اخواتي باعو امي 2 حكايات صافي هاني


شمس الصبح طلعت ونورها ملا الأوضة، وكأنها بتمسح سواد الليلة اللي فاتت. أمي اتنفست براحة لأول مرة من شهور، ووشها المجهد بدا يرتد فيه الدم تاني. طارق استأذن ونزل عشان يتابع بقية الإجراءات في النيابة ويقفل المحضر تماماً، وفضلت أنا وأمي قاعدين مع بعض.

​سندت راسي على حجرها زي زمان، وبدأت تلعب في شعري بإيدها اللي لسه دافية بريحة طيبة الزمن. قالت لي بصوت هادي: “عارفة يا نهى.. أنا مش زعلانة على الشقة ولا على الفلوس، أنا قلبي واجعني على ابني، على الحتة من كبدي اللي هانت عليه لقمة عيشي وهان عليه عرضي في الشارع. الفلوس بتروح وتيجي يا بنتي، بس ضنايا اللي باعني بالرخيص.. ده الوجع اللي ملوش دوا.”

​طبطبت عليها وقلت لها: “يا أمي، اللي ملوش خير في أمه ملوش خير في حد، وهو اختار طريق دنيته وخسر آخرته، وربنا سبحانه وتعالى بيقول: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ}. ربنا جاب لك حقك في لمح البصر عشان إنتي طيبة ومظلومة.”

​على الناحية التانية، في مبنى النيابة..

كان أحمد وشيماء قاعدين على مكتب وكيل النيابة، وشهم في الأرض، والكلابشات الحديدية مكلبشة إيديهم وكبرياءهم. شيماء مكنتش مبطلة عياط وشهق، وكل شوية تبص لأحمد بغل وتقول: “منك لله.. إنت اللي قولت لي أمك مش هتعيش كتير والشقة هتروح للغريب! إنت اللي ضيعتني وضيعت عيالنا!”

وأحمد قاعد زي الأصنام، مش قادر ينطق ولا يرفع عينه في عين وكيل النيابة، خصوصاً بعد ما واجهوهم بالتقرير الطبي الشامل اللي بيثبت إن أمي كانت تحت تأثير أدوية مخدرة وقت الإمضاء، وبشهادة المحامي المرتشي اللي جابوه بالكلابشات وهو منهار واعترف بكل قرش خده.

​وكيل النيابة بص لهم بنظرة احتقار شديدة، وهز راسه وقفل المحضر وقال: “تزوير في محررات رسمية، واشتراك في النصب، وجري..مة عقوق واستغلال مسنة.. هتروحوا من ربنا فين؟”

وأصدر قراره فوراً: “تجديد حبس المتهمين خمسة عشر يوماً على ذمة التحقيق، مع مراعاة التجديد في الميعاد.”

​لما العساكر سحبوهم عشان ينزلوا الحجز تحت، أحمد لمح طارق وهو واقف برة الأوضة مع رئيس النيابة بيتكلموا في الشغل. أحمد صرخ بعلو صوته وهو بيعيط: “لحقني يا طارق! أبوس إيدك كلم نهى تخلي أمي تتنازل! أنا ابنها يا طارق.. هضيع ومستقبلي هيتدمر!”

​طارق لف وشه وبص له بنظرة حاسمة، مفيهاش أي تشفي، بس فيها عدل يخوف. قرب منه خطوتين وقال له بمنتهى الهدوء: “لما رميت أمك في البرد وتحت المطر، مفكرتش في مستقبلها ليه؟ لما سيبتها تنام على الجرايد وتتبهدل وهي مريضة قلب، ملقيتش في قلبك ذرة رحمة؟ القانون هاياخد مجراه يا أحمد، والنيابة مش هتنازل عن حق المجتمع، حتى لو أمك سامحتك.. والزم حدودك ومتقولش أمي، لأنك من اللحظة اللي مضيتها فيها وهي عاجزة، مبقتش ابنها.”

​بعد مرور أسبوعين..

الحياة رجعت لبيتنا، بس بنكهة جديدة، نكهة البركة اللي حلت بوجود أمي معانا. طارق خلص كل الأوراق، والشقة رجعت باسم أمي رسمي في الشهر العقاري، والحسابات اتفكت ورجعت لها كل مليم.

​كنا قاعدين كلنا في الصالون بنشرب الشاي بعد الغدا، وأمي باصة لطارق وعينها مليانة فخر. طلعت عقد الشقة والتوكيل العام وبصت لنا وقالت: “الشقة دي يا طارق يا بني.. أنا هكتبها بيع وشراء لنهى وليك، إنتو اللي صنتوني وشيلتوني في وقت الكل اتخلى عني.”

​طارق ابتسم ورجع العقد في إيدها وباس راسها وقال: “العفو يا أمي، الشقة دي شقتك وبيت عيلتنا الكبير، تفضل باسمك وتعيشي فيها معززة مكرمة، واحنا ملناش طمع في أي حاجة غير رضاكي ودعاكي لينا.. دعوة واحدة منك بالدنيا وما فيها.”

​أمي دمعت وضمتنا احنا الاثنين لصدرها وقالت: “ربنا يرضى عليكم ويسعدكم، ويجعل بيوتكم عمار، ويكفيكم شر أولاد الحرام.. الحمد لله اللي عوضني بيكم، والحمد لله اللي أثبت لي إن الدنيا لسه بخير.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *