كدبة امي حكايات انجى الخطيب

كنت فاكر إن مراتي متبنجة ومش بتعرف تتحرك .. كانت دايماً بتقلل من شكل الكدمات اللي في معصم إيديها وتقولي “أنا اتخبطت في حاجة بسيطة مفيش حاجة” بعد كده كاميرا المطبخ ورتني أمي وهي بتعصر معصم إيديها وبتوشوشها “إياكي ابني يعرف”….
أنا شغلت الفيديو تلات مرات واللي خلي دمي يتجمد مش بس اللحظة دي لا ده أنا استوعبت من الطريقة اللي مراتي حتى ماتهزتش فيها من الكلام ده إن الموضوع ده حصل قبل كده كاميرا المطبخ كان فيها خروشة خفيفة في الصوت من النوع اللي مابتلاحظوش غير لما الأوضة تكون هادية زيادة عن اللزوم ورا آية كان حوض المواعين شغال ومية رفيعة بتنزل على طبق في الوقت اللي كان فيه نور بعد الظهر خابط في باب الثلاجة وكيس الطلبات هبطان على الرخامة بعد كده إيد أمي اتقفلت على معصم إيد مراتي وكل جوازي اتغير في ظرف عشر ثواني كنت فاكر آية مخبية عليا حاجة مالهاش مغفرة بس زمان كنت بعديها بشكل عقلاني عشان ده كان بيطلب مني مجهود أقل انتباه أقل شجاعة أقل ومكنتش الزوج اللي كان المفروض أكونه آية دايماً كان بيبقى عندها مبرر قبل حتى ما ألحق ألاحظ كانت بتقول اتخبطت في سبت الغسيل او في الرخامة أو اتخبطت في باب الخزين وأنا بجيب الطلبات أو اتزحلقت وأنا شايلة أكياس كتيرة من العربية … العلامات مكنتش ظاهره أبداً مكنتش من نوع الكدمات الواضحة كانت ضلال صغيرة تحت الجلد أزرق بيقلب لأصفر وأصفر بيختفي خالص وبعدين يرجع تاني بعد أسبوع وزي ما يكون سر البيت بيفضل يتنفسه ويرجعه تاني أنا شفتهم بس مكنتش بسأل الأسئلة الصح….
أنا اسمي كريم التوني عندي تسعة وتلاتين سنة وبدير فريق عمال عزل وأسقف وبنيت حياتي كلها على إني ألاحظ الخطر في بيوت الناس التانية قرميد سايب ألواح خشب طرية بقع مية لحامات باظت خطوة واحدة غلط على السطح وممكن الراجل يقع وفي البيت فوت الحاجة اللي بتحصل تحت سقفي أنا….
أمي هدى كانت عايشة في المساحة الخطر دي اللي الناس بتسميها حب مساعدة كانت بتعدي علينا بصواني أكل وتطبق الفوط بطرق آية مابتطقهاش وتعيد ترتيب الإدراج وتنتقد أنواع السلع وتعدل في الوصفات وتسمي ده بيت عيلة وكل ما كنت بضغط عليها كانت بتبان مكسورة أنا ربيتك أحسن من كده يا كريم فكنت بتتنهد وأعدي الموضوع وأقول لآية ماما نيتها خير….
آية كانت بتبتسم بسرعة أوي وتقول تمام كنت فاكر إن ده معناه سلام دلوقتي أنا عارف إن ده كان معناه محاولة نجاة إنذار الكاميرا جه الساعة اتنين وسبعتاشر دقيقة الظهر يوم تلات وأنا راكن برة موقع شغل وباكل سندوتش من البنزينة على رجلي عشان العمال كانوا متأخرين عن الجدول والمطرة كانت جاية من ناحية الغرب تم رصد حركة المطبخ فتحته وأنا مش متوقع حاجة ممكن ديلفري بيسلم حاجة وممكن أمي بتنقل مجات القهوة بتاعتنا تاني بدل كده شفت آية عند الحوض ببلوزتها اللبني الفاتح وكمامها مشدودة لتحت على معصم إيديها الاتنين مع إن المطبخ كان باين دافي كانت بتشطف الأطباق وضهرها لورا شبه لافف للأوضة أمي كانت واقفة وراها قريبة أوي دي كانت أول حاجة حسيت إنها غلط مش كلامها لسه مش دلوقتي المسافة…
امي دايماً كانت ست بتملك أي مكان بتدخله مكنتش بتقف قريبة من حد كانت بتحط نفسها في مكان يخلي الناس تضطر تتحرك من حواليها بس ده كان مختلف كانت حاشرة آية في الرخامة كتاف آية كانت مرفوعة قريبة من ودانها وراسها كانت مايلة لتحت شوية بنفس الطريقة اللي بتميل بيها راسك لما بتكون بتحاول متمسكش ودانك بحاجة بس مش قادر تمشي بعد كده إيد أمي اتمدت بسرعة مسكت معصم إيد آية مش لمسة مش خبطة تحذير دي قفشة جسم آية كله اتهز بس لنص ثانية بس ده اللي كسرني بعدين أول ما قدرت أتنفس تاني هي متنفضتش بعيد زي حد مخضوض من أول غلطة هي ثبتت زي حد عارف القواعد أمي مالت قريبة ووشوشتها بشكل واضح كفاية عشان مايك المايك الصغير الرخيص بتاع الكاميرا يلقط كل كلمة إياكي ابني يعرف…
أنا برقت 😲 لحد ما شاشة تليفوني اسودت بعد كده….
شغلت الفيديو تاني وتاني وتالت مرة مكنتش بتفرج على أمي كنت بتفرج على آية عينيها قفلت مرة واحدة بس مش من المفاجأة من الاستعداد وزي ما يكون الوجع بقى خلاص متعودة علية إيه دي كانت اللحظة اللي القطع القديمة بدأت تتحرك فيها جوة دماغي الطريقة اللي آية كانت بتسكت بيها أول ما أمي تدخل الأوضة الطريقة اللي بطلت بيها تلبس غوايش وأساور مع إنها كانت بتموت فيها الطريقة اللي كانت بتضحك بيها على كل علامة قبل ما ألحق أقرب كفاية عشان أشوفها بوضوح الطريقة اللي أمي دايماً كانت بتعرف تلاغيها وتنفرد بيها وأنا في الشغل رجعت لأرشيف الكاميرا وإيديا كانت سقعانة لدرجة إني كنت بالعافية بعرف أدوس على الشاشة كان فيه فيديوهات تانية مش واحد مش اتنين كفاية عشان يخلوني قاعد في عربيتي النص نقل والسندوتش ملمستوش وجزمتي بتاعة الشغل مغروزة في دواسة الأرض زي ما أكون بحاول موقعش علي الأرض أمي وهي بتسد الطريق على آية عند الثلاجة وبتضحك وهي بتعمل كده أمي وهي بتخبط المعلقة من إيد آية جامد لدرجة إنها رنت تحت التربيزة أمي وهي بتقرص الجلد الطري جوة ذراع آية وهي بتعمل نفسها بتمد إيدها تجيب فوطة المطبخ وفي كل مرة آية كانت بتصغر نفسها بعد كده مكنتش بتحارب مكنتش بتصرخ كانت بتنظف وتفرد وشها وتكمل وكأن السكوت هو الإيجار اللي بتدفعة عشان تقعد في بيتها أنا كنت برجع لبيت مترتب و مطبخ نظيف العشا بيسخن…
أمي فرفوشة ومراتي حريصة وأنا افتكرت الحرص ده هدوء والحقيقة مقرفة كنت عايز أكلم آية بعد كده كنت عايز أكلم أمي بعد كده معملتش الاتنين عشان المكالمة هتدي حد وقت يجهز كدبة فسوقت للبيت الطريق من موقع الشغل لمنطقتنا عمري ما حسيته طويل كده كل إشارة حمراء بقت حاجة شخصية كل حاجة عادية برة الإزاز كانت باينة مستفزة في طبيعتها أتوبيس مدرسة بيتحرك من على الرصيف راجل بيقص النجيل علم صغير بيترفع على بوابة بيت مع الهواء إيديا فضلت مكلبشة في الدريكسيون فضلت سامع صوتي من كل الشهور دي ماما نيتها خير فوتيلها وهي بتزهق آية في عيشتها….
مكنتش محتاجاني أشرح لها هي كانت محتاجاني عشان أصدق بس خافت تتكلم واختارت السكوت…..
اول ما دخلت صوتهم كان جاي من المطبخ صوت أمي كان واطي وحامي صوت آية كان بالعافية طالع بعد كده امي قالت اضحكي أول ما يدخل وإلا هبقى عارفة بالظبط هقول إيه أول حاجة جسمي ثبت عشان الجملة دي…
بدأت احس إن الكدمات مكنتش الحكاية كلها و إن مراتي مكنتش بتخبي حوادث هي كانت بتحاول تنجو من تهديدات دخلت المطبخ وتليفوني في إيدي والفيديو كان جاهز وشغال وأمي لفت ناحيتي وهي حاطة نفس الابتسامة الهادية اللي بتستخدمها في لمت عزومات العيلة آية شافت وشي كل الدم هرب من وشها دخلت و دوست تشغيل بس رد فعل امي اللي طلع منها صدمني واللي قالتة عن مراتي صدمني اكتر وحسيت ان الدنيا بتلف بيا …….
………..
أمي لفت وشها ليّ، الضحكة المرسومة على بوقها اختفت في ثانية لما شافت عيني، ملامحها اتمسحت وبقت حتة خشبة. بصت للتليفون اللي في إيدي، وصوت خروشة ميكروفون الكاميرا كان طالع من السماعة بوضوح، صلوش المية الرفيع، وصوتها هي وهي بتقول: “إياكي ابني يعرف”.
​آية سابت الطبق من إيدها، وقع في الحوض عمل رنة عالية، رجعت خطوة لورا وضهرها خبط في الرخامة، عينيها كانت بتتحرك بيني وبين أمي وزي ما تكون بتدور على حتة تستخبى فيها، شفايفها كانت بتترعش بس مكنتش بتنطق.
​أمي مقربتش مني، مأظهرتش أي علامة خوف، بالعكس، دي حطت إيدها في وسطها، ووشها اتحول لبرود غريب، وقالت بصوت ناشف وحاد:
​إنت بتجسس عليا في بيت ابني يا كريم؟ بقى بتشغل عليّا كاميرات عشان خاطر دي؟
​أنا صوتي مكنش طالع، كنت حاسس إن السقف اللي قعدت سنين أصلحه للناس، بيقع كله فوق دماغي أنا. رفعت التليفون وقربته من وشها:
​دي؟ دي مراتي! إنتي كنتي بتعملي إيه في المطبخ؟ إنتي كنتي بتمدي إيدك عليها ليه؟! أنطقي!
​أمي ضحكت، ضحكة قصيرة ومقرفة، من غير أي ندم، وبصت لآية بنظرة كلها غل، وبعدين لفت لي وقالت وهي بتقدم خطوة وثقتها في نفسها تقطع النفس:
​عشان هبلة ومغفلة، وكنت بلم وراها عشان بيتك ميتخربش. اسألها كده.. قولها أمي كانت بتوشوشك بتقولك إيه؟ قولها مين اللي مقضياها مقابلات ومكالمات من وراك؟
​الدنيا لفت بيا بجد، النور اللي كان خابط في باب الثلاجة حسيت إنه بيتحرك بسرعة وبيتعب عيني. بصت لآية، لقيت وشها ميت، أبيض زي الورقة، وبتهز راسها يمين وشمال برعب. أمي كملت وهجومها زاد، وصوتها بقى أعلى:
​الهانم اللي إنت قالب الدنيا عشانها، كانت بتظبط مع طليقها يا سي كريم! كانت بتتحايل عليه يرجع لها ولما رفض وبدأ يهددها إنه هيقولك، جات تعيطلي وتتمسح فيا عشان أحل لها المصيبة! الكدمات دي؟ دي مكان ما كنت بمسكها وأفوقها لما كانت بتقعد تصرخ وتقولي هتموت نفسها لو إنت عرفت! أنا كنت بحمي بيتك يا فالح.. كنت بقولها إياكي ابني يعرف عشان قلبك ميتكسرش، عشان شكلك قدام الناس يا باشمهندس!
​الكلام كان بينزل عليا زي المية الساقعة في عز الشتا، مش قادر أستوعب. بصت لآية وصوتي طلع مبحوح، طالع من حتة غريقة جوة صدري:
​آية.. الكلام ده صح؟ أمي بتقول إيه؟
​آية حطت إيدها على بوقها وكأنها بتمنع نفسها تصوت، دموعها نزلت مرة واحدة، ووقعت على ركبها في أرض المطبخ، مسكت في رجلي وهي بتترجاني بصوت مخنوق بالبكاء:
​كدب.. والله العظيم كدب يا كريم! هي اللي كانت بتهددني.. هي اللي شافت طليقي بالصدفة في السوق وبدأت تتبلى عليا.. قالت لي لو مطلبتيش الطلاق من كريم وسبتيله البيت هقوله إنك بتخونيه وهخليه يرميكي رمية الكلاب وميشوفش وشك تاني.. هي اللي كانت بتعمل فيا كده عشان تطفشني! والله العظيم أنا ما عملت حاجة.. أنا كنت بخاف منها.. كنت بخاف تصدقها وتطلقني!
​أمي زعقت فيها وهي بتبعدها برجليها:
​بتكذبي يا فاجرة؟ طب وريه الرسايل اللي على تليفونك القديم اللي مستخبي تحت السرير! وريه السكرين شوتس اللي معايا على تليفوني!
​أنا بقيت واقف في النص، ببص لأمي اللي ملامحها مليانة شر غريب عمري ما شفته فيها قبل كده، وببص لمراتي اللي منهارة تحت رجلي وبتموت من الرعب. الحقيقة كانت تايهة في النص، والبيت اللي كنت فاكره أمان، طلع مبني على أرض بتتحرك، وخطوة واحدة بس زيادة.. كانت كفيلة تخلي حياتي كلها تتهد فوق نفوخي.
……….
أمي طلعت تليفونها من جيب العباية وبكل ثقة جابت صور لرسايل ورفعتها في وشي. عيني زغللت وأنا بقرا كلام متقطع، رسايل قديمة من رقم غريب، بس الكلام كان فيه توسل ومواعيد.
​بصيت لآية اللي كانت لسه في الأرض، ملامحها وهي بتعيط وتترعش مكنتش ملامح واحدة بتكذب، كانت ملامح حد مفروم. سحبت نفسي لورا خطوتين، برود أمي المرعب وخوف آية المبالغ فيه خلوني أحس إن البيت ده كله فيه رطوبة وشرخ أساسات مكنتش شايفه.
​وقفت في النص، شاشات التليفونات منورة في المطبخ، وصوت المية الرفيع في الحوض لسه شغال بيزن في ودني. آية زحفت على الرخامة وقامت وقفت، مسحت دموعها بكم البلوزة اللبني، ووشها فجأة اتقلب من الرعب لجمود غريب، وزي ما يكون الخوف لما بيزيد عن حده بيتحول لانتحار.
​آية بصت لأمي وقالت بصوت واطي بس حاد زي الموس:
​وريه التواريخ يا حماتي.. وريه الرسايل دي مبعوتة امتى.
​أمي إيدها اتهزت ثانية، وحاولت تسحب التليفون، بس أنا قفشت معصم إيد أمي. لأول مرة في حياتي أمد إيدي وأمسك أمي بالناشف ده. أخدت التليفون منها وبصيت على تاريخ الرسايل. الرسايل كانت من خمس سنين.. من قبل ما أتجوز آية بسنة كاملة، وقت ما كانت لسه بتنهي حوار طلاقها الأولاني وتلم حاجتها.
​آية ضحكت بوجع وقالت وهي بتبصلي:
​الرسايل دي كانت معايا على تليفوني القديم اللي مامتك سرقته من دولابي من سنة.. من يومها وهي ماسكاني من إيدي اللي بتوجعني.. بتقولي هوريهم لك وأقوله إنها لسه بتكلمه دلوقتي بعد الجواز.. وهعدل في التواريخ بالفوتوشوب.. كانت كل ما تزهق مني أو تلاقيني مبسوطة معاك، تزنقني في المطبخ وتسمعني الكلام ده وتغرز ضوافرها في إيدي وتقولي “إياكي ابني يعرف.. عشان لو عرف هرميكي في الشارع”.
​أمي سحبت إيدها مني بعنف، ووشها احمر، وبصت لي وهي بتحاول تلم الليلة بالوش التاني:
​إنت هتصدق الصايعة دي عليا يا كريم؟ أنا أمك! أنا اللي ربيتك وتعبت فيك! دي واحدة كانت متجوزة قبلك وجاية تلعب بيك!
​أنا حسيت بـ طوبة خرسانة نزلت على صدري. لفيت تليفوني وشغلت فيديو الكاميرا تاني.. وجبت اللقطة اللي أمي كانت بتخبط فيها المعلقة من إيد آية، واللقطة التانية وهي بتقرصها في دراعها. وبصيت لأمي في عينها:
​الرسايل دي من خمس سنين يا أمي.. يعني قبل ما تدخلي بيتي أصلاً وتفتشي في دواليبنا. طب ودي؟ دي مبررها إيه؟ الكدمات دي مبررها إيه؟ الضرب والقرص والتهديد في بيتي وتحت سقفي مبرره إيه؟!
​أمي ملامحها اتغيرت، الوجع المصطنع والكسرة اللي كانت بتعملهم زمان عشان أقول “ماما نيتها خير” ملقوش مكان في وشي. لما لقتني واقف زي الحيطة السد، عينيها ضاقت، وبخست سمها كله مرة واحدة:
​مبررها إني مبحبهاش! ومكنتش عايزاك تتجوزها! وكنت عايزاها تطهق وتغور في داهية عشان تاخد واحدة من توبنا! بس هي اللي لزقة.. بتستحمل الضرب والإهانة وساكتة عشان عارفة إن مالهاش حتة تروحها!
​المطبخ فجأة بقى ضلمة، رغم إن نور بعد الظهر كان لسه خابط في باب الثلاجة. بصيت لآية، اللي كانت واقفة سانة ضهرها على الحوض، عينيها كانت بتلمع بدموع بس فيها نظرة انتصار حزينة.. نظرة حد بقاله سنين مدفون حي والنهارده بس الشمس طلعت عليه.
​لفيت وشي لأمي، شورت لها على الباب وإيديا كانت بترتعش من كتر الغضب المكتوم:
​اطلعي برة يا أمي. اطلعي برة وبيتي ده عتبته متبوسيهاش تاني لحد ما أموت.
​أمي بصت لي بنظرة ذهول، مكنتش متوقعة إن “كريم” اللي دايماً بيعدي ويطبطب هيقف الوقفة دي. لمت شنطتها وعليت راسها لفوق بكبرياء ملوش أي معنى، ومشت وهي بتهبد الباب وراها لدرجة إن البيت كله اتهز.
​أول ما الباب اتقفل، المطبخ رجع هادي زيادة عن اللزوم. قفلت حوض المواعين فـ الصوت وقف تماماً. لفيت لآية، كانت لسه واقفة مكانها. قربت منها بالراحة، ومديت إيدي، ومسكت معصم إيديها الاتنين.. المرة دي مكنتش قفشة، ولا تهديد، رفعت كمام البلوزة اللبني الفاتح بالراحة، وبست الضلال الزرقا الصغيرة اللي تحت الجلد.. وأنا حاسس إن عمري كله بيضيع في تنهيدة ذنب مش عارف هكفر عنها إزاي.
………
آية سحبت إيدها بالراحة من بين إيديا، بس مكنتش خايفة مني، كانت زي ما تكون بتفوق من كابوس طويل ومش مصدقة إنها صحيت. بصت في عيني وسألتني بصوت حنين ومكسور في نفس الوقت:
​إنت صدقتني يا كريم؟ بجد صدقتني؟
​أنا مكنتش قادر أنطق، الكلمة وقفت في زوري زي اللقمة الناشفة. هزيت راسي وأنا ببلع ريقي بالعافية، وشدتها لحضني. آية م عيطتش، هي رمت حملها كله عليا، وسمعت صوت تنهيدتها الطالعة من ضلوعها، وزي ما تكون كانت شايلة جبل ووقع مرة واحدة.
​فضلت حاضنها وأنا عيني جاية على كيس الطلبات الهبطان على الرخامة، وعلى المطبخ اللي شهد على سيناريو رعب اتعرض قداكي سنين وأنا كنت زي الأطرش في الزفة. كنت مدير فريق عمال بيصلح شروخ بيوت الناس، وبيت ومستقبل مراتي كان بيتشق نصين قدام عيني وأنا بقول “معلش أصل ماما نيتها خير”.
​خرجت من حضني وبصت لي وهي بتمسح وشها:
​أنا مكنتش عايزة أخرب البيت يا كريم.. مامتك كانت دايماً بتقولي إنك لو عرفت القديم والجديد هتصدقها هي، وهتقول عليا بتبلى عليها.. إنت كنت دايماً بتيجي صفها.
​أنا آسف يا آية.. أنا اللي كنت أعمى.
​أنا أخدت تليفونها القديم وتليفوني، وقعدت على كرسي السفرة، وبدأت أمسح كل حاجة. مسحت الفيديوهات اللي على الكاميرا بعد ما اتأكدت إن الحقيقة واضحة زي الشمس. مكنتش عايز أشوف وش أمي تاني في الكادرات دي، كنت عايز أنظف بيتي من الأثر ده.
​في اليوم ده، الشمس غابت والبيت هدي بطريقة تانية، هدوء مكنش فيه خوف ولا ترقب لخطوة رجل أمي وهي داخلة من الباب. آية دخلت غيرت بلوزتها اللبني، ولأول مرة من شهور، أشوفها لابسة كم قصير جوة البيت، من غير ما تخبي معصم إيدها، ومن غير ما تدور على مبرر للكدمات اللي بدأت تدبل وتختفي، ومعاها بيختفي سر البيت اللي كتم أنفاسنا سنين.
…………
فات أسبوع على اليوم ده، البيت كان هادي هدوء غريب، هدوء حقيقي لأول مرة من يوم ما اتجوزنا. الشغل في الموقع مكنش مخليني مركز، كنت بقف وسط العمال وعيني على السقالات والأسقف، بس دماغي جوه المطبخ، مع صرخة آية المكتومة ونظرة أمي.
​تليفوني رن، كان رقم أختي الكبيرة، ميرفت. سحبت نفس طويل ورديت وأنا ساند ضهري على باب العربية النص نقل:
​أيوة يا ميرفت.
​صوتها جه حامي ومليان عتاب، من النوع اللي يخليك تحس بالذنب قبل حتى ما تسمع الحكاية:
​إيه يا كريم؟ بقيت تقسي قلبك على أمك وتطردها من بيتك عشان خاطر حتة عيلة؟ أمك متبهدلة وقاعدة تعيط وتقول ابني رماني وصدق الغريبة عليا! إنت جرى لمخك إيه يا ابن أبويا؟
​أنا ملمحتش أي نبرة مفاجأة في صوت ميرفت، وفي ثانية فهمت.. أمي مكنتش بتلعب اللعبة دي لوحدها، أو على الأقل، كانت غاسلة دماغ العيلة كلها بـ حكاية “آية وطليقها” من زمان عشان تأمن نفسها لو الليلة اتكشفت.
​ضحكت بمرارة، ضحكة خلت ميرفت تسكت شوية مستغربة، وقلت لها بصوت هادي بس ناشف زي الحديد اللي بنصب بيه الخرسانة:
​ميرفت، أمك كانت بتمد إيدها على مراتي في بيتي. أمك كانت بتخنقها وتهددها وتتبلى عليها بحاجات من خمس سنين فاتوا وسرقت تليفونها.. أنا شفت ده بعيني في الكاميرات، صوت وصورة.
​ميرفت سكتت خالص، الصوت قطع للحظات، وبعدين قالت بلجلجة:
​ما.. ما يمكن كانت بتأدبها يا كريم؟ إنت عارف أمك بتغير عليك ومبتطقش تشوف حاجة غلط، وبعدين آية ماضيها برضه..
​قطعت كلامها وزعقت لأول مرة في التليفون لدرجة إن العمال في الموقع لفوا بصوا لي:
​ماضيها ده قبل ما تبقي مراتي! وأنا اللي اتجوزتها وعارف كل حاجة! أمك مكنتش بتأدب، أمك كانت بتهد بيتي.. قولي لها كريم بيقولك بيته ملوش عتبة تانية ليكي، واللي هسمع إنه جاب سيرة مراتي بنص كلمة، هقطعه من حياتي زي ما قطعت الورم ده.
​قفلت السكة في وشها وعملت بلوك للرقم. إيديا كانت بترتعش، بس المرة دي مكنش خوف، كان غضب بينظف كل الركام القديم اللي كنت سيبته يتركم فوق سقف بيتي.
​رجعت البيت الساعة ستة المغرب. فتحت الباب بالراحة، مكنش فيه ريحة طبيخ غريب، ولا مواعين مكركبة، ولا التوتر اللي كان بيبقى مالي الجو أول ما أدخل وألمح نظرة رعب في عين آية.
​المطبخ كان رايق، ونور المغربية الاحمر الخفيف كان قالب الأوضة دفا. آية كانت واقفة عند الحوض، مش لافة ضهرها ومحشورة في الرخامة، كانت واقفة براحتها، مشغلة راديو صغير على أغنية هادية، وبتغسل فاكهة.
​لما سمعت خطوتي، لفت وشها لي. الابتسامة المرة دي مكنتش سريعة ولا مصطنعة عشان النجاة، دي كانت ابتسامة حقيقية، عينيها كانت بتضحك قبل بوقها.
​قربت منها، حطيت مفاتيح الشغل على الرخامة، ومسكت كفوف إيدها بالراحة. الضلال الزرقا كانت بدأت تقلب لأصفر دبلان، بس الجلد مكنش مشدود ولا مرعوب. بصيت في عينها وقلت لها:
​العيلة دي مفيش حد منهم هيدخل هنا تاني يا آية.. البيت ده بتاعنا إحنا وبس، ومحدش ليه سلطة عليكي طول ما أنا بتنفس.
​آية مالت براسها على صدري، وإيدها الاتنين لفت حوالين وسطي، وحسيت بنبض قلبها منتظم وهادي. لأول مرة أحس إني مدير فريق بجد، وإني عرفت أصلح الشرخ الأهم في حياتي، قبل ما السقف يقع ويموتنا إحنا الاتنين.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *