سبوع الصدمه بقلم ندي الجمل
اسمي مروة… وعندي 34 سنة.
عمري ما تخيلت إن يوم سبوع ابني التالت هيكون اليوم اللي حياتي كلها هتتقلب فيه.
البيت كان مليان زغاريد، والناس فرحانة، وأنا شايلة ابني الصغير وبحمد ربنا على نعمة بيتي وجوزي وأولادي.
فجأة لقيت جوزي بص في موبايله، وشه اتغير، وقال بسرعة: “عندي ظرف مهم.. هرجع على طول.”
خرج وساب سبوع ابنه، وساعتها افتكرت إنه أكيد رايح شغل.
بعد أقل من ساعة، موبايلي رن.
كانت صاحبتي “سمر”، وهي ممرضة في مستشفى خاصة.
أول ما رديت عليها قالت: “مروة… إنتِ قاعدة؟”
قلتلها بقلق: “في إيه يا سمر؟”
قالت: “من شوية حصلت خناقة في قسم الولادة.”
استغربت وسألتها: “خناقة ليه؟”
قالت: “واحدة كانت بتولد، وبعد ما خرجت من العمليات، أهلها وأهل جوزها اختلفوا مع بعض على دخول الزيارة، والصوت علي، وكل طاقم التمريض اتلم.”
سكتت شوية، ثم كملت:
“وأنا بحاول أهدي الناس، لقيت الراجل اللي واقف معاها… أحمد جوزك.”
قلتلها بسرعة: “إنتِ متأكدة؟”
قالت: “متأكدة مليون في المية.”
“وبعدين سمعت أم الست بتقول: يا أحمد، خد بالك من ريم.”
أول ما سمعت الاسم، افتكرت كلامك القديم، وإن ريم الشاذلي هي البنت اللي أحمد كان بيحبها من أيام المراهقة، وإن أهله رفضوا يجوزوه منها لأنهم كانوا شايفين إنها مش من مستواهم.
ولما موظفة الاستقبال نادت: “زوج المريضة ريم الشاذلي… الأستاذ أحمد عبدالسلام.”
اتأكدت إن اللي قدامي مش مجرد تشابه أسماء…
ده جوزك فعلًا، وجاي يستقبل ابنه من مراته التانية.
ساعتها مقدرتش أسكت… واتصلت بيكي فورًا.
كنت بسمع الكلام وانا مصدومه 10 سنين راحوا من حياتى معاه وهو لسه فاكر ريم
طول الوقت ده انا كنت مجرد زوج وام لولاده لكن مش حبيبه
هو اتجوز ريم حبيبته وكمان خلف منها ولد
قفلت مع سمر، وحسيت إن رجلي مش شايلاني.
كنت وسط الزغاريد والضحك، لكن ولا صوت كان بيوصلني.
كل اللي كان بيرن في وداني هو اسم واحد…
ريم.
افتكرت يوم جوازنا، لما واحدة من قرايب أحمد قالت قدام الناس: “الحمد لله إن ربنا عوضه عن البنت اللي كان متعلق بيها.”
وقتها سألت أحمد مين دي، فضحك وقال: “حكاية قديمة وانتهت.”
صدقت.
لأني كنت بحبه، ومفيش زوجة بتحب تصدق إن قلب جوزها لسه متعلق بواحدة غيرها.
رجع أحمد بعد حوالي ساعتين، ماسك علبة حلويات.
دخل يضحك وكأنه كان فعلًا في شغل، وقال قدام الناس: “سامحوني يا جماعة، الظروف حكمت.”
كل اللي في البيت رحبوا بيه.
إلا أنا.
كنت ببصله وكأني بشوفه لأول مرة.
ولأول مرة، حسيت إن الراجل اللي عشت معاه عشر سنين… غريب عني.
ليلتها، بعد ما الضيوف مشيوا، نام أحمد من التعب.
أما أنا…
فضلت قاعدة على الكنبة لحد الفجر.
لا عيطت…
ولا واجهته…
كنت بفكر.
لو واجهته دلوقتي، هينكر.
ولو صرخت، هيداري كل حاجة.
لكن لو سكت…
هيكشف نفسه بنفسه.
ومن اللحظة دي، قررت إني مش هواجه أحمد إلا وأنا معايا دليل يخليه ميعرفش ينطق بكلمة واحدة.
وفي صباح اليوم التالي، طلبت من سمر تقابلني.
كان عندي سؤال واحد…
“ريم دي بقالها متجوزاه من إمتى؟”
والإجابة اللي قالتها سمر…
كانت أصعب من خبر الجواز نفسه.
بصتلي سمر بحزن وقالت:
“أنا سألت واحدة من الممرضات اللي كانت واقفة مع أهلها، وعرفت إنهم متجوزين بقالهم سنتين تقريبًا.”
اتجمدت في مكاني.
سنتين…
يعني وأنا حامل في ابني التاني، كان بيروح يجهز بيت لواحدة تانية.
ويعني وهو واقف جنبي في المستشفى وأنا بولد، كان أصلًا متجوز عليا.
حسيت إن كل ذكرى بينا بقت كدبة.
سألت سمر وأنا بصعوبة بطلع الكلام:
“هي كانت عارفة إنه متجوز؟”
هزت راسها وقالت:
“من اللي سمعته، أيوه… كانت عارفة إنه متجوز، لكن واضح إنها كانت فاكرة إنك موافقة أو إن العلاقة بينكم منتهية. سمعت أمها بتقول لواحدة من قرايبهم: الحمد لله أخيرًا ربنا رزقهم بطفل.”
الكلمة دي وجعتني أكتر.
يعني أنا وولادي بالنسبة لهم كأننا مش موجودين.
رجعت بيتي، وأول ما أحمد دخل، كان شايل هدية لابنه الصغير.
ناولها لي وهو بيبتسم وقال:
“حقك عليا… أوعدك أعوضك عن اللي حصل.”
أخدت الهدية من إيده، وشكرته بابتسامة هادية.
أما جوايا…
فكنت باخد قرار هيغير حياتنا كلنا.
من الليلة دي، بقيت أراقب كل تحركاته.
كل مرة يقول إنه مسافر شغل…
كل مرة يخرج بحجة اجتماع…
وكل فاتورة أو رسالة أو إيصال يقع قدامي، كنت أصوره وأحتفظ بيه.
لحد ما جه اليوم اللي اكتشفت فيه حاجة، خلت حتى سمر تتصدم وهي بتشوفها…
بعد أسبوعين من غير أي مواجهة، أحمد بدأ يطمن.
افتكر إن حياته ماشية عادي، وإنه نجح يخبي سره.
وفي يوم، وهو بيستحمى، موبايله فضل يرن أكتر من مرة.
أنا طول عمري عمري ما فتشت وراه.
لكن المرة دي… كان عندي حق أعرف.
بصيت على شاشة الموبايل.
الاسم اللي ظهر كان:
“أبو ريم”.
استغربت.
مين أبو ريم اللي بيتصل بجوزي عشر مرات ورا بعض؟
بعدها وصلت رسالة.
“أحمد… تعالى بسرعة، ريم تعبانة والجرح بيوجعها.”
وقبل ما ألحق أستوعب، وصلت رسالة تانية:
“ومتنساش تجيب علاج البيبي زي ما الدكتور كتب.”
حسيت إن قلبي اتقبض.
أول مرة أشوف الحقيقة مكتوبة قدامي بالشكل ده.
صورت الرسائل بموبايلي، ورجعت كل حاجة مكانها قبل ما يخرج من الحمام.
خرج وهو بيقول:
“أنا خارج ساعة مشوار شغل.”
ابتسمت وقولت:
“ربنا معاك.”
أول ما نزل…
ركبت تاكسي، وقررت أمشي وراه لأول مرة.
بعد حوالي نص ساعة، وقف قدام عمارة راقية.
نزل من العربية، وكان شايل شنطة كلها حاجات أطفال.
وبعد ثواني…
الباب اتفتح.
خرجت ريم، وهي شايلة طفل رضيع ملفوف في بطانية بيضا.
ابتسمت له، وهو باس الطفل على راسه، وبعدها دخل الشقة وكأنه داخل بيته.
وقفت في الشارع أبص للمشهد، والدموع نازلة من غير صوت.
مش لأني لسه بحبه…
لكن لأني أدركت إن الراجل اللي كنت بدافع عنه قدام الدنيا، كان عايش حياة كاملة مع ست تانية، وأنا آخر واحدة تعرف.
ساعتها طلعت موبايلي…
وصورت كل حاجة.
وكنت لسه فاكرة إن دي أقوى ورقة هتبقى في إيدي…
لكن بعد دقائق، حصلت مفاجأة عمرها ما كانت على بالي
وأنا واقفة بعيد، لمحت عربية فخمة وقفت قدام العمارة.
نزل منها راجل كبير في السن، ومعاه ست شكلها من عيلة كبيرة.
أول ما أحمد شافهم، اتوتر.
أما ريم، فوشها اتغير فجأة.
الراجل قرب منه وقال بصوت عالي:
“إنت وعدتني إن محدش هيعرف.”
بدأت الناس تبص عليهم.
وأنا واقفة بعيد براقب.
سمعته بيقول:
“يا عمي… أوطي صوتك.”
لكن الراجل كان غضبان.
قال:
“أنا وافقت أجوزك بنتي بعد ما حلفتلي إن مراتك الأولى عارفة وموافقة، وإن مفيش ظلم هيقع على حد.”
بصيت لريم.
كانت واقفة مصدومة، وبصت لأحمد وقالت:
“يعني إيه؟! مروة ما كانتش تعرف؟”
أحمد حاول يتكلم، لكن الكلمات وقفت في بقه.
قال:
“أنا… كنت مستني الوقت المناسب.”
صرخت فيه ريم:
“إنت كذبت عليا أنا كمان؟”
أبوها زقه بعيد وقال:
“إحنا عمرنا ما كنا هنرضى بنتنا تبقى سبب في خراب بيت واحدة.”
وقفت مكاني، وأنا لأول مرة أحس إن الحقيقة بتطلع لوحدها، من غير ما أتكلم ولا كلمة.
لفيت علشان أمشي.
لكن قبل ما أركب العربية، سمعت أحمد بينادي بأعلى صوته:
“مروة… استني.”
وقفت لحظة… من غير ما أبصله.
كان عارف إن اللعبة انتهت.
وإن السر اللي فضل مخبيه سنتين… انكشف في دقائق.
لكن أحمد مكانش يعرف إن الصدمة الأكبر لسه مستنياه…
لأن اللي كنت مجهزاه له، هيخليه يخسر أكتر من مجرد زوجة.
رجعت البيت، وقضيت الليلة كلها أراجع كل خطوة هعملها.
مكنتش عايزة أنتقم…
كنت عايزة آخد حقي، وحق ولادي.
تاني يوم، روحت لمحامي، وحكيتله كل حاجة، ووريته الصور والرسائل اللي معايا.
بصلي وقال:
“متتسرعيش في أي مواجهة. خلي كل حاجة تمشي بالقانون.”
نفذت كلامه.
وفي نفس الأسبوع، طلبت من أحمد يقابلني في البيت بعد ما الأولاد ناموا.
حكايات ندى الجمل
أول ما دخل، لقى شنطة هدومه جنب الباب.
استغرب وقال:
“إيه ده؟”
قلتله بهدوء:
“اقعد… عندي كلام لازم تسمعه.”
قعد وهو متوتر.
حطيت قدامه الصور اللي صورتهاله قدام العمارة.
ورسائل الموبايل.
وبعدين قلت:
“ومتتعبش نفسك في الكدب… لأن أبو ريم بنفسه قال قدامي إنك ضحكت عليهم زي ما ضحكت عليا.”
وشه فقد لونه.
حاول يبرر:
“والله كنت ناوي أصلح كل حاجة.”
قلتله:
“لا… إنت كنت ناوي تفضل عايش حياتين، لحد ما حد فينا يكتشف.”
فضل ساكت.
ولأول مرة، نزلت دموعه.
قال:
“متخربيش البيت.”
ضحكت بمرارة وقلت:
“البيت اتخرب يوم ما خرجت من سبوع ابنك علشان تروح تستقبل ابنك من واحدة تانية.”
مد إيده يمسكني، لكني بعدت.
وقلت آخر جملة:
“من النهارده، علاقتنا هتبقى قدام المحكمة… مش جوه البيت.”
خرج وهو مكسور.
أما أنا…
قفلت الباب، وسندت ضهري عليه.
يمكن كنت موجوعة…
لكن لأول مرة من سنتين، حسيت إني رجعت أتنفس.
وأقسمت بيني وبين نفسي…
إن ولادي عمرهم ما هيشوفوا أمهم مكسورة تاني.
عدى ست شهور.
كانت من أصعب شهور حياتي… لكن كمان كانت بداية حياة جديدة.
المحكمة حكمتلي بكل حقوقي وحقوق أولادي، وأحمد بقى ملزم يصرف عليهم ويشوفهم في المواعيد اللي القانون حددها.
أما هو…
فكان فاكر إن حياته مع ريم هتبقى هادئة بعد ما خرجت من حياته.
لكن الحقيقة كانت غير كده.
كل واحد فيهم بقى شاكك في التاني.
ريم فقدت ثقتها فيه بعد ما عرفت إنه خدعها وخبى عنها الحقيقة، وهو فقد راحته بعد ما خسر البيت اللي عاش فيه عشر سنين.
وفي يوم، وأنا راجعة من شغلي، لقيته واقف مستنيني.
وشه كان مرهق، وشعره كله شاب.
أول ما شافني قال:
“مروة… أنا غلطت في حقك، ومهما اعتذرت مش هتسامحيني.”
بصيتله بهدوء.
قال وهو بيعيط:
“أنا خسرت كل حاجة… البيت، وراحة البال، واحترامك… وحتى نفسي.”
قلتله:
“إنت مخسرتش في اليوم اللي اتجوزت فيه… إنت خسرت يوم ما خنت ثقة واحدة كانت شايفاك الدنيا كلها.”
سكت، ومقدرش يرفع عينه في عيني.
وقبل ما أمشي، وقف وقال:
“لو رجع بيا الزمن… كنت اخترتك من أول يوم.”
ابتسمت ابتسامة هادئة، وقلت:
“أنا كنت اختيارك فعلًا… لكن إنت اللي قررت تضيعني بإيدك.”
لفيت ومشيت، وأنا ماسكة إيد ابني الصغير.
أولادي كانوا حواليَّ، بيضحكوا، وأنا حسيت إن ربنا عوضني بأغلى حاجة… كرامتي.
وقتها بس، فهمت إن نهاية أي خيانة مش لازم تكون انتقام…
أحيانًا أكبر عقاب، إن الإنسان يعيش بقية عمره ندمان على خسارة شخص كان مخلص له من قلبه.
تمت.
بقلم ندى الجمل