ابن زعيم المافيا

زعيم المافيا قبل ما يدخل أوضة ابنه في المستشفى بدقائق، كان مستعد يهد الدنيا لكن اللي شافه جوه جمّده مكانه.
الساعة 307 الفجر.
أوضة 412 في قسم الأطفال كانت ريحتها خليط من المطهرات والقهوة المحروقة والخوف.
عمر الدسوقي فتح الباب بعنف لدرجة إن الحيطة اتهزت.
مسدسه كان في إيده.
ورجالته ماليين الممر وراه.
كان داخل مستعد يلاقي قتلة.
أو عصابة منافسة.
أو حتى عملية خطف كاملة لابنه.
لكن اللي لاقاه
كانت عاملة نظافة.
واقفة قدام سرير ابنه الصغير.
ماسكة عصاية مكنسة مكسورة بإيديها الاتنين كأنها رمح.
الدم نازل من جرح فوق حاجبها.
نازل على خدها.
وبيقطر على أرضية المستشفى البيضا.
يونيفورم الشغل الأزرق بتاعها كان مليان تراب وآثار دم.
ونفسها طالع نازل بعنف.
وعينيها مليانة خوف وغضب.
لكنها ما اتحركتش.
بصت له وقالت بصوت متقطع
قرب خطوة كمان
وأقسم بالله هغرس العصاية دي في رقبتك.
لأول مرة من سنين
عمر الدسوقي وقف مكانه.
جهاز مراقبة النبض جنب السرير كان لسه بيصدر صوته المنتظم.
أما آدم ابنه
فكان نايم من غير وعي تحت بطانية زرقا فاتحة.
وقناع الأكسجين مغطي وشه الصغير.
وفي إيده محاليل متوصلة.
واحدة منهم كانت اتشالت واتثبتت تاني بإيد حد واضح إنه متوتر
بس فاهم هو بيعمل إيه.
صابع عمر بعد عن زناد المسدس.
وقال
إنتِ مين؟
الست بلعت ريقها بصعوبة.
ومسحت الدم اللي دخل عينها.
وقالت
أنا الشخص اللي منع الراجل اللي كان جاي يكمّل اللي بدأه.
وراه مباشرة دخل فارس مساعده.
ورفع سلاحه.
وقال
باشا سيبني أفتش الأوضة.
عمر رد فورًا
لأ.
وهو لسه مركز عينيه عليها.
محدش يتحرك.
بص حوالين الأوضة بسرعة.
عربية الطوارئ متزقوقة جنب الباب.
سرنجة مكسورة جنب الشباك.
وورق واقع على الأرض.
كل حاجة كانت بتحكي قصة واضحة.
حد كان جاي يقتل ابنه.
والست دي
واجهته لوحدها.
أنزل عمر مسدسه ببطء.
وقال
الولد

ده ابني.
حاجة اتحركت في ملامحها.
صدمة.
ثم استيعاب.
ثم خوف.
قال
أنا عمر الدسوقي.
في اللحظة دي
العصاية بدأت تتهز في إيديها.
وكتافها وقعت.
والأدرينالين اللي كان مخليها واقفة اختفى مرة واحدة.
ورجليها خانتها.
قبل ما تقع
عمر لحقها.
مسكها بين إيديه.
ومن قرب
لاحظ إنها أصغر مما كان متخيل.
كلها إرهاق وقوة مكسورة.
هدومها متشبعة دم.
ووشها شاحب من التعب.
قال لفارس
اقفلوا الدور كله.
محدش يدخل هنا إلا بإذن مني.
رد فارس
أوامرك.
قعدها عمر على الكرسي في الركن.
لكنها حاولت تقوم فورًا.
وقالت
لأ
ما تنادوش دكتور دلوقتي.
قرفص قدامها.
وقال بهدوء
اسمك إيه؟
حطت شاش على جرحها وقالت
مريم.
مريم
قالها بهدوء.
احكيلي اللي حصل.
بصت الأول على آدم.
ولثانية واحدة عينيها رقّت.
وبعدين رجعت قوية تاني.
وقالت
كنت بمسح الممر.
ولقيت فرد الأمن نايم على المكتب.
افتكرته غلبه النوم.
بعدين شفت دكتور داخل أوضة ابنك.
عمر عقد حواجبه.
وقال
وبعدين؟
ردت
كان فيه حاجة غلط.
الوقت غلط.
وطريقته غلط.
والجزمة غلط.
قال باستغراب
جزمة؟
هزت راسها.
وقالت
كان لابس بوت أسود.
مش جزمة مستشفى.
ولا حذاء طبي.
كمان ما عقمش إيده.
ولا بص على الملف.
ولا بص على الأجهزة.
راح على المحلول على طول.
فك عمر اتشنج.
كملت
بصيت من الشباك.
طلع سرنجة من جيبه.
من غير استيكر.
من غير بيانات.
وده مش طبيعي.
الأدوية هنا ما بتتاخدش بالشكل ده.
قال
فدخلتي؟
ردت
ضربت زر الإنذار بكوعي.
وخبطت الباب بعربية المية.
أول ما دخلت
ضربني بحاجة تقيلة.
ممكن كشاف.
وقعت.
لكن لما العصاية اتكسرت
مسكت الجزء المكسور وضربته في رقبته.
وقع السرنجة.
وهرب أول ما الإنذار اشتغل.
عمر فضل باصص لها.
مريم ما كانتش بتبالغ.
وما كانتش بتحاول تبان بطلة.
كانت بتحكي اللي حصل بس.
بتفاصيل دقيقة.
وتقرير واضح.
فقال بهدوء
وإيه اللي حصل بعد كده في الممر؟
هزت مريم راسها بتعب، وكأنها بتسترجع اللحظات اللي خلتها تتحول من مجرد عاملة نظافة لشخص بيواجه قاتل محترف. بعد ما هرب، سمعت خطواته في الممر، كان بيجري. أنا مكنتش قادرة أقف، بس زحفت للباب وقفلت الترباس اللي أنت كسرته دلوقتي. كنت عارفة إنه هيحاول يرجع، لأن القاتل مبيسبش شغلته نص طريق. مسكت العصاية دي وفضلت واقفة ورا الباب، بستنى أي صوت.
عمر كان بيسمعها وهو حاسس ببرودة بتسري في جسمه. هو عمر الدسوقي اللي الكل بيخاف من اسمه، كان على وشك يوصل بعد فوات الأوان.
سألها بنبرة فيها نبرة امتنان خفية وليه ما خرجتيش تطلبي النجدة؟ ليه فضلتي هنا؟
بصت لآدم، الطفل اللي نايم بسلام، وقالت لو كنت خرجت، كان هيرجع في غيابي. هو مكنش عايز يقتل حد تاني غيره. أنا كنت الضمانة الوحيدة إنه ميرجعش.
عمر قام وقف، مشى ناحية الشباك، وبص على الشارع من الدور الرابع. المستشفى كانت في حالة استنفار، والأمن بتاعه بيفتشوا في كل ركن. رجع تاني لمريم، وكان بيبص لها وكأنها لغز. مريم، أنتِ مش مجرد عاملة نظافة، صح؟ عينيكِ، طريقتك في الوصف، رد فعلك.. ده مش رد فعل شخص عادي.
ارتبكت مريم، وحاولت تتجنب نظراته الحادة. أنا كنت ممرضة في بلد تانية، بس الظروف أجبرتني أجي هنا وأشتغل أي حاجة عشان أقدر أعيش.
عمر ضحك ضحكة قصيرة، ضحكة مفيهاش فرح، ضحكة رجل فاهم كويس إن الحياة بتجبر الناس على التخلي عن أحلامهم. ممرضة.. ده يفسر ليه عرفتي سرعة الإجراءات والسرنجات.
في اللحظة دي، دخل فارس وبص لعمر بإشارة من راسه. عمر فهم إن الموضوع خلص، أو على الأقل البداية خلصت. بص لمريم وقال المكان ده مبقاش آمن لآدم، ولا ليكي. اللي بعت الدكتور ده مش هيسكت.
مريم وقفت بثبات، رغم إنها كانت لسه بتترعش ابنك هيحتاج تغيير محلول وتغيير شاش للجرح بتاعه. أنا مش محتاجة شكر، أنا محتاجة بس أرجع لغرفتي.
عمر هز راسه لواحد من رجاله اللي واقفين بره خدها لأوضة تانية، وخلوا دكتور خاص يطمن على جرحها، وتتعالج فوراً. ومحدش يلمسها، دي أمانة.
لما مريم خرجت، عمر قرب من سرير ابنه، ولمس جبينه الصغير. كان بيفكر في الشخص اللي حاول يقتل ابنه، وفكر في البنت اللي ضحت بحياتها عشان طفل متعرفوش. طلع موبايله، اتصل بفارس فارس، عايز تقرير كامل عن مريم. كل تفصيلة في حياتها، من اليوم اللي اتولدت فيه لحد اللحظة دي. ومين اللي له مصلحة يوصل لآدم في المستشفى.
فارس رد باشا، المستشفى كلها متأمنة، إزاي قدر يدخل؟
عمر بص للسرنجة المكسورة على الأرض، وقال بنبرة مليانة غضب مكتوم دخل بزي دكتور، يعني حد من جوه المستشفى هو اللي سهل دخوله. وعايزك تعرف مين الدكتور ده، حي أو ميت، جبهولي.
بعد ساعة، كان عمر قاعد في مكتب المدير، والمدير كان بيرتعش قدامه. أنا.. أنا معرفش مين ده يا باشا.. السيستم سليم، وكل الورديات متسجلة.
عمر مسك ملف الوردية، وقلب صفحاته، لحد ما وصل لاسم الدكتور اللي مريم شافت جزمته.. اللحظة اللي عمر بص فيها على الاسم، اتجمد في مكانه.
الاسم كان لشخص ميت من 3 سنين.
عمر رزع الملف على المكتب إحنا في لعبة أكبر بكتير مما كنت متخيل. حد بيستخدم أسماء الموتى عشان يوصلوا لأهدافي.
في الوقت ده، في أوضة مريم، كانت جالسة بتنظف جرحها بمحلول طبي. دخل عليها واحد من رجال عمر، شايل صينية أكل. الزعيم بيقولك كلي كويس، ومحدش هيقرب منك.
مريم بصت للأكل، وبعدين بصت للشباك. فتحت شنطة التنظيف بتاعتها، طلعت منها موبايل صغير جداً، مش موبايل عادي، موبايل مشفر. كتبت رسالة قصيرة
المهمة الأولى نجحت. عمر الدسوقي بدأ يفتح عينيه على اللي حواليه. الدكتور مات، واللعبة بدأت.
مريم مكنتش ممرضة هاربة، ولا كانت عاملة نظافة بسيطة. مريم كانت القطعة اللي عمر الدسوقي مش فاهم إنها هي اللي بتحرك خيوط اللعبة من جوه عرينه.
عمر الدسوقي، ملك المافيا، اللي كان فاكر إنه بيحمي ابنه من أعدائه، مكنش يعرف إنه ساب العدو الحقيقي يقعد جنب ابنه، بل وسابها هي اللي تحميه!
عمر الدسوقي، اللي كان
لمحة نيوز

بيعتبر نفسه كاشف اللعبة، كان غافل تماماً عن إن مريم مش مجرد قطعة على رقعة الشطرنج، دي كانت اللاعبة الأساسية اللي بتوجه اللعبة كلها.
عمر طلع من مكتب المدير وهو بيغلي من الغضب. اتصل بفارس تاني فارس، أنا عايز كل تسجيلات الكاميرات في الدور الرابع خلال ال 48 ساعة اللي فاتوا، وعايز أعرف مين اللي مسح أجزاء من تسجيلات الوردية.
فارس رد بصوت فيه قلق باشا، الكاميرات.. مش ممسوحة، فيه تقطيع احترافي جداً في الفيديو، كأن حد عمل مونتاج عشان يخفي ثواني معينة.
عمر قفل الموبايل، وبدأ يمشي في الممر، خطواته كانت بتعلن عن غضب مكتوم. وصل لأوضة مريم. لقاها قاعدة وبتبص من الشباك، هدوئها كان مستفز. دخل من غير ما يخبط.
انتي مين يا مريم؟ سألها عمر بصوت هادي، بس الهدوء ده كان الهدوء اللي بيسبق العاصفة.
مريم لفت ببطء، ملامحها كانت خالية من أي تعبير خوف. مريم، اللي أنقذت ابنك يا عمر بيه. ده اللي يهم دلوقتي، مش مين أنا.
عمر قرب منها، وحط إيده على الحيطة وراها، وحصرها بين دراعاته. كان بيحاول يقرأ عينيها. اللي ينقذ ابن عمر الدسوقي، بيبقى له مكانة عندي. بس اللي يلعب بأسماء الموتى.. بيبقى له حساب تاني خالص.
مريم ابتسمت ابتسامة خفيفة، ابتسامة مافيهاش أي خضوع. اسم الدكتور اللي كان مكتوب في سجلاتك.. الاسم ده مات في حادثة عربية من 3 سنين، صح؟ بس الحقيقة يا عمر، إن الشخص ده ماماتش. هو بس غير وجهه وغير هويته، وعشان يوصل لابنك، استخدم اسم ميته عشان يضمن إنك لو بحثت وراه، مش هتلاقي شخص حي.
عمر اتراجع خطوة لورا، مذهول. إزاي عرفتي كل ده؟
لأني بتابع الشخص ده من سنين. ردت مريم وهي بتمسك علبة الأدوية اللي كانت جنبها. أنا مش ممرضة هاربة، ولا أنا صدفة في حياتك. أنا كنت جزء من وحدة تابعة للاستخبارات الدولية، ومهمتنا كانت تصفية الشبكة اللي بينتمي ليها الشخص اللي دخل أوضة ابنك.
عمر سكت للحظة، استوعب حجم الكلام. يعني أنتِ هنا عشان… تراقبيني؟
مريم هزت راسها بالنفي. أنا هنا عشان أحمي آدم، لسبب يخصني أنا. آدم مش بس ابنك، آدم يحمل في دمه سر علمي وراثي، شبكات المافيا العالمية بتدور عليه عشان يوصلوا لتركيبة دواء بمليارات الدولارات، الدواء ده اللي كان بيحاولوا يسحبوا عينة منه تحت غطاء المحلول الطبي اللي حاولوا يحقنوه بيه.
عمر اتصدم. ابنه مش بس طفل، ابنه هدف استراتيجي. آدم.. في جسمه أيه؟
آدم، وبدون ما تعرف، كان جزء من تجربة طبية سرية اتعملت عليه وهو لسه جنين، من غير علمك. حد جوه شركتك القديمة هو اللي دبّر ده، وعشان كده قتلوك، أو بالأحرى حاولوا يبعدوك، لأنك كنت هتعرف الحقيقة.
عمر حط إيده على راسه، كان حاسس إن العالم بيتهد فوق دماغه. تسع سنين وهو فاكر إنه ملك، واكتشف إنه مجرد حارس لسر ميعرفش عنه حاجة.
مين؟ مين اللي عمل في ابني كدة؟ سأل عمر بصوت يملؤه الوجع والغضب.
مريم قربت منه، وقالت بصوت واطي ومسموع اللي عمل كدة، هو أقرب واحد ليك.. فارس.
عمر اتجمد. فارس؟ ذراعه اليمين؟ اللي بقى له معاه 20 سنة؟ فارس اللي كان بيحميني؟ اللي كان بيضحي بنفسه عشاني؟
فارس هو اللي باعك من أول يوم. هو اللي سهل دخول القاتل النهاردة، وهو اللي بيمسح تسجيلات الكاميرات عشان يغطي على أثره. كان بيستنى الوقت المناسب عشان ينهي المهمة وياخد العينة ويهرب.
في اللحظة دي، عمر سمع صوت خطوات فارس بره الأوضة، ومعاه صوت سلاح بيتعمر. مريم مسكت إيد عمر بسرعة، وهمست ادخل الحمام، واطفي النور. لو خرجت دلوقتي، هيقتلك ويخلص على ابنه. سيبهولي أنا.
عمر بص لمريم، لأول مرة في حياته، كان هيسلم حياته لشخص تاني. دخل الحمام، وطفى النور. ثواني، ودخل فارس الأوضة، سلاحه في إيده، وعينيه بتدور في الضلمة.
مريم؟ فين عمر؟ سأل فارس بصوت خشن.
مريم كانت واقفة في الضلمة، ومن غير ما تتحرك، قالت عمر مش هنا يا فارس.. بس العدالة هنا.
فارس ضحك ضحكة شيطانية، ورفع سلاحه ناحية الصوت. عدالة؟ أنتِ فاكرة إنك هتخرجي منها؟
قبل ما فارس يضغط على الزناد، مريم رميت حاجة في الأرض.. قنبلة ضوئية صغيرة. انفجرت الأوضة بنور أبيض عمى فارس للحظات. مريم اتحركت بسرعة البرق، ضربة واحدة احترافية في رقبته خلت سلاحه يقع، وتانية في مفصل إيده شلت حركته تماماً.
عمر طلع من الحمام في اللحظة اللي كان فارس بيحاول يقوم فيها. عمر مسك فارس من رقبته، وعيونه كانت بتطلع شرار. فارس؟ أنت؟ بعد كل اللي عملتهولك؟
فارس ضحك بمرارة عمر.. أنت طول عمرك كنت مغفل. كنت فاكر إنك بتدير إمبراطورية، وأنت مكنتوش غير مجرد حاضنة للسر اللي أنا كنت ببيعه.
عمر، اللي كان دايماً بيحكم بالعدل القاسي، شال المسدس بتاعه، ورفعه في وش فارس. أنا مش هقتلك يا فارس.. أنا هخليك تشوف الإمبراطورية اللي كنت بتسرقها وهي بتنهار على دماغك.
مريم وقفت بعيد، بتبص لهم، وكانت عارفة إن المهمة الحقيقية بدأت دلوقتي. عمر ما بقاش مجرد زعيم مافيا، بقى رجل بيحارب عشان ابنه، وعشان كرامته.
مريم، قال عمر وهو لسه ماسك فارس من رقبته. أنتِ معاكي الفريق، ومعايا القوة. إيه الخطوة الجاية؟
مريم ابتسمت، وطلعت الموبايل المشفر تاني. الخطوة الجاية إننا هنخلي كل اللي كانوا بيطمعوا في آدم، يواجهوا عمر الدسوقي، النسخة اللي مكنوش يتمنوا يشوفوها.
عمر الدسوقي لم يعد ذلك الزعيم الذي يكتفي بإصدار الأوامر من خلف المكتب. بعد أن سقط فارس، القناع الذي كان يثق به، تحول عمر إلى مطارد لا يرحم. في تلك اللحظة، وسط ضجيج المستشفى الليلي، أدرك عمر أن دائرته كانت مخترقة من الداخل، وأن أعداءه كانوا يقرأون أفكاره قبل أن ينطق بها.
سحب عمر سلاحه من يد فارس الذي كان لا يزال يترنح، ثم رمى به أرضاً بكرهٍ شديد. نظر إلى مريم التي كانت لا تزال في وضعية الاستعداد، وقال بصوت متحشرج أنتِ قلتي إن فارس كان بيبيع السر لشبكة. مين الشبكة دي؟ مين اللي وراهم؟
مريم تحركت بسرعة، سحبت جهازاً صغيراً من جيبها ووضعته على معصم فارس، لتبدأ في تحميل بيانات مشفرة من شريحة إلكترونية كانت مخبأة تحت جلده. دي مش مجرد شبكة، يا عمر. ده تحالف دولي بيسموا نفسهم النظام الخفي. هما بيستخدموا شركاتك كواجهة، ومستشفياتك كمعامل تجارب، وأطفالك ك عينات. آدم كان الرقم 42 في سلسلة تجاربهم.
صمت عمر كان أبلغ من أي صراخ. الرقم 42. معنى ذلك أن هناك 41 طفلاً آخرين تعرضوا لنفس المصير، أو ربما لا يزالون يعانون. أين هم؟ سأل عمر بصوت خفيض ومرعب.
مريم هزت رأسها بالرفض أولويتنا دلوقتي هي آدم. إذا تحركنا لإنقاذ ال 41 الآخرين الآن، النظام الخفي هيفعل بروتوكول التطهير، وهيمسحوا أي أثر للتجارب، بما في ذلك آدم نفسه.
في تلك اللحظة، اهتزت الأرض تحت أقدامهم. انفجار بعيد دوي في أروقة المستشفى، وأصوات إنذارات الحريق انطلقت بشكل جنوني. الرصاص بدأ يتطاير في الممر. رجال عمر المخلصون القلائل الذين

لم يطالهم فساد فارس كانوا يواجهون قوة لا يعرفونها.
جايين بياخدوا العينة! صرخت مريم وهي تتجه نحو سرير آدم.
عمر لم يتردد. حمل آدم بين ذراعيه بعناية فائقة، وكأنه يحمل العالم كله. مريم، خدينا من هنا! قولي لي الطريق!
خرجوا من الغرفة الخلفية للمستشفى، ومريم كانت تقودهم في ممرات سرية تحت الأرض، ممرات لا يعرفها حتى مدير المستشفى. كانت هذه الممرات هي خطة الطوارئ التي أعدتها مريم خلال الأسابيع التي قضتها متخفية في دور عاملة النظافة.
وصلوا إلى مرآب السيارات السري. سيارة عمر المدرعة كانت تنتظر، لكن كان هناك عشرات المسلحين يطوقون المكان، يرتدون زياً أسود بلا أي علامات مميزة. مرتزقة، همست مريم. مش نظاميين.
عمر وضع آدم في المقعد الخلفي المحصن، وأعطى مريم سلاحاً أوتوماتيكياً. أنا هفتح الطريق، أنتِ احمي آدم.
في تلك المواجهة، لم يعد هناك زعيم مافيا وعاملة نظافة. كان هناك محاربان يجمعهما هدف واحد. عمر كان يقاتل بغضب الأب الذي استُغفل، ومريم كانت تقاتل بدقة المحترف الذي لا يخطئ. سقط المرتزقة الواحد تلو الآخر. كان المشهد سينمائياً، صرخات الرصاص تصدم جدران المرآب، والسيارة تنطلق بسرعة جنونية لتخترق الحاجز الخارجي للمستشفى.
بينما كانوا يبتعدون في شوارع القاهرة المهجورة في تلك الساعة المتأخرة، كان عمر يراقب آدم في المرآة. كان الطفل يتنفس بانتظام، بفضل الأكسجين المحمول الذي أخذته مريم.
وين رايحين؟ سأل عمر وهو يضغط على دواسة الوقود.
مريم نظرت إلى الخريطة على شاشتها المشفرة رايحين للمكان الوحيد اللي النظام الخفي بيخاف منه.. المنطقة الرمادية. مكان بعيد عن كل الأقمار الصناعية، مكان أقدر فيه أفحص آدم وأشيل منه جهاز التتبع اللي زرعوه في جسمه.
عمر التفت إليها أنتِ قلتي إنك تبع استخبارات دولية، بس الطريقة اللي بتتحركي بيها.. دي مش طريقة حد بيشتغل في النور.
مريم ابتسمت بمرارة في عالم الظلام، يا عمر، مفيش حد بيشتغل في النور. أنا كنت تبع فرقة الأشباح، فرقة تم التضحية بيها عشان يداروا فضيحة النظام الخفي من 5 سنين. أنا الناجية الوحيدة، ومهمتي الوحيدة هي تدميرهم من الداخل.
عمر سكت، كان يعلم أن هذه المرأة التي تجلس بجانبه هي أخطر وأصدق شخص قابله في حياته. لو دمرناهم، أنا مستعد أحرق كل إمبراطوريتي، وكل الشركات، وأي حاجة ربطتني بيهم.
مريم لم تلتفت إليه، بل ظلت تراقب الطريق مش بس هتحرقها يا عمر.. أنت اللي هتتزعم الحملة. لأن الوحيد اللي يعرف أسرار الشركات دي هو أنت، والوحيدة اللي تعرف نقاط ضعف النظام هي أنا.
مع بزوغ خيوط الفجر الأولى، كانت السيارة تتجه نحو صحراء مصر الغربية. هناك، حيث الصمت والرمال، بدأت الحرب الحقيقية. عمر الدسوقي، الزعيم الذي خسر كل شيء في ليلة، كان يولد من جديد كقائد لحرب من أجل الحقيقة، وبجانبه الشبح التي لا يكسرها انكسار.
لكن، وفي الوقت الذي كانوا يبتعدون فيه، كان هناك شخص في غرفة مظلمة، يراقب إحداثيات السيارة على شاشة ضخمة. ابتسم هذا الشخص وقال في جهاز اللاسلكي الفريسة دخلت المصيدة. ابدأوا المرحلة التانية.
في قلب الصحراء الغربية، حيث تتلاقى الرمال مع الأفق اللانهائي، توقفت السيارة أمام مخبأ قديم كان يستخدمه المهربون سابقاً. كانت المنطقة خالية تماماً من أي إشارات، مما منحهم المنطقة الرمادية التي كانت مريم تبحث عنها.
دخل عمر إلى المخبأ وهو لا يزال يحمل آدم، بينما كانت مريم تفحص المكان بسرعة فائقة، مستخدمة أجهزة كشف المتفجرات والمعدات الطبية التي كانت قد جهزتها مسبقاً. حط آدم هنا، أشارت إلى طاولة معدنية معقمة. بدأ العمل. كانت مريم تتحرك كجراح ماهر، بينما كان عمر يقف بجانبها، يده على سلاحه، وعيناه تراقبان كل حبة رمل تتحرك في الخارج.
في لحظة التوتر القصوى، بينما كانت مريم تستخرج شريحة تتبع صغيرة من تحت جلد آدم، رن هاتف مريم المشفر. لم تكن مكالمة، كانت رسالة فيديو. ظهر فيها وجه الرجل الذي كان يراقبهم في الغرفة المظلمة. لم يكن غريباً.. كان والد عمر، الرجل الذي ظن الجميع أنه توفي قبل عشرين عاماً.
عمر، يا بني، قال الصوت ببرود مرعب. لقد ظننت أنك بطل قصتك، لكنك لست سوى الأداة التي استخدمناها لنعرف كيف سيتفاعل الطفل مع الضغوط. شكراً لأنك أوصلته إلى الموقع المركزي.
تجمد عمر. والده هو العقل المدبر لكل هذا؟ كانت الخيانة أعمق مما تخيل. التفت إلى مريم، لكنها كانت هادئة بشكل مريب. أنا كنت عارفة، يا عمر. كنت عارفة إنه هو اللي بيحرك الخيوط.
كنتي عارفة؟ سأل عمر بصدمة. ومع ذلك شاركتيني؟
أخرجت مريم سلاحها، لكنها لم توجهه لعمر، بل وجهته نحو الباب الذي بدأ يفتح ببطء، لتكشف عن عشرات الجنود المدججين بالسلاح بقيادة والده. أنا مش هنا عشان أخدمه، ولا عشان أخدمك. أنا هنا عشان أنهي السلسلة. أنت اخترت تكون أب، وأنا اخترت أكون محاربة.
في تلك اللحظة، ضغطت مريم على جهاز التحكم عن بُعد في يدها الأخرى. لم تكن الصحراء خالية كما ظنوا. كانت مريم قد زرعت متفجرات ذكية حول الموقع بالكامل منذ اللحظة التي دخلوا فيها. عمر، خد آدم واخرج من النفق الخلفي. النفق ده هيوديك لمكان آمن، وأنا هنهي الحساب.
مش هسيبك! صرخ عمر، لكن مريم دفعته بقوة نحو النفق. ده مش وقت بطولة، ده وقت إنقاذ ابنك! عيش عشان آدم، ده هو الانتقام الوحيد اللي هيحرق قلبه!
دخل عمر النفق مع آدم، وبينما كان يركض، سمع صوت انفجار هائل هز أرجاء الصحراء، متبوعاً بصمت مطبق. خرج عمر من النفق إلى الجانب الآخر من التلة، وجد طائرة مروحية بانتظاره، كان قد أعدها مسبقاً قبل أن يتغير كل شيء. وضع آدم داخلها وانطلق.
مرت أشهر. النظام الخفي انهار بعد أن تسربت كل أسراره للرأي العام بفضل البيانات التي نسختها مريم قبل الانفجار. عمر الدسوقي اختفى عن الأنظار، وأعلن رسمياً وفاة الزعيم.
في منزل صغير في قرية هادئة في سويسرا، كان عمر يجلس في الحديقة يراقب آدم وهو يلعب. آدم كان ينمو بشكل طبيعي، وكان ذكاؤه الحاد يلمع في عينيه كلما نظر إلى والده. لم يعد هناك مافيا، ولا صفقات، ولا أسرار.
وبينما كان عمر يشرب قهوته، وجد ظرفاً موضوعاً على الطاولة. فتحه، وجد صورة له ولمريم في المستشفى، ومعها ورقة مكتوب عليها بخط يدها الأشباح لا تموت، هي فقط تنتظر في الظل. آدم بخير، وأنت أصبحت الأب الذي تستحقه. لا تبحث عني.
ابتسم عمر، لأول مرة بصدق. أدرك أن مريم لم تكن مجرد مهمة، كانت هي الحقيقة التي أنقذت حياته. طوى الصورة، ونظر إلى ابنه، ثم إلى الأفق.. عالم جديد، حياة جديدة، وحرية لم يعرف طعمها من قبل.
النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *