الوريثه الصامته بقلم شروق خالد 1
أنا عمري ما قلتش لعيلة جوزي إن أبويا كان رئيس المحكمة الدستورية العليا.
شافوا هدوئي وسكوُتي، وافتكروا إن ده معناه إني ماليش ضهر ولا حد يقدر يوقفهم عند حدهم.
وأنا في الشهر السابع من حملي، خلّوني أطبخ عزومة عيد الميلاد كلها لوحدي، بينما الضيوف قاعدين يضحكوا ويشربوا، وجوزي كريم عامل نفسه مش شايف إني كل شوية بمسك الرخامة وأتنفس بالعافية من الوجع.
كنت صاحية من الساعة خمسة الفجر.
بشوي الرومي، وأجهز الأكل، وأقشر البطاطس لحد ما إيدي وجعتني، وألمّع الكاسات والتحف عشان شركاء مكتب المحاماة اللي شغال فيه كريم جايين، وكل حاجة لازم تبان كاملة ومفيهاش غلطة.
وقت الضهر، رجلي كانت ورمت لدرجة إن الحذاء ساب علامات حمرا على جلدي.
وقبل المغرب، كان وجع ضهري بقى لا يُحتمل، كأن حد رابط حبل حوالين عمودي الفقري وبيشده بكل قوته.
ومع ذلك، حماتي سلوى كانت ماشية ورايا من المطبخ للسفرة، تمسك كوباية العصير بتاعتها وتفكرني كل شوية إن الزوجة المحترمة لازم تخدم أهل جوزها قبل ما تفكر في نفسها.
كل ما أقف دقيقة آخد نفسي، كانت تبصلي كأني بمثل عشان ألفت الانتباه.
الساعة ستة البيت كان منور.
الشموع مولعة.
السفرة متزينة.
الضحك مالي المكان.
وأنا داخلة طالعة بالأطباق من غير ما أقعد دقيقة واحدة أو حتى أدوق لقمة.
كريم كان قاعد على رأس السفرة، ببدلته الأنيقة، ومستمتع بكلام مديره الكبير اللي وعده إنه هيبقى شريك في المكتب بعد رأس السنة.
ولا مرة دخل المطبخ يسألني إذا كنت بخير.
ولا مرة سأل إذا كنت أكلت.
ولما دخلت بالصوص الأخير، كانت إيديا بتترعش لدرجة إن المغرفة خبطت في الطبق.
همست وأنا معدية جنبه:
“يا كريم… محتاجة أقعد خمس دقايق بس.”
المكان كله سكت.
سلوى نزلت الكوباية ببطء وقالت:
“تقعدي؟ يا حبيبتي، الخدامة ما بتقعدش مع العيلة. كلي بعد ما الناس تمشي. وبعدين الوقفة مفيدة للحامل.”
ناس بصت للأرض.
وناس ابتسمت بإحراج.
لكن الكل سمع.
وكريم سمع.
ومع ذلك ضحك وقال لمديره:
“متاخدش في بالك… بتبقى حساسة شوية لما تتعب.”
وقفت مكاني، حاطة إيدي على بطني، مستنية جوزي يفتكر إن الطفل اللي جوايا ابنه هو كمان.
بس ما افتكرش.
أول تقلصة قوية جتلي وأنا راجعة المطبخ.
وجع خلاني أتني من نصي.
مسكت طرف الرخامة بالعافية.
وقلت:
“يا كريم… في حاجة غلط.”
لكن سلوى دخلت قبله.
وكانت متعصبة أكتر من أي وقت.
“مش خلصنا من الدراما دي؟ من أول ما جيتي وإنتِ بوظتي اليوم كله!”
لفيت أبصلها أحاول أتكلم.
لكن موجة وجع جديدة ضربتني.
مديت إيدي على أقرب كرسي.
وفجأة…
زقتني.
مش خبطة بالغلط.
مش حركة من غير قصد.
زقة قوية ومتعمّدة.
ضهري خبط في الرخامة الجرانيت.
والهوا خرج من صدري.
وفي لحظة حسيت الدنيا كلها بتلف.
بعدها حسيت بحاجة دافية بتنزل على رجلي.
بصيت تحت.
وشفت الدم بينزل على الأرض.
همست وأنا مرعوبة:
“ابني…”
جري كريم علينا.
لكن مش كزوج خايف على مراته.
بص للدم.
وبص لأمه.
وبصلي.
وأول حاجة ظهرت على وشه كانت الضيق… قبل الخوف.
وقال بعصبية:
“قومي يا نهى… نظفي ده قبل ما حد يشوفه.”
رجوته يطلب إسعاف.
رجوته يديني موبايلي.
قلتله إن في حاجة خطيرة بتحصل.
لكن مسك الموبايل من إيدي وكسره في الحيطة.
الشاشة اتفتت على الأرض.
وقال من بين سنانه:
“مفيش إسعاف. ومفيش بوليس. أنا تعبت عشان أوصل للمكانة دي، ومش هتبوظي الليلة دي.”
وبعدين قرب مني.
لدرجة إني شميت ريحة المشروب في نفسه.
ومسك شعري بعنف.
وشد راسي لورا.
وقال إنه يعرف ناس كبار.
وإن محدش هيصدق واحدة هادية ومالهاش أهل واقفين وراها.
ساعتها…
حاجة جوايا ماتت.
بطلت أعيط.
بطلت أترجاه.
وبصيت في عينيه وقلت:
“إنت فاكر إنك فاهم القانون يا كريم… بس إنت ما تعرفش بنت مين اللي اتجوزتها.”
وشه اتغير للحظة.
لكن سلوى ضحكت.
وخلفه كان الضيوف متجمعين على باب المطبخ، بيتفرجوا عليا وأنا غرقانة في الدم كأني مش إنسانة.
كريم ابتسم بسخرية وقال:
“طيب ورينا كده.”
قلت بهدوء:
“هات موبايلك… واتصل بأبويا.”
سلوى انفجرت ضحك.
وبعض الضيوف بدأوا يتبادلوا النظرات.
لكن كريم كان واثق من نفسه.
طلع موبايله.
وشغّل السماعة الخارجية.
وقال وهو بيضحك:
“يلا نشوف.”
رن التليفون مرة.
مرتين.
وفي التانية، رد صوت رجولي قوي ورسمي:
“مين معايا؟”
قال كريم بثقة:
“أنا كريم عبدالرحمن، جوز بنتك. وبصراحة بنتك عاملة مشكلة كبيرة في عزومة العيلة، وكنت حابب تكلمها وتفهمها إن الاتهامات الكدابة ليها عواقب.”
سكت الصوت ثواني.
ثواني قليلة بس.
كفاية إنه يسمع نفسي المتقطع ورعشة صوتي.
ولما اتكلم تاني…
كان صوته أبرد من أي قاعة محكمة.
#حكايات_شروق_خالد
“يا كريم عبدالرحمن… ابعد عن بنتي فورًا.”
الابتسامة اختفت من وش كريم.
وسلوى وقعت منها الكوباية واتكسرت على الأرض.
والمطبخ كله سكت.
محدش اتحرك.
محدش حتى خد نفسه.
وبعدين أبويا قال الجملة الوحيدة اللي خلت ركب كريم تخونه في نفس اللحظة…
الصمت الذي أخاف الجميع ج1
حكايات شروق خالد
