ثقة، ومشيت بخطوات ثابتة ناحية السفرة الكبيرة في الصالة، وحطيت عليها الملف الأزرق ببطء، كأن كل ورقة فيه فيها ثقل سنين وسنين من التعب والصبر.
ناديت بصوت واضح مفيهوش رعشة، ولا ضعف، ولا دموع، بس فيه حزم ووضوح
استنوا شوية قبل ما تفتحوا الباب. عندي حاجة أوريكوها، عشان نعرف كل واحد فينا واقف فين، ومين له الحق في إيه هنا.
التفتوا لي كلهم في نفس اللحظة. حماتي أم حسن قالت باستغراب وعدم ارتياح
إيه اللي عندك يا ندى؟ خلاص اتفقنا على كل حاجة، مفيش كلام زيادة، واسبوعين خلصوا، واللي قلناه يتنفذ.
حسن حاول يتكلم بنبرة تهدئة بس فيها تحكم
يا ندى، خلينا نمشي بالكلام، ما فيش داعي لخلاف، مي وأولادها ظروفهم أصعب، وانت عندك مرتبك، وتقدري تستأجري بيت صغير لحد ما تتصرفي، ولا حاجة صعبة عليكي.
ابتسمت ابتسامة باردة، ابتسامة الواحد اللي شاف كل شيء، وانتظر الوقت المناسب، وقلت لهم
ظروفها أصعب؟ وأنا ظروفي كانت إيه لما جيت هنا من أول يوم؟ ولا ظروفي لما كنت بشيل كل مصاريف البيت ده لمدة تسع سنين كاملة؟ ولا ظروفي لما كنت بصرف عليكم كل واحد فيكم من غير ما أطلب حتى كلمة شكر؟ دلوقتي بس تعرفوا الظروف الصعبة؟
فتحت الملف الأزرق قدام عيونهم، وبدأت أخرج الأوراق واحدة واحدة، وأحطها قدامهم بترتيب
هنا، الفواتير

كلها، من أول يوم استأجرنا فيه البيت، وبعدين يوم ما قررنا نشتريه. كل قسط شهري مدفوع من حسابي الشخصي. هنا فواتير الكهربا والمية والغاز والتليفون والتأمين، كلها مسجلة باسمي، ومسحوبة مباشرة من مرتبي. وهنا
وقفت شوية، ورفعت ورقة كبيرة مطبوعة عليها أختام رسمية، قلت بصوت أعلى
وهنا عقد التمليك الأصلي للبيت. الورقة الرسمية اللي بتقول مين هو المالك القانوني لهذا العقار. وأنا كنت مخبياها عنكم لمدة ثلاث سنين، مش عشان أخد حقكم، ولا عشان أكن لكم شړ، لكن عشان كنت فاكرة إن الحب والمعروف يكفي، وإنكم هتشوفوا تعبي وتقدروه، وإن البيت ده بيتنا كلنا.
لون وش حسن تغير فورًا، واصفر كأنه شاف شبح. مد يده عشان ياخد الورقة، بس سحبتها شوية وقالت
لا، شوفها بس، ولا ټلمسها. المحامي كتب عليها إقرار بأنها أصلية ومسجلة في الشهر العقاري باسمي وحدي. وقت ما اتفقنا نشتري البيت، كان مرتب حسن قليل جدًا، ولا يكفي حتى نصف القسط الشهري، وكل المبلغ اللي دفعته كدفعة أولى كان من مدخراتي الشخصية قبل الجواز، وبعدين كل قسط تاني من مرتبي الشهري. حسن وقتها قال لي بكل لطف سجليه باسمك عشان نكون في أمان، ولو حصل لي أي ظرف يبقى البيت في ضهرك، وصدقته، واعتقدت إنها ثقة وحب، لكن واضح إنكم كنتوا تفكروا في طريقة تانية.
حماتي بدأت تتكلم بنبرة عالية وعصبية عشان تغير المسار
ده كلام فارغ! الجواز يعني مشاركة في كل شيء، البيت ده بيت الزوجية، وحسن ليه نص فيه قانونًا، ولا يهمك أي أوراق، العرف بيقول إن الراجل هو صاحب البيت، وانت مجرد زوجة بتعيش فيه.
رديت عليها بكل هدوء وثقة
العرف ده لما يكون الحق واضح، ولما الراجل بيشارك بجد مش بالكلام بس. والقانون دلوقتي واضح زي الشمس اللي يدفع هو اللي يملك، والعقد مسجل باسمي وحدي، ولا يوجد أي توقيع من حسن على أي إثبات بمساهمته المالية في شراء البيت أو سداد أقساطه. والمحامي قال لي لو احتجنا نروق الموضوع في المحكمة، النتيجة أكيدة ومضمونة مية بالمية.
في نفس اللحظة، سمعنا صوت طرق على الباب، وصوت الراجل اللي سأل عني أول مرة
الأستاذة ندى، نحن هنا بناءً على طلبك، جايين ننقل الأثاث اللي طلبتيه، ونقوم بتركيب الأقفال الجديدة، وتسجيل البيت رسميًا تحت إدارتك الكاملة.
حسن وقف على رجليه، وصوته ارتفع وهو يحاول يظهر قوة مفقودة
إيه اللي بتعمليه ده يا ندى؟ إيه اللعبة دي؟ إنتي كنتي تخدعينا كل السنين دي؟ تخبي الحقيقة عشان في يوم تاخدي كل شيء لنفسك؟
نظرت له نظرة طويلة، نظرة جمعت فيها كل الألم والصبر والخيبة اللي عشتها معاه طول تسع سنين، وقلت له
لا يا حسن، مش أنا اللي خدعتكم، أنتم اللي خدعتوني، وخدعتوا ثقتي. أنا ما فكرتش يوم إن البيت ده لي وحدي، ولا كنت هفكر أطردكم أبدًا لو كنتم عاملين المعروف قدامه. كنت بشوفه بيتنا، وكنت أفرح لما أشوفكم فيه مرتاحين، وكنت أصرف على أختك وعيالها لما كانت تقع في ضيق، عشان خاطرك أنت، عشان خاطر الحياة اللي بينا. لكن أنتم قررتوا من تلقاء نفسكم إنكم تشيلوني، وتعاملوني كأني غريبة، وضيفة ما لها حق في شيء، لمجرد إنكم فكرتوا إنكم تقدرون تسيطروا على كل شيء، وإن صبري مش هينتهي.
جلست على الكرسي قدامهم، وبدأت أروي لهم كل التفاصيل اللي كانوا يتجاهلوها أو ينسوها عشان مصلحتهم
تفتكر يا حسن أول سنة جوازنا؟ مرتبك كان ألفين جنيه بس، وكل شهر كنت أدفع إيجار البيت

أربعة آلاف، من مرتبي اللي كان ستة آلاف وقتها، وكنت أشتري الأكل والملابس وكل شيء، ولا أطلب منك قرشًا واحدًا، وكنت أقول للناس كلهم إنك بتعمل مجهود، وإن الظروف صعبة شوية، وإننا قريبين نستقر. وبعدين لما جاءت فرصة الشراء، وطلبت منك تجمع معي أي مبلغ، قلت لي إنك مديون لأصحابك، ولا تقدر تدفع شيء، فدفعت أنا كل الدفعة الأولى، وكل قسط بعدها، وكل مرة كان القسط بيزيد كنت أشتغل وقت إضافي، وأقلل من مصاريفي الخاصة عشان أوفر المبلغ، وكنت ألبس نفس الملابس شهورًا، ولا أشتري لنفسي أي شيء جديد، عشان يفضل البيت قائم، وكل واحد فيكم مرتاح.
الټفت لحماتي وقلت لها
وإنتي يا أم حسن، لما جيتي تقولي لي إنك تعبانة ومحتاجة رعاية وعلاج، رحبت بيكي من أول يوم، وخصصت لكي أحسن أوضة في البيت، ودفعت تكاليف الكشوف والأدوية من غير ما أناقش، وكنت أطبخ لك الأكل اللي بتحبيه، وأجلس معاكي لما تحسي بالوحدة، واعتقدت إنك هتشوفي كل ده، وإنك هتكوني أم لي قبل ما تكوني حماتي. لكن شوفتي في النهاية؟ إنك توقفي قدامي وتقولي لي اخرجي من بيتي، عشان بنتك تأخذه، ولا حتى كلمة شكر واحدة قلتيها لي طول السنة والنص اللي عشتها هنا.
وبعدين وجهت كلامي للباب، حيث كانت مي وقفت قدامه بوجه مصفر، وعيلتها واقفين وراها، وقلت لها بصوت واضح تسمعه هي كمان
وإنتي يا مي، كم مرة جيتي لي تبكي وتقولي إن الإيجار زاد، أو إن مصاريف المدرسة كتير، أو إن عربيتك تعطلت، وكل مرة كنت أخرج لك المبلغ من جيبي بكل سرور، ولا أسألك متى ترديه، ولا أضايقك فيه، وكنت أقول لنفسي دي أخت جوزي، وهي في ضيق، وعلينا نساعدها. وكل ده كنت أعمله وأنا فاكرة إن الحب بين أهل البيت أهم من أي فلوس، ولا من أي مصلحة. لكن النتيجة؟ إنكم اجتمعتم جميعًا، ورتبتموا خطة تطردوني فيها من البيت اللي بنيته بتعبي ودمي، وتعطوه لكي، وكأني لم أفعل شيء أبدًا، وكأنني مجرد عبء تخلصتم منه بسهولة.
مي حاولت تتكلم، وصوتها مرتعش من الخۏف والحرج
يا ندى إحنا ما قصدنا حسن قال لنا إنك غنية، وعندك مدخرات كتير، وإنك تقدري تعيشي في أي مكان، وإن ظروفنا أصعب
قاطعتها بسرعة وقلت
حسن قال لكم كده؟ يعني هو اللي كان يغذي أفكاركم دي؟ كان يقول لكم إني عندي كل شيء، ولا محتاجة للبيت ده، عشان يسهل عليكم الطمع؟ طيب لما هو عارف إنني أنا اللي بكل مصاريف البيت، ليه ما قول لكم الحقيقة؟ لأنه كان خاېف إنكم تعرفوا، وتتضح لكم الحقائق، وتشوفوا أنكم كنتم بتعيشوا على حسابي، وبتخططوا للاستيلاء على حقي.
الټفت مرة أخرى لحسن، اللي كان جسمه كله يرتعش، ويديه بتتعرق، وبدأت تظهر عليه علامات الندم والخجل، وقلت له بنبرة مليانة ألم عميق
يا حسن، ما كنتش أطلب منك أن تكون غني، ولا أن تملك لي الدنيا كلها. كل اللي كنت أطلبه هو الحق، والعدل، والشعور بالأمان. كنت أريد زوجًا يشاركني الحياة، يقدر تعبي، يقول لي كلمة طيبة مرة واحدة في الشهر، ولا يتركني أواجه الحياة وحدي. لكن طول تسع سنين، شوفت منك إيه؟ شوفت منك الإهمال، واللامبالاة، وعدم المسؤولية، وكنت كل ما أسألك عن أي حاجة تقول لي أنتي تتصرفي، أنا مش فاضي، وكنت تفضل تجلس مع أصحابك، أو تتابع أخبارك، ولا تسأل عن حال البيت ولا حال من فيه.
توقفت شوية، وبلعت ريقي، ودمعة واحدة

نزلت على خدي، مسحتها بسرعة قبل ما تظهر الضعف، وكملت
وآخر شيء كنت أتوقعه، إنك تتآمر عليّ مع أهلك، وتوافق على طردي من بيتي، لمجرد إنك فكرت إنك تقدر تسيطر على وضعي، وإنني هسكت وأستسلم زي ما تعودتوا. لكن اليوم عرفتوا إن الصبر له حدود، وإن الحق مهما تأخر، فهو بيظهر في النهاية.
ساد الصمت في المكان كله. حماتي جلست على كرسيها، وغطت وشها بيديها، وبدأت تتنفس بصعوبة، وظهر عليها إدراك الحقيقة اللي تجاهلتها لفترة طويلة. حسن كان واقف في مكانه كأنه تحول لحجر، نظراته ضائعة، ولا يعرف ماذا يقول أو يفعل، لأن كل خططه اڼهارت في دقائق معدودة، والحقيقة أظهرت وجهها بكل وضوح.
الرجال اللي جاءوا من الشركة ومعهم فني الأقفال، دخلوا بهدوء ووقفوا بجانبي، واحد منهم قال بصوت مهذب
أستاذة ندى، هل نبدأ العمل حسب الطلب؟
هزيت راسي بنعم، وقلت لهم
نعم، رجاءً قوموا بتغيير جميع أقفال الأبواب والنوافذ، وسحب أي مفاتيح إضافية مع أي شخص غيري، وتسجيل البيت رسميًا تحت إدارتك الخاصة، كما تم الاتفاق معكم ومع المحامي.
عندما سمع حسن الكلام ده، بدأ يتراجع، وبدأ يغير نبرته من الڠضب للرجاء، واقترب مني خطوة وقال بصوت ضعيف ومرتعش
يا ندى أرجوكي لا تعملي كده كنا مخطئين، واعترف إننا غلطنا في حقك، وإننا استهوانا فيك، وصدقنا أفكار خاطئة. أرجوكي، خلي الأمور تمر، ولا تكسرينا قدام الناس، ولا تفضحينا قدام أهلي وجيراني، وعديني من اليوم إنني هتغير، وهكون زوج صالح، وهشاركك في كل شيء، وكل اللي قلته هعمله بجد أرجوكي سامحيني.
نظرت له، وقلت له بكل هدوء
يا حسن، التغيير مش بيأتي بكلام، ولا برجاء في وقت الضيق. التغيير يأتي من القلب، ومن التصرفات الحقيقية، وقد جربت معاك تسع سنين كاملة، ولم أشعر في أي يوم بالأمان الحقيقي، ولا بالشراكة الصحيحة. لو كنت نويت الخير، وكنت تحس بمعنى الزواج، ما كنت وافقت على كلام أمك، ولا كنت تركتني أتحمل كل شيء وحدي، ولا كنت ساكت لما طلبوا طردي. الحق اتضح دلوقتي، والقرار صدر منكم قبلي بوقت طويل، فما عاد يفيد أي كلام جديد.
التفتت لحماتي، وقالت لها بهدوء
وأنتي يا أم حسن، الباب كان مفتوحًا لكي طالما كنتي محتاجة للرعاية، وكنت هظل أخدمك وأعاملك كأمي، لو ما كنتي وقفتي ضدي في يوم الحق، وطلبتي مني أخرج من بيتي بكل برودة. والآن، بما إنكم رأيتوا الحقيقة، فالخيار بينكم وبين أنفسكم، ولا أريد لكم سوى ما هو عدل.
بعد دقائق من الصمت، خرجت مي وعيلتها من الباب، وهي تنظر إلى الأرض خجلًا، ولم تقل كلمة واحدة، لأنها أدركت أن كل ما كانوا يحلمون به ويتوقعونه اختفى، وأنهم كانوا على خطأ كبير في تقدير الأمور وفي حق إنسانة كانت تقدم لهم كل خير.
أم حسن رفعت راسها أخيرًا، وكانت عيناها مليئة بالدموع، وقالت بصوت منكسر
يا بنتي ندى أنا آسفة آسفة جدًا كنت عمياء، ولم أرى إلا ما أريده، ولم أفكر إلا في ابني وبنتي، ونسيت إن لي قلبًا وضميرًا، ونسيت إنك إنسانة قدمت لنا كل ما نحتاجه، وتحملتينا أكثر مما نستحق. لو رجعت بي الأيام، ما كنت قلت كلمة واحدة ضدك، ولا فكرت في طردك أبدًا سامحيني يا بنتي، لو كنتي تقدري.
شعرت ببعض الارتياح في قلبي، لأنها اعترفت بخطئها، وقلت لها بكل هدوء
الله يسامحنا جميعًا يا أمي، لكن الحياة تمشي، والحقوق لا تعود إلا إذا استرجعت، وما حدث هو نتيجة قراراتكم، وعلينا نعيش مع نتائجها.
وبدأت الأيام

تمضي، وكل شيء في البيت أصبح منظمًا تحت إدارتي الكاملة. حسن بقي في البيت لأيام قليلة، حاول فيها أن يتقرب مني، ويغير تصرفاته، ويقوم ببعض الأعمال المنزلية، ويدفع بعض المصاريف الصغيرة، لكن كنت أشعر أن الچرح عميق، والثقة التي بنيتها على مدار السنين تحطمت تمامًا، ولا يمكن إعادتها كما كانت مهما حدث.
بعد مرور شهر تقريبًا، جاءني حسن وجلس معي بهدوء، وقال لي
يا ندى، أنا عارف إن الثقة راحت، وإن أيامنا القديمة مش هترجع، وإنني أخطأت في حقك أخطاء كبيرة، ولا يوجد عذر لي. لقد راجعت نفسي كثيرًا، وعرفت قيمتك اللي كنت أتجاهلها، وعرفت كم كنتي كريمة وصابرة، وكم كنتي تقدمين دون مقابل. لكن بما إننا وصلنا لهذه المرحلة، فأنا أطلب منك أن نفصل الأمور بهدوء وعدم ڼزاع، لأنني لا أريد أن نصل لمحاكم ولا مشاكل، وأعترف بأن البيت لك، وكل ما دفعته من أموال وملكيات هو حقك وحدك.
نظرت له، وقلت له
أنا أقدر منك هذا الاعتراف، وأنا لا أريد أن أطردك أو أضايقك، ولا أريد أن أأخذ منك شيئًا لا حق لي فيه، ولا أريد ڤضيحة لأحد، ولا كلامًا بين الناس. بما إنك اعترفت بالحقيقة، فسأعطيك الوقت الكافي لترتب أمورك، وتجد مكانًا آخر، وسأعطيك مبلغًا يساعدك في بداية حياتك الجديدة، ليس كواجب عليّ، بل كمعروف، لأننا عشنا معًا تسع سنين، وكنت زوجي يومًا ما، ولا أحب أن أراك في ضيق شديد.
تفاجأ حسن بهذا الكلام، وبدأت الدموع تنزل من عينيه، وقال بصوت مرتعش
يا ندى، أنتي أفضل مني بكثير، وأنا لا أستحق هذا المعروف، ولا أستحق أي مساعدة منك بعد ما فعلته. لكن سأقبلها كصدقة منك، وأعاهدك إنني سأعيش بكرامة، وسأحاول أن أعوض خطأي مع نفسي، ولن أتكلم عنك بسوء أبدًا، وسأظل أتذكر فضلك عليّ طوال عمري.
بعد أيام قليلة، غادر حسن البيت، ومعه أم حسن التي قررت أن تعيش مع قريبة لها في منطقة أخرى، وطلبت مني المسامحة مرة أخيرة قبل ما تذهب، وقلت لها إنني سامحتها بكل صدق، وإنني أتمنى لها السلامة والصحة.
مي أرسلت لي رسالة قصيرة تقول فيها إنها نادمة على ما حدث، وإنها عرفت قيمتي، وإنها لن تنسى مساعداتي لها في السابق، وإنها تتمنى أن تقابلني يومًا لتعتذر وجهًا لوجه، ورديت عليها برسالة قصيرة قلت فيها إن الحياة دروس، وإننا نتعلم منها ما يفيدنا في المستقبل.
الآن، وبعد مرور عام تقريبًا على تلك الأحداث، أنا أعيش في بيتي بسلام واطمئنان، وأشعر بالأمان الذي كنت أبحث عنه طويلًا. البيت أصبح لي حقًا، بكل تفاصيله، وكل ما فيه يحمل ذكرى تعبي وجهدي، ولم يعد مجرد مكان أسكن فيه، بل أصبح ملجأً لي، وملاذًا هادئًا أستريح فيه بعد يوم العمل الطويل.
تعلمت من هذه التجربة دروسًا كثيرة، سأحملها معي طوال عمري تعلمت أن الكرم يجب أن يكون بحدود، وأن الثقة لا تعني الغفلة، وأن الصبر له حدود لا يجب تجاوزها، وأن الحق يجب أن يُحفظ ولا يُترك لمن يطمع فيه. وتعلمت أيضًا أن الإنسان يجب أن يقدر ما لديه، ويحترم من يقدم له الخير، قبل أن يفقد كل شيء في لحظة لا رجعة فيها.
في كل مرة أنظر إلى الملف الأزرق القديم، أبتسم، ولا أشعر بالحزن، بل أشعر بالرضا، لأنه ذكرني بالحقيقة، وأعاد لي حقي، وخلصني من علاقة لم تعد تخدم أحدًا، وبدأت حياتي الجديدة، بقلبي نظيف، وضميري مرتاح، وحقي محفوظ، وأعيش في سلام مع نفسي،
ومع كل من حولي.
والحقيقة التي بقيت في ذهني دائمًا هي مهما طال الزمن، ومهما حاول الناس تغيير الحقائق، فالحق يظل حقًا، والباطل يزول مهما طال بقاؤه، والله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولا يترك حق أحد مهما صغر أو كبر، وإنما يمهل ولا يهمل.
وهكذا اكتملت القصة، ببداية جديدة لي، وبعبرة وعظة لجميع من يقرأها، ليعرفوا أن الحق هو الطريق الصحيح دائمًا، وأن الكرامة لا تُشترى بمال ولا تُعطى لمن لا يقدرها، بل هي نابعة من الحفاظ على النفس، والحفاظ على الحقوق، والعدل مع النفس ومع الآخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *