جوزي السابق أذلّني قدام مستشفى كاملة وهو شايل طفل بين إيديه

جوزي السابق أذلّني قدام مستشفى كاملة وهو شايل طفل بين إيديه وبيقول للناس أهو ابني الحقيقي… الحاجة اللي هي عمرها ما قدرت تعملها.
يومها الكل افتكر إني أنا الخسرانة.
لكن بعد أقل من سنة، تقرير واحد من الطب الشرعي قلب حياتنا كلنا رأسًا على عقب، وخلى أحمد يتمنى لو الزمن يرجع بيه لليوم اللي شافني فيه لأول مرة.
أنا طلّقت رانيا، وده كان أذكى وأعظم قرار أخذته في حياتي كلها!
قال الجملة دي بصوت عالي وواثق في وسط صالة الانتظار ب مستشفى دار الفؤاد في القاهرة.. كان واقف شايل طفل رضيع بين إيديه، وعلى وشه ابتسامة باردة ومستفزة لدرجة تخلي الدم يغلي في العروق. مكنش بيقول الكلام ده وهو ندمان، ولا حتى كأنه بيفتكر غلطة قديمة.. لأ، ده كان بيقولها بنبرة تفاخر واعتزاز، كأنه واقف على منصة وبيوري الناس كأس بطولة كسبه!
في اللحظة دي، الدكتورة رانيا الشافعي اتسمرت في مكانها بالملي، جنب مكتب تمريض قسم الأطفال. كانت لسه خارجة حالا من اجتماع عاجل للقسم، بالطو الطب الأبيض بتاعها مفتوح شوية، لامة شعرها لورا في كعكة مستعجلة، ومطبقة ملف طبي تحت دراعها. فجأة، الصوت ده اخترق ودنها.. الصوت اللي بقالها سنة كاملة بتحاول تتمناه يتمسح من ذاكرتها.
لفت وشها.. ولقيته هو.
أحمد زهران.. طليقها.
ومش لوحده.. واقفة

جنبه ميار السيوفي، صاحبة عمرها وأنتيمتها السابقة!
وفي أحمد، كان فيه طفل صغير، خدوده مقلبظة ومستديرة، عنيه فاتحة، وإيديه الصغيرين ماسكين في بطانية ناعمة لونها لبني.
الصالة كلها فجأة اتكتّمت.. الممرضة اللي كانت بتكتب في الدفتر ثبتت إيدها، ست عجوزة قاعدة بتسبح رفعت عينها وبقت تبص بفضول، وأب تاني كان شايل بنته العيانة وباصص عليهم علني ومن غير أي إحراج.
في ثانية واحدة، كل الوجع القديم ثار جوة رانيا. مكنش حب خالص، لأن الحب ده مات وشبع موت.. كانت الذكريات!
7 سنين جواز.. رحلات كشوفات وتحاليل وعلاج عقم، حقن وتنشيط، وليالي طويلة وصعبة كانت بتبكي فيها في السرير من غير ما تطلع صوت، في نفس الوقت اللي كل اللي حواليها بقسوة بيحاولوا يلاقوا تفسير لرحمها الفاضي. حماتها اللي مكنتش بتفوت فرصة عشان تلمّح إن الست اللي مابتفكرش غير في شغلها ومستقبلها وعيادتها، متستناش ربنا يكرمها بمعجزات. وأحمد.. اللي كان بيبعد عنها خطوة وفجوة مع كل شهر بيعدي، لحد ما جه اليوم اللي لم فيه حاجته ومشي ببساطة.. مشي مع ميار!
ميار.. اللي كانت بئر أسرارها.
ميار.. اللي كانت بتمسك إيدها وتواسيها بعد كل نتيجة تحليل حمل تطلع سلبية.
ميار.. اللي واقفة دلوقتي وعاجزة تماماً إنها ترفع عينها في عين رانيا.
أحمد عدّل شيلت الولد وبص لرانيا وهو بيتكي على كل حرف
بصي له كده يا رانيا.. صحته بومب، زي القمر، وقوي.. ده ابني، حتة مني.
ميار نزلت راسها الأرض في خجل وخوف. رانيا مابصتش للطفل غير لمحة خاطفة.. الذنب مش ذنب الصغير، ومفيش طفل في الدنيا ذنبه يشيل قذيفة من قسوة الكبار وألاعيبهم.
بصت لأحمد في عينه وقالت بمنتهى الهدوء
الحمد لله إنه بصحة كويسة.
الهدوء ده جننه واستفزه جداً! كان متوقع يشوف دموع، كان مستني صراخ، وفضائح، وعياط.. كان فاكر إن الست اللي قالها في آخر ليلة ليهم مع بعض أنتي ست ناقصة ومبتجيبيش عيال هتقع وتنهار قدام الدكاترة والمرضى في وسط المستشفى. بس رانيا منكسرتش.
أحمد ضحك ضحكة قوية وسخيفة وقال
طول عمرك كده.. جبل تلج ومبتتحركيش. عشان كده عمرك ما عرفتي تعملي بيت ولا عيلة.
الكلمات نزلت زي القلم على الوش قدام كل الناس الواقفة.
ميار همست بصوت واطي وبيرتجف أحمد، عشان خاطري خلاص.. يلا نمشي.
بس أحمد كان لقى جمهور، وأحمد زهران يموت في لقطة اللمّة والجمهور أكتر من حبه للحقيقة نفسها.
تابع وهو بيعلي صوته زيادة
لأ، سبيها تسمع.. سنين من عمري ضاعت وأنا مستنيها. دكتورة وبتروح مؤتمرات، وحالات، وجوايز وتكريمات.. وفي بيتها، معرفتش تديني الحاجة الوحيدة اللي كنت بتمناها.
الممرضة اللي قاعدة قفلت شفايفها بضيق واضح من طريقته. رانيا حست بنار قايدة في صدرها، بس حلف ميت يمين ما هتديله متعة إنه يشوف دموعها.
في اللحظة دي، تليفونها هز في جيب البالطو. أخرجته.. رسالة من كريم علام، المحامي اللي خلص لها إجراءات الطلاق
أنا تحت في المدخل بتاع المستشفى. لازم أشوفك حالا.. الموضوع ضروري جداً وميستحملش تأخير لدقيقة.
قرأت الرسالة مرتين.. كريم رجل رزين ومبيحبش التهويل، طالما قال ضروري وحالاً يبقى فيه كارثة بتحصل.
أحمد شاور على التليفون وهو بيستهزأ بيها
اجتماع تاني؟ طبعاً.. الشغل والمستشفى دايماً في المقام الأول، والبيت يتحرق.
رجعت التليفون مكانه وقالت
لازم أمشي.
أحمد رد وراها
وده أكتر شيء بتفهمي فيه وبتحبيه.. الهروب.
مشت رانيا ناحية الأسانسير، وأول ما الباب فتح، أحمد زعق بأعلى صوته عشان الصالة كلها تسمع
أنا ربنا عوضني وخدت الحاجة اللي عمرك ما كنتي هتعرفي تديهالي!
دخلت رانيا الأسانسير، ولفت وشها تبص له.. ولأول مرة، ابتسمت! مكنتش ابتسامة انكسار ولا حتى وجع، كانت ابتسامة فيها يقين غريب هي نفسها مكانتش فاهمة سببه بالكامل وقتها. وقالت بصوت هادي ومسموع
خلي بالك يا أحمد.. ساعات الحاجة اللي بتقعد تتباهى وتتنطط بيها قدام الناس، بتكون هي نفسها السبب في دمارك.
الباب قفل. ومع هبوط الأسانسير للدور الأرضي، رانيا حطت إيدها على الملف الطبي اللي في
لمحة نيوز

حضنها عشان تثبت صوابعها اللي كانت بترتعش من العصبية. مكانتش عارفة كريم عايز إيه، ومكانتش فاهمة ليه نظرات ميار كان فيها رعب أكتر من الفرحة.. بس حست بحدسها الطبي والأنثوي إن المشهد ده وراه لغز كبير.
أول ما وصلت البهو الرئيسي وشافت المحامي واقف ومسك في إيده ملف أسود، أدركت إن الإهانة اللي لسه واخداها فوق في قسم الأطفال مش نهاية الوجع.. دي مجرد بداية لقصة تانية خالص مش هتدخل عقل حد!
الجزء الثاني
كريم علام كان قاعد في كافيه المستشفى، بدلته مبلولة شوية من مطر الشارع، وتعبيرات وشه كانت صامتة وجادة جداًزي طريقة الرجالة اللي متعودة تسلّم الأخبار الصعبة بنظام وبرود.
أول ما شافها وقف رانيا.
سألته علطول في إيه يا كريم؟ خضتني.
بص بعينه ناحية الأسانسيرات وسألها شفتيه؟
أحمد؟ اه، لسه سايباه فوق.
مكانش في حساباتي إنكم تتواجهوا دلوقتي.. بس يمكن ده خير عشان تقوي قلبك.
رانيا استغربت اتكلم كلام دغري يا كريم، في إيه؟
شاور لها على ترابيزة متدارية في ركن هادي، قعدت بالبالطو بتاعها. كان قدامها عملية جراحية بعد 40 دقيقة، بس شكل المحامي بيقول إن حياتها هتشقلب حالاً.
فتح الملف الأسود وقال
لما طلاقكم خلص من سنة، كان عندي شكوك تذبح إن أحمد مخبي فلوس وأصول وملايين. مكنش تحت إيدي أدلة وقتها.. لحد الأسبوع ده.
حط قدامها صور من كشوفات حسابات بنكية، عقود استثمار، وطلب قرض ضخم باسمه عشان يبني مبنى عيادات طبية لحسابه في المهندسين!
رانيا بقت تقرأ الأرقام بذهول وبطء كام دول؟
أكتر من 14 مليون جنيه.. مكنش جايب سيرتهم في المحكمة نهائي.
جسمها تشنج.. وقت الطلاق، أحمد وقف عيط قدام القاضي وحلف بأغلظ الأيمان إنه مديون وبيفلس، وشغله واقف، وبص لرانيا وقال دي دكتورة كبيرة ومعاها فلوس ومش محتاجة مني مليم. وهي من كتر التعب والمهانة والقرف، وقعت على كل الأوراق عشان تخلص من وشّه.
قالت والضحكة طالعة بمرارة من حلقها
الفلوس دي كلها كانت معاه وإحنا بنتطلق؟
أيوة، وموجودة في حسابات سرية باسمه.
ده حتى خد العفش والشاشات اللي في البيت.. وقال إني مستحقهمش لأني معرفتش أعمل له عيلة!
كريم هز راسه وهو بيحاول يكتم عصبيته
احنا هنرفع قضية حالا ونعيد فتح تسوية الطلاق من الأول وجديد.
رانيا نزلت عينها في الورق، بس كريم مكنش لسه خلص كلامه. طلع ظرف تاني أصغر وأرفع وقال
بس فيه حاجة تانية.. أخطر وأهم بكتير.
حست ببرودة في أطرافها حاجة إيه؟
فترة جوازكم.. هل أحمد كمل فحوصات وتحاليل الخصوبة بتاعته للآخر ويوريكي النتايج؟
نفس رانيا اتكتم لثانية
لأ.. دايماً كان بيتحجج. يقول عندي سفر، الورق ضاع في المعمل، المعمل نصاب، والدتي تعبانة ومش فاضي..
كريم زق نص تقرير طبي ناحيتها وقال
التقرير ده وصلي بطرق ملتوية بسبب الفحص المالي وأرصدته. مقدرش أقولك التفاصيل الطبية بالكلمة برة المحكمة، بس اللي أقدر أبصم لك عليه بالعشرة هو ده فيه دليل قاطع إن أحمد كان مستلم تقرير وعارف من قبل الطلاق بكتير إن مشكلة الخلفة عنده هو.. مش عندك أنتي!
رانيا من الصدمة منقَطقش. صوت الكافيه كله اتمسح من ودنها.
افتكرت كل ليلة كانت بتقعد تعيط وتعتذر له فيها لأن البريود جت ومحصلش حمل. افتكرت الليالي اللي كان بيديها ضهره ويحسسها إنها معيوبة. تذكرت كلام حماتها وتلقيحها، ونظرات الشفقة والشماتة من قرايبه.
سألته بصوت واطي ومبحوح يعني كان عارف؟
عارف ومستلم التقرير ومخبيه في أوراقه الخاصة.
غمضت رانيا عنيها.. سنين طويلة شالت فيها ذنب وجلدت نفسها على حاجة ملهاش أي يد فيها.
فجأة، تليفونها نور وجالها إشعار Notification. كانت ميار منزلة صورة جديدة.. قاعدة في جنينة كافيه في الزمالك، الولد الصغير في حضنها، وأحمد واقف وراها وحاطط إيده على كتفها بامتلاك وفرحة.. وال Caption مكتوب فيه
سنة على وصول معجزتنا.. العيلة السعيدة اللي طول عمرنا بنحلم بيها.
رانيا بصت لتاريخ ميلاد الطفل، وحسبت الشهور.. وقارنتها بتاريخ طلاقها، والوقت اللي ميار سافرت فيه فجأة للجونة وقعدت هناك شهور بحجة إنها بتغير جو.. الحسبة الرياضية والطبية مش راكبة على بعضها خالص! شهور الحمل والولادة مش مظبوطة مع وقت علاقتهم وانفصال رانيا.
كريم لاحظ وشها اللي اتخطف شفتي إيه؟
دورت الشاشة ناحيته مش متأكدة..
بس من جواها، رانيا كانت متأكدة من حاجة واحدة ميار مكنتش منزلة راسها فوق في المستشفى بسبب كسوفها أو ذنبها من خيانة صاحبتها.. ميار كانت هتموت من الرعب!
في نفس الليلة.. رانيا كانت قاعدة في عربيتها في باركينج المستشفى، وتليفونها رن من رقم غريب. ردت ألو؟
جاءها صوت من الناحية التانية، عياط وشهقات ورعشة
رانيا.. أنا ميار. أنا لازم أشوفك حالا.. الموضوع بخصوص ابني.
رانيا مسكت الدريكسيون بقوة وقالت بنبرة حادة
إياكي تكليمني تاني، ومتحاوليش تجيلي عشان تريحي ضميرك القذر.
ميار انهارت في العياط
والله العظيم مش عشان ضميري! الموضوع بخصوص أحمد.. أنا لقيت ورق مخبيه، وبقيت شاكة إن أحمد عارف مصيبة عن الولد أنا نفسي معرفهاش!
رانيا سكتت ومردتش، وصوت المطر كان عالي على زجاج العربية.
لحد ما ميار نطقت بالجملة اللي سحبت الهوا من صدر رانيا
رانيا.. أنا خايفة يكون أحمد استغل ابني عشان يدّاري بيه كذبة تانية!
الجزء الثالث
رانيا وافقت تقابل ميار بعد يومينمش عشان سواد عيون ميار، لكن عشان الطفل البريء ده.
اختاروا كافيه صغير وهادي في المعادي، بعيد

عن مستشفى دار الفؤاد وبعيد عن الأماكن اللي كانوا بيقعدوا فيها زمان كأصحاب بيحكوا أسرارهم لبعض.
لما رانيا وصلت، كادت متعرفش على ميار! وشها شاحب من غير أي نقطة مكياج، هالات سوداء مرعبة تحت عنيها، وإيديها الاتنين بيترعشوا وهي ماسكة فنجان قهوة بارد. البنت اللي كانت دايماً بتدخل بضحكتها ودلعها، بقت شبه حد مطارد ومذعور من عواقب عمايله.
رانيا قعدت ببرود وقالت قدامك 10 دقائق بالضبط.
ميار هزت راسها شكراً إنك جيتي.
متشكرينيش.. قولي اللي عندك.
بلعت ميار ريقها وقالت
أحمد غير كل الباسوردات بتاعة تليفونه ولابتوبه. بيخبي أي ورق ويقفل عليه بالقفل. بيتجنن ويثور لو سألته عن تطعيمات الولد أو تقاريره الطبية. ومن 3 أسابيع، دكتور الأطفال طلب تحاليل عشان الولد عنده حساسية، وظهرت حاجة غريبة في فصيلة الدم والدكتور طلب نعمل فحوصات تانية ونسأل عن التاريخ الطبي لعيلتي وعيلة أحمد.. أحمد يومها اتقلب وبقى يكسر في البيت!
رانيا عيونها متحركتش من عليها وقال إيه؟
قال إن الدكاترة نصابين وبيخترعوا أمراض عشان ياخدوا فلوس، وإنه مش هيعمل تحاليل تانية، وإن ابنه مش محتاج ورق يثبت نسبه!
رانيا علقت ده مش كلام أب بيحب ابنه.. ده كلام واحد مرعوب من مصيبة هتتكشف.
ميار نزلت راسها وبكت
أنا فتشت عربيتها ولقيت ملف مخبيه تحت الكرسي.. ورق البنك، وورق طلاقكم.. وجواب من مركز خصوبة من كذا سنة.
بطن رانيا كركبت وقريتيه؟
قريت سطرين.. الجواب كان بيقول إن أحمد عنده عقم كامل وحاد ومفيش منه رجاء. ولما لمحني ماسكة الورق، شده مني بعنف وضغط على إيدي وزعق فيا.
الصمت حل بينهم.. وميار كملت وهي بتمسح دموعها
كان دايماً يقولي إنك مش عايزة عيال، وإنك أنانية وبتحبي شغلك، وإنه عايش معاكي في سجن ووحدة.
رانيا حست بغليان في حلقها
وأنتي طبعاً كنتي عايزة تصدقيه وتعيشي الدور، عشان تبرري لنفسك إن خيانتك ليا وسرقة جوزي هي قصة حب وتضحية!
ميار خبت وشها بإيديها أيوة.. عندك حق.
الكلمة طلعت صغيرة.. بس كانت حقيقية.
رانيا وقفت وقالت أنا مش شيخ جامع عشان أسمع توبتك واعترافاتك.
ميار اتوسلت لها أبوس إيدك يا رانيا.. أنا مش عارفة أتصرف إزاي، دليني.
رانيا كانت خلاص ماشية.. بس خطوتها وقفت عند الباب. افتكرت البيبي الصغير وإيديه الناعمة، وبكاه في المستشفى لما أبوه أو اللي فاكر نفسه أبوه زعق. الطفل ملوش ذنب يكبر في وسخ الكبار.
لفت وشها وقالت لميار
تروحي لمحامي النهاردة. وتطلبي كشوفات ولادتك والتقارير الطبية الرسمية بنفسك من المستشفى اللي ولدتي فيها. وتعملي تحليل نسب للولد بشكل قانوني.. وإياكي، إياكي تصدقي كلمة واحدة تانية من اللي بيقولها أحمد.
ميار هزت راسها وهي مكسورة تماماً تفتكري كان عارف؟
رانيا بصت لها بقرف وإعياء
إذا كان كذب عليا سنين وأنا بتبهدل في العمليات والتحاليل وهو شايف دموعي، تفتكري مش هيكذب عليكي وأنتي قاعدة تفطري معاه كل يوم؟
بعد أسبوع واحد.. كل حاجة اتفجرت في وش أحمد!
أولاً، قضية الفلوس.. كريم علام رفع الدعوى الرسمية لإعادة فتح تسوية الطلاق، وقدم المستندات اللي بتثبت الحسابات السرية والشركات العقارية اللي مكنش معلن عنها وقت الطلاق.
ثانياً، تقرير العقم.. ثبت إن أحمد استلم التشخيص ده قبل ما يطلق رانيا ب 3 سنين كاملة، وموقع عليه بنفسه، وشاله في أوراقه. ساب رانيا تاخد منشطات وهرمونات تبهدل جسمها، وساب أمه تذلها وتجرحها وتلقح عليها كلام، وساب الناس تطلع عليها إشاعة إنها أرض بور.
لكن القنبلة الكبيرة كانت قضية ميار! ميار رفعت دعوى مستعجلة للمطالبة بالسجلات الطبية للطفل وعمل تحليل بصمة وراثية DNA. أحمد استموت عشان يوقف القضية دي قانونياً ودفع مبالغ للمحامين.. بس فشل.
يوم الجلسة.. محكمة الأسرة في القاهرة كانت زحمة والناس بتبص وبتهمس. أحمد حضر ببذلة كحلي، بس مكنش فيه أي أثر للغرور بتاعه، وشه كان دبلان وعنيه حمرا كأنه منامش بقاله شهر. ميار كانت قاعدة مع محاميها في ناحية لوحدها تماماً. ورانيا دخلت بكل ثبات وثقة وجلست جنب كريم علام.
القاضي راجع أولاً مستندات الفلوس.. أحمد حاول يتلجلج ويقول دي لخبطة حسابات وتداخل في الشركات. بس كريم مسبهوش
ده توقيعك يا فندم؟
أيوة.
الحسابات دي كانت مفتوحة وشغالة وقت الطلاق؟
أيوة بس..
هل بلغت المحكمة عنها؟
أحمد سكت تماماً.. والصالة كلها بدأت تهمس.
بعدها القاضي فتح ملف التقرير الطبي. رانيا شبكت صوابعها في بعضها وضغطت جامد.
كريم سأل أحمد أستاذ أحمد.. هل استلمت تقرير العقم ده وأنت لسه على ذمة الدكتورة رانيا الشافعي؟
أيوة.
هل بلغتها بيه؟
أحمد بص لرانيا لأول مرة.. عنيه كانت مليانة غل وحقد، بس مكسور بالرعب. وقال بصوت واطي مكنتش فاكر إن التقرير ده نهائي.
كريم رد بقوة أنا مأسألتكش كنت فاكر إيه.. أنا بسألك هل بلغتها؟
أحمد نزل راسه وقال بصوت مسموع بالعافية لأ.
الكلمة دي رغم إنها قطعت أحشاء رانيا وعيدت لها وجع السنين، إلا إنها شالت جبل من على كتافها. لأ.. أهي الحقيقة ظهرت للنور. هي مكنتش السبب في خلو البيت من العيال، هو اللي اختار يشيلها الذنب والكسرة عشان يداري على عقده ونقصه!
أخيراً.. الحاجب نادى على الهدوء عشان القاضي هيقرا تقرير ال DNA المرفق من الطب الشرعي لنسب الطفل.
ميار بدأت تترعش وتعيط بشكل هستيري، وأحمد جسمه خشب تماماً كأنه تمثال شمع.
القاضي قرا النتيجة القاطعة بناءً على الفحص الطبي
الشرعي، ثبت عدم تطابق البصمة الوراثية.. والمدعى عليه أحمد زهران ليس الأب البيولوجي للطفل.
المحكمة اتقلبت! الناس بدأت تصرخ وتتكلم بصدمة، وميار دارت وشها وانفجرت في عياط مرير، وأحمد وشه بقى أبيض زي الأموات، كأن حد ضربه بمرزبة على دماغه وصحاه على كابوس حياته. كل كبريائه وفشخرته اتهدوا في ثانية!
رانيا مضحكتش، ومفرحتش، ومأظهرتش أي شماتة. كل اللي حسته كان حزن.. حزن على الطفل اللي وُلد في وسط اللعبة القذرة دي، وحزن على رانيا القديمة اللي ضيعت أيامها بتلوم نفسها. الطفل اللي أحمد استخدمه عشان يذلها ويقهرها بيه قدام الناس، مطلعش دليل انتصاره.. طلع الدليل الدامغ إن حياته كلها مبنية على الكدب والوهم واتضح إن ميار هي كمان ضحكت عليه وأن الحمل ده من جوزها السابق قبل ما تتطلق منه و تتجوز احمد فى اسرع وقت ولبستهاله عشان تضمن قرشه.
القاضي حكم بإعادة فتح تسوية الطلاق وتغريم أحمد مبالغ تعويضية خيالية لرانيا، وحكم لميار بالولاية الطبية الكاملة للولد. أحمد فقد السيطرة تماماً على الفيلم اللي ألفه وأخرجه.
وهما خارجين من باب المحكمة، أحمد جرى ورا رانيا على السلالم وقال بمرارة وسواد
مبسوطة دلوقتي؟ أنتي دمرتيني وضيعتي مستقبلي!
رانيا وقفت، وبصت له بمنتهى الثبات والهدوء
لأ يا أحمد.. أنا مدمرتكش. أنا كل اللي عملته إني بطلت أشيل كدبك وأداري عليه.. أنتي دمرت نفسك بنفسك.
جز على سنانه وقال هتفضلي تكرهيني طول عمرك.
ردت ببرود أنا معنديش مساحة في حياتي ليك أصلاً.. ولا حتى عشان أكرهك.
وسابته واقف زي الصنم مش عارف ينطق.
نزلت رانيا السلالم مع كريم وشمس بعد الظهر بتنور شوارع القاهرة.. العربيات بتكّس، الناس بتجري، وبياع الورد على الناصية بيبيع لواحد وخطيبته. لفترة طويلة رانيا كانت مستنية كلمة آسف من أحمد أو ميار أو أي حد ظلمها.. بس في اليوم ده عرفت إنها مش محتاجة اعتذار من كداب عشان تتأكد إنها نظيفة وصح.
بعد كذا شهر.. صدر قرار بتعيين الدكتورة رانيا الشافعي رئيسة وعضو مجلس إدارة قسم الأطفال بمستشفيات دار الفؤاد. وعملت مشروع خيري وتطوعي كبير جداً لدعم العائلات اللي بتمر بمشاكل في الخصوبة والإنجاب، وتقديم الدعم النفسي والطبي ليهم مجاناً.
في حوار تليفزيوني، المذيع سألها ليه المشروع ده بالذات واخد كل وقتك واهتمامك يا دكتورة؟
رانيا ردت وقالت
عشان الكدبة لما بتقعد فترة طويلة جوه البيوت، بتموّت كل حاجة وبتمرّض الكل. الحقيقة ممكن توجع في الأول.. بس هي الحاجة الوحيدة اللي بتديك حريتك وتخليك تعيش بجد.
الكلمة دي والجملة دي اتقلبت تريند ضخم جداً على الفيسبوك وتويتر، والناس كلها بقت تشاركها من غير ما يعرفوا الوجع والقصة الكبيرة اللي ورا الكلام ده.
وفي يوم من الأيام، بعد حوالي سنة كاملة.. رانيا كانت ماشية في شارع في المهندسين، وتقاطعت طريقها بالصدفة مع أحمد! كان باين عليه العجز، خس ومشيته بقت محنية، ومبقاش فيه أي أثر للشخص المتكبر بتاع زمان.
أول ما شافها، عينيه لفت في المكان كأنه بيدور على أي كلمة سمّ أو تجريح يقولهامحاولة أخيرة يرجع بيها هيبته اللي ضاعت قدامها.
بس المرة دي.. مكنش فيه جمهور واقف يتفرج.
ومكنش فيه طفل شايله في حضنه يغيظها بيه.
ومفيش أي كدبة تانية باقية تحميه.
تمتم بصوت مخنوق ومكسور رانيا..
رانيا هزت راسها وقالت كلمة واحدة أحمد.
وكملت مشيها وعطته ضهرها من غير ما تقف ثانية واحدة.
مش لأنها نسيت، ولا لأن كل الجروح طابت.. بس لأنها عرفت إن أعظم أنواع العدالة والانتصار في الدنيا، مش إنك تقف تتفرج على اللي آذاك وهو بيقع.. الانتصار الحقيقي هو إن أكاذيبه والوجع اللي سببهولك ميبقاش ليهم أي سلطة ولا قيمة في حياتك الجديدة.
أحمد عاش سنين يحاول يقنعها ويقنع الناس إنها ست فاضية.. بس الحقيقة والوقت أثبتوا حاجة تانية خالص هو اللي كان فاضي وخاوي من جوه.. أما هي، فخرجت من وسط النار كسبانة نفسها وحياتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *