المسعف خطف ياسين
المسعف خطف ياسين من حضن مريم وهو بيصرخ في زميله: “سرعة يا ابني، الواد نبضه بيهرب، إجهاد تنفسي حاد وهبوط في الدورة الدموية!”، مريم كانت بتتحرك وراهم زي الآلة، عينيها مشايفة غير وش ابنها اللي لونه بيميل للزرقان، وودنها مش سامعة غير صوت سارينة الإسعاف اللي بتشق سكون الليل في الحارة. في الصالة، الظابط كان بيزعق للعساكر: “هاتولي الإثنين دول على البوكس، والطب الشرعي ييجى فوراً يتحفظ على الأكل وكل شبر في المطبخ!”. مصطفى وهو بيتحرك والكلابشات في إيده، عدا من جنب مريم، وقبل ما العسكري يزقه برة الباب، وطى راسه وهمس في ودنها بنبرة خلت شعر جسمها يقف: “مفتكرة إنك كسبتي؟ المحضر هيتقيد ضد مجهول يا قطة.. والشنطة دي فيها اللي يخليكي تتمني الموت وماتطوليهوش.”
في المستشفى الميري، كانت الممرات ضلمة وكئيبة، ريحة الميكروبول والفنيك بتخنق الأنفاس، ومريم قاعدة على الأرض برة غرفة العناية المركزة، هدومها مبهدلة بالتراب، وإيديها بتترعش وهي بتبص على رسالة الموبايل اللي لسه شاشته منورة: “متأكليش تاني.. الأكل فيه مصيبة.. اطلبي الإسعاف فوراً.” مين اللي بعت الرسالة دي؟ وإزاي كان عارف؟ مصطفى مكنش لوحده، ونهى العشيقة دي مكنتش مجرد واحدة اشتركت معاه في ج/ريمة ق/تل.. الموضوع وراه سر تاني أسود بكتير.
الدكتور خرج من العناية وهو بيقلع الكمامة، وشه كان مجهد جداً، مريم جريت عليه وكلبشت في بالطو الشغل بتاعه: “طمني يا دكتور.. ابني عايش صح؟ قولي إنه هيقوم!” الدكتور أخد نفس طويل وقال لها: “الحمد لله، لحقناه بغسيل معدة وفحم نشط في أخر لحظة، المادة اللي كانت في الأكل سم فئران من النوع الحاد، مخلوط بمركب كيميائي تاني بيسرع وقف عضلة القلب، لولا إن جسمه قاوم وإنك مجبرتيهوش يخلص طبقه، كان الولد مات في السرير.. هو حالياً تحت الملاحظة، بس الخطر اعدى.”
مريم عيطت، عياط هستيري ونزلت على ركبها تشكر ربنا، لكن الفرحة ما كملتش ثانية واحدة، موبايلها رن في إيدها.. نفس الرقم المجهول اللي بعت الرسالة الأولى. مريم فتحت الخط بسرعة وصوتها بيترعش: “أنت مين؟ وعرفت منين؟”
جالها صوت راجل، بس الصوت كان غريب، واطي ومكتوم كأنه بيتكلم من ورا منديل أو مغير نبرته: “ياسين عاش.. بس مش هيعيش كتير لو فضلتي في المستشفى، مصطفى مش غبي، مصطفى مأمن نفسه، والشنطة اللي البوليس حرزها في الشقة؟ دي مش شنطة هدوم يا مريم.. دي الشنطة اللي فيها موتك أنتِ وابنك الحقيقي.”
مريم صرخت في التليفون: “يعني إيه؟ قولي أنت مين وعايز إيه؟”
الخط قطع.
في قسم الشرطة، كانت الساعة دخلت على أربعة الفجر، الظابط حسام قاعد ورا مكتبه، قدامه مصطفى ونهى، وعلى المكتب محضر التحريات الأولي. مصطفى كان قاعد حاطط رجل على رجل، بكل برود، وشه مفيش فيه أي علامة من علامات الخوف، ونهى في الناحية التانية بتموت من الرعب، دموعها سايحة وبتفرك في إيديها.
الظابط حسام خبط على المكتب بعنف: “بقولك إيه يا روح أمك، الفيلم الهندي اللي بتعمله ده مش هيمشي عليا، الست اتصلت بالنجدة وهي مستخبية في الحمام، والواد جالنا المستشفى مسموم، وعشيقتك ممسوكة في المطبخ بجوانتي بتشيل أثر الج/ريمة، هتقول لي مراتي اتجننت؟!”
مصطفى ابتسم وقال بهدوء مستفز: “يا فندم، الست دي مريضة شك وغيرة، والأكل اللي في الأطباق ده هي اللي طبخاه مش أنا، أنا دخلت لقيتها بتصرخ وبتقول لي أنت حاطط سم، ونهى دي جارتنا في الدور اللي فوق، سمعت الصويت فدخلت تشوف فيه إيه والباب كان مفتوح، شافت الشقة مبهدلة وكانت بتساعدني ألم الحاجة عشان نلحق الولد.. مريم هي اللي سُممت الواد عشان تلبسني قض/ية وتخلص مني بعد ما طلبتها في بيت الطاعة!”
نهى هزت راسها بسرعة وقالت بصوت متحشرج: “والله يا فندم هو ده اللي حصل.. أنا ماليش دعوة، أنا دخلت على الصويت بس!”
الظابط حسام بص لمصطفى بنظرة تقرف، وعرف إنه قدام مجرم محترف ومرتب كلامه بالملي، بس الحاجة الوحيدة اللي كانت غريبة هي الشنطة اللي اتوجدت عند باب الشقة، لما فتحوها، ملقوش فيها هدوم، لقوا فيها أوراق عقارات كتير، ودفاتر شيكات باسم مريم، والأغرب.. تلات جوازات سفر مزورة، واحد لمصطفى، وواحد لنهى، وواحد تالت باسم طفل تاني خالص ملوش أي علاقة بياسين!
الظابط حسام ساب التحقيق ونزل بنفسه للمستشفى عشان يسمع أقوال مريم. لما وصل، لقاها قاعدة جنب سرير ياسين اللي كان نايم والأجهزة متوصلة بجسمه الصغير. حسام قرب منها وقال بنبرة هادية: “مدام مريم.. أنا الظابط حسام المسؤول عن القض/ية، جوزك بينكر كل حاجة وبيقول إنك أنتِ اللي حطيتي السم في الملوخية عشان تتهميه.”
مريم بصت للظابط بعيون حمرا من كتر العياط وقالت: “هو اللي عمل كدا يا فندم، بقاله شهور بيتغير، الديون زادت عليه، وكان بيجري ورا أوراق البيت اللي أبويا كتبهولي قبل ما يموت، هو ونهى كانوا متفقين يخلصوا مننا.”
الظابط حسام طلع كيس بلاستيك شفاف فيه جوازات السفر المزورة وحطه قدامها: “طب تعرفي إيه عن الجوازات دي؟ ومين الطفل اللي صورته مع جواز السفر التالت ده؟”
مريم بصت للجوازات، وفجأة عينيها وسعت من الصدمة، لدرجة إنها حطت إيدها على بقها عشان تمنع صرخة رعب ثانية.. الطفل اللي في الصورة كان شبه ياسين بالملي، بس مكنش ياسين! الاسم المكتوب كان “آدم مصطفى عبد العزيز”.
مريم همست برعب: “مصطفى ملوش أخوات.. ومفيش حد في عيلتنا بالاسم ده.. ده مين؟”
قبل ما الظابط يرد، تليفون مريم اتهز في إيدها تاني، نفس الرقم المجهول بعت رسالة نصية قصيرة: “بصي برة الشباك بتاع الأوضة دلوقتي حالا.”
مريم قامت بسرعة وراحت ناحية شباك الغرفة اللي بيبص على الشارع الخلفي للمستشفى، الشارع كان ضلمة وفاضي، مفيش فيه غير عربية سودا مركونة تحت شجرة، كشافات العربية نورت مرتين ورا بعض كأنها إشارة، وبعدها اتقفلت. التليفون رن، مريم فتحت الاسبيكر والظابط حسام قرب ودنه بسرعة يسمع.
الصوت المكتوم قال: “الظابط اللي عندك في الأوضة مش هيحميكي، مصطفى مش مجرد جوزك الديون كبس عليه، مصطفى شغال مع شبكة دولية لتهريب خطيرة، والشنطة اللي معاهم فيها عقود بيع أعضاء وأوراق أطفال تم تهريبهم برة البلد.. الطفل اللي في الجواز ده هو البديل.. هما كانوا هيق/تلوا ياسين، وياخدوا شهادة وفاته، ويطلعوا بالطفل التاني برة مصر على أساس إنه ياسين بعد ما يغيروا ورقه، عشان يهربوا من ج/ريمة تانية أكبر!”
مريم صرخت: “أنت مين؟! قولي أنت مين؟”
الصوت ضحك ضحكة باردة: “أنا اللي مصطفى غدر بيه وأخد مكانه في العملية.. لو عايزة ابنك يفضل عايش، ومصطفى ميتطلعش براءة بكره الصبح من النيابة، لازم تخرجي من المستشفى حالا، وتجيب الهارد المخفي ورا عداد الكهرباء القديم اللي في مدخل بيتكم.. الهارد ده عليه كل أسماء الشبكة والفيديوهات.. لو الشرطة جابته، مصطفى حبل المشنقة هيلف حوالين رقبته.. لو مجبتهوش، مصطفى هيخرج بكفالة، وأول حاجة هيعملها.. هيدفنك صاحية أنتِ وابنك.”
الخط قطع تماماً، والمرة دي الرقم اتفصل ومبقاش متاح.
الظابط حسام بص لمريم ووشه اتغير بالكامل، الموضوع اتقلب من مجرد ق/ضية تسميم عائلية لق*ضية أمن دولة وشبكة تهريب دولية. حسام قال بسرعة: “مدام مريم، أنتِ مش هتحركي من هنا، أنا هبعت قوة حالا تفتش عند عداد الكهرباء وتجيب الهارد ده.”
مريم هزت راسها بالموافقة وهي بتترعش، بس جواها مكنش مطمن، مصطفى ذكي، ولو حس إن الهارد ده هيتجاب، أكيد عامل حسابه.
مرت ساعتين، الفجر بدأ ييطلع، والشمس بدأت تشق ضلمة الليل. مريم كانت قاعدة جنب ياسين، ولمست جبهته لقتها بدأت تبرد والحرارة تنزل، بدأت تتنفس الصعداء، لكن فجأة، الباب اتفتح ودخل ممرض لابس كمامة ومطأطأ راسه، وفي إيده حقنة غريبة لون السائل اللي فيها مائل للاصفرار.
الممرض قرب من المحلول بتاع ياسين وقال بصوت واطي: “العد التنازلي بدأ يا مريم.”
مريم اتنفضت من مكانها: “أنت مين؟ بتعمل إيه؟”
الممرض رفع عينه.. مكنش ممرض! ده كان واحد من رجالة مصطفى، عينيه كانت حادة وشريرة، طلع مطواة صغيرة من جيبه ووجهها لرقبة مريم وهو بيهمس: “الهارد اللي الظابط راح يجيبه؟ مصطفى باعت رجالة يخلصوا على القوة هناك، والهارد زمانه في إيدنا دلوقتي.. والحقنة دي فيها الموت السريع لياسين، لو نطقتي بكلمة واحدة، هفرغها في المحلول بتاعه قدام عينيكي، وهدبحك وراه.”
مريم حست إن الأكسجين هرب من الأوضة، الدنيا اسودت في عينيها، مفيش ظابط، مفيش نجدة، مصطفى دراعه طويل وقدر يوصل لقلب المستشفى!
الراجل قرب الحقنة من كيس المحلول، والسن لمس البلاستيك، ومريم وقفت مشلولة، دموعها بتنزل وصوتها مكتوم من الرعب، والولد الصغير بيتحرك ببطء على السرير كأنه حاسس بالمصيبة اللي بتقرب منه.
وفي نفس اللحظة، صوت الموبايل بتاع الراجل رن، الراجل مكنش عايز يرد، بس الرقم كان خاص بمصطفى من جوه الحجز! الراجل فتح الخط بسرعة وهو عينه على مريم: “أيوة يا باشا.. أنا هخلص عليه حالا..”
لكن الصوت اللي طلع من الناحية التانية مكنش صوت مصطفى.. كان صوت الظابط حسام، بس صوته كان مليان ثقة وشماتة: “سلم نفسك يا روح أمك.. الهارد معايا بقاله نص ساعة، والكمين اللي مصطفى كان عامله لرجالتنا وقع، ومصطفى لسه مضي على اعتراف كامل بعد ما شاف رجالته وهم بيتقبض عليهم واحد ورا التاني.. ارمي الحقنة وارفع إيدك، الأوضة محاصرة!”
الراجل وشه اتقلب، عينه زاغت، وبص للشباك وبص لمريم، وحس إن اللعبة انتهت، رمى الحقنة على الأرض وجري ناحية الشباك عشان ينط، بس الباب انضرب بالرجل ودخلت قوة من المباحث وكلبشوه في ثواني.
مريم وقعت على الأرض وهي بتنهج، مش مصدقة إن الكابوس ده خلص، الظابط حسام دخل الأوضة ومعاه علبة قطيفة صغيرة، قرب من مريم وسندها تقوم وقال لها: “الحمد لله، كل حاجة انتهت، مصطفى ونهى والشبكة كلها وقعت.. الهارد ده كان فيه بلاوي، وياسين بقى في أمان.”
مريم خدت نفس عميق، وبصت لياسين اللي بدأ يفتح عينه ببطء ويقول: “ماما.. أنا جعان.” مريم ابتسمت وحضنته وهي بتعيط من الفرحة، حست إن الروح ردت فيها وفي ابنها من جديد، وإن البيت اللي انقفل عليه باب الرعب اتفتح فيه باب الحياة مرة تانية.
الظابط حسام استأذن وخرج عشان يكمل الإجراءات، ومريم قعدت على الكرسي جنب السرير وهي بتمسح دموعها. الغرفة بقت هادية، والمسعفين والأطباء اطمنوا على ياسين تماماً وقالوا إنه يقدر يخرج بكره الصبح. مريم مسكت تليفونها عشان تطمن أهلها، وبدأت تمسح الرسائل القديمة عشان تنسى الليلة السودة دي باللي فيها.
وهي بتمسح، لقت رسالة جديدة وصلت من ثواني.. من نفس الرقم المجهول!
مريم جسمها اتلج تاني، فتحت الرسالة بـإيد بتترعش.. المكتوب في الرسالة طير النوم من عينها وخلى قلبها يقف تماماً:
“مصطفى والشبكة بتاعته مجرد عرائس خشب كنا بنحركها يا مريم.. الهارد اللي مع البوليس دلوقتي؟ ده النسخة المزورة اللي أنا سبتهالهم عشان أقفل الق/ضية وأخلص من مصطفى للآبد.. الهارد الحقيقي اللي فيه أوراق البيت بتاعك، والورث اللي أبوكي سابهولك، وفيه اسم الشخص الكبير اللي كان بيشغل مصطفى.. معايا أنا.
أنا مش غدرت بمصطفى عشان سواد عيونك.. أنا أخدت مكانه في كل حاجة.. حتى في حياتك.
بصي وراكي.. هتلاقيني واقف في الممر مستنيكي تخرجي.”
مريم لفت راسها ببطء ورعب وهي بتبص لـ زجاج الباب بتاع الأوضة.. شافت خيال طويل واقف في الممر الضلمة، لابس كاب، وبيبص عليها، وفجأة.. الموبايل نور في إيده، وبعت رسالة أخيرة:
“القصة مخلصتش يا مريم.. دي يلا دوب بدأت.”
