ثروة حمايا ج 2 انجي الخطيب
حسيت إن كلامي ليهم في اللحظة دي كان زي السكينة اللي شقت الحقيقة قدام عينيهم، سكتوا خالص، وبصوا لبعض بنظرات انكسار وهما شايفين جوزي وهو واقف ساندني بكتفه، ملامحه كانت بتعبر عن عزة نفس وكرامة اتعلمها من أبوه، مش عن طمع أو كره. سابونا ومشيوا، بس المرادي مش زي كل مرة، مشيوا وهم حاسين بتقل الهزيمة، لا معاهم فلوس، ولا معاهم ضهر يسندهم، ولا حتى وجه يقابلوا بيه الجيران اللي بقوا عارفين حكايتهم بالتفصيل.
عدت الشهور، وبدأت الحياة ترجع لطبيعتها، بس هدوء البيت كان مختلف، هدوء مليان رضا. في يوم، لقيت جواب وصلني على البيت من واحدة من أخوات جوزي، مكنتش فاكرة إنهم لسه فاكرين عنواننا. فتحت الجواب وأنا إيدي بتترعش، لقيت فيه ورقة صغيرة مكتوب فيها أنا آسفة.. مش عشان الفلوس، بس عشان اكتشفت إننا عشنا طول عمرنا بنجري ورا سراب، وإنتي كنتي عايشة الحقيقة. أنا دلوقت لوحدي، وجوزي طلقني بعد ما الفلوس اللي كانت معانا خلصت في المحاكم، وعرفت إن اللي اتكسر بينا مبيتصلحش.
الرسالة دي كانت بالنسبة لي الخاتمة اللي مكنتش مستنياها. مكنتش محتاجة اعتذارهم، بس كان لازم
اسمع الكلمة دي عشان أرتاح وأقفل الصفحة دي تماماً. جوزي لما عرف، مقالش حاجة، بس قعد فترة طويلة ساكت وبيبص في صورة أبوه اللي معلقينها في الصالة، وكأنه بيقوله أنا عملت اللي عليا، وربيت ولادي على أصلك.
النهارده، ولادي التوأم اتخرجوا، والبيت اللي كان دايماً فيه ريحة دواء ومرض، بقى فيه ضحك ومذاكرة ومستقبل بيتبني. كل ما بمر من قدام الكرسي اللي كان حمايا بيقعد عليه، ببتسم وبفتكر أول يوم دخلته بيتنا، وإزاي ربنا أكرمني ببركة دعواته. اتعلمت إن الحياة مش دايماً بتمشي بالعدل اللي إحنا بنتمناه، بس في الآخر، الحق بياخد مجراه حتى لو طال الزمن، وإن الشخص اللي بيحط قلبه في عمل الخير، ربنا بيحط له جبر خاطر مبيخلصش أثره.
حمايا مكنش مجرد راجل عجز ومات، ده كان اختبار لقلبي، وأنا والحمد لله، بفضل الله، عديت الاختبار، وخرجت منه بكنز مش في البنك، كنز في ولادي، وفي جوزي، وفي طمأنينة قلبي اللي مفيش حد يقدر يشتريها بمال الدنيا كله.
……….
القصة مخلصتش بمجرد رسالة اعتذار، الحياة استمرت، والدرس اللي اتعلمته ولادي هما اللي بقوا شايلينه دلوقتي. كبروا وهما شايفين أمهم اللي كانت بتمسح دموع جدهم وبتحميه، وأبوهم اللي كان بيسندهم وقت الضيق، فطلعوا نسخة تانية من الطيبة والشهامة اللي كان حمايا دايماً بيحلم بيها.
في يوم، وأنا بقلب في صندوق الذكريات اللي كان حمايا سايبهولي، لقيت مذكرات صغيرة كان كاتبها بخط إيده في السنين الأخيرة. فتحت صفحة عشوائية لقيت مكتوب فيها ليلى هي اللي شافتني لما الناس كلها شافتني عبء، هي اللي جبرت بخاطري لما الكل كسرني، والنهارده، أنا مش بس سيبتلها فلوس، أنا سيبتلها دعوة مابتنقطعش، وسيبت لولادها بخت هيعيشوا بيه طول العمر.
الكلام ده خلاني أحس إن كل دقيقة تعب، كل وجع في رجلي، وكل ليلة نمت فيها وأنا مهدودة من التعب، كانوا تمن بخس في مقابل الرضا اللي في قلبي دلوقتي. أخوات جوزي، عرفت بعد فترة إنهم مش بس خسروا الفلوس، هما تاهوا في الدنيا، بقوا زي اللي بيحاول يمسك المية بإيده، كل ما يحاولوا يجمعوا حاجة، تضيع منهم، لأنهم فقدوا أهم حاجة ممكن الإنسان يملكها.. الرضا وبركة الأهل.
أنا النهارده عندي 50 سنة، جوزي لسه سند، ولادي بقوا رجالة بيعتمد عليهم، والبيت اللي كان دايماً شاهد على صراعات وطمع، بقى واحة للحب والسكينة. مابقتش أبص ورايا، ولا بقيت شايلة هم اللي فات، لأني اتأكدت إن اللي بيعمل الخير لوجه الله، ربنا بيحفظه بحفظه، وبيكفيه شر النفوس المريضة.
أوقات كتير بقف قدام الشباك، ببص على الطريق، وبفتكر اللحظة اللي كنت بداخل فيها حمايا البيت وهو على الكرسي المتحرك، وبقول لنفسي الحمد لله إني كنت أمينة على الأمانة، والحمد لله إن الحكاية خلصت بجبر خاطر، مش بس ليا، بس كمان لذكرى راجل طيب، كل ذنبه إنه حب ولاده أكتر ما حبوا هما نفسهم.
الحكاية دي مش قصة فلوس وودايع، الحكاية قصة بنت أصول قدرت المعنى الحقيقي للبر، وقدرت إن الدنيا دي دوارة، والزرعة الحلوة، حتى لو اتعرضت للشمس والرياح، بتفضل ثابتة وجدرورها قوية، لأنها ببساطة.. زرعة أصلها ثابت وفرعها في السما.
………
السنين بتجري زي لمح البصر، كأنها شريط سينما بيتعرض قدام عيني بلقطات سريعة. في يوم وليلة لقيت نفسي واقفة في نفس المطبخ، بس المرة دي بجهز أكل العقيقة بتاعت أول حفيد ليا. ابني ربنا رزقه بولد، والبيت اللي كان يوم من الأيام مسرح لأسوأ كوابيسي وانكساري،
لمحة نيوز
بقى مليان زغاريد وضحك وريحة بخور طالعة من كل ركن. وسط الدوشة والفرحة، الباب خبط.. نفس الخبطة العالية اللي من سنين طويلة رعبتني وخلت قلبي يقع في رجلي، بس المرة دي مكنتش خايفة. جوزي هو اللي راح يفتح، ولقيته راجع ووشه منور بضحكة مالية وشه، وشايل حتة لحمة حمرا ملفوفة في بطانية بيضا، ووراه ابني ومراته.
جوزي قرب مني، وحط حفيدي في حضني، وعنيه بتلمع بدموع الفرحة، وقالي بصوت مليان شجن سميناه على اسم أبويا يا ليلى.. عشان البيت يفضل فيه ريحته، وعشان يتعلم منك يعني إيه أصول زي ما إحنا اتعلمنا. بصيت للمولود الصغير، ملامحه بريئة وهادية، ودموعي نزلت غصب عني، بس المرة دي كانت دموع عوض وجبر خاطر. شيلته وقربته من قلبي، وحسيت إني بشم فيه ريحة الأيام الصعبة اللي عدت وطلعت منها كسبانة كل حاجة.
في اللحظة دي، سمعت صوت دوشة بره، ولادي الاتنين بيهزروا وبيتنافسوا مين فيهم اللي هيشيل الصغير الأول، وجوزي واقف بيبصلهم وبيضحك من قلبه. رفعت عيني للصورة المتعلقة على الحيطة، صورة حمايا وهو بيضحك نفس الضحكة الصافية. حسيت إن روحه حاضرة معانا في المكان، بتبتسم وبتبارك اللمة دي، وكأنه بيطبطب على كتفي وبيقولي أمانتك كبرت وطرحت يا بنتي.
كل حاجة في الدنيا دي سلف ودين، الكلمة الطيبة سلف، والخدمة لوجه الله سلف، واللقمة اللي بتتحط في بوق ضعيف سلف، وحتى قسوة القلوب سلف بيترد لأصحابه في يوم من الأيام. أنا زرعت في أرض كانت باينة إنها ناشفة وصعبة، بس سقيتها بالرضا والصبر، وربنا طرحلي فيها جناين من الفرحة والستر. ودي مكنتش نهاية حكايتي، دي كانت بداية لحكاية جديدة خالص، بطلها حفيدي اللي شايل اسم راجل عرف يعني إيه يوزع حبه بالعدل، وسابلي وراه عيلة متتكسرش مهما الأيام مالت بيها.
……..
البيت كان دافي، دفا مش بس من الفرن اللي شغال أو الناس اللي بتضحك، دفا طالع من الرضا اللي مالي القلوب. ولادي التوأم كبروا، واحد فيهم بقى دكتور والتماني مهندس، الاتنين بيجروا حوالين حفيدي، شايلينه على كفوف الراحة، بيعوضوه عن كل لحظة حرمان شافوها هما في طفولتهم، وبيمسحوا بيه كل أثر للوجع اللي كنت بحس بيه لما ببص في وش جوزي وأفتكر قسوة أهله.
في ركن هادي من الصالة، قعدت على الكرسي اللي كان حمايا دايماً بيقعد عليه، وسندت ضهري زي ما كان بيسند، وغمضت عيني، حسيت بهدوء عجيب، هدوء مايتمتعش بيه غير اللي قلبه مفيش فيه ذرة غل ولا حسابات مع حد. فجأة، سمعت صوت خبطة خفيفة على الباب، خبطة مترددة، مش زي خبطة أخوات جوزي زمان، خبطة مكسورة.
قمت بصعوبة، وفتحت الباب، لقيت ست لابسة أسود، وشها دبلان ومحفور فيه التعب، وبصتلي بعيون مكسورة. مكنتش محتاجة وقت عشان أعرفها، دي كانت أخت جوزي الكبيرة. مكنتش جاية بتهجم ولا بتطالب بحق، كانت جاية بشنطة هدوم صغيرة، وبصتلي بصوت مخنوق وقالتلي أنا عارفة إني ماليش مكان، وعارفة إني كسرت رجلك وكسرت قلوبكم، بس أنا مليش حد، والشارع ميرحمش.
بصيت لجوزي اللي كان واقف ورايا، شفت في عينيه حيرة، بس في نفس الوقت شفت في عينيه أصل أبوه. مسكت إيدها، وبكل هدوء وقوة، دخلتها البيت. مش عشان نسيت اللي عملوه، ولا عشان الفلوس اللي اتسرقت، بس عشان أنا ليلى، الست اللي اتعلمت إن البيوت بتتبني بالستر والرحمة، وإن ربنا اللي رزقني بكل الخير ده، هو اللي بيختبر صبري مرة تانية.
قعدتها على السفرة، وقدمتلها لقمة، زي ما كنت بقدم لحمايا الله يرحمه. في اللحظة دي، ولادي دخلوا، وقفوا ورايا، مش عشان يطردوها، بس عشان يشاركوني في جبر الخاطر. ومن اليوم ده، اتحول البيت لدرس كبير؛ كل اللي دخل فيه من بعد الكسرة والظلم، خرج منه وهو متعلم إن الدنيا دي مش دايمة لحد، وإن الأصل هو اللي بيفضل، وإن الرحمة أقوى من أي محكمة وأي قانون.
قصتي قفلت فصولها، بس سابت وراها سيرة طيبة في المنطقة كلها. أنا لا بطلة خارقة ولا ست متميزة، أنا مجرد ست حبت ربنا ف جبر بخاطر راجل عجوز، ولما الدنيا دارت عليها، لقت ربنا بيبعت لها كل الناس اللي تحبها وتجبر بخاطرها. الحكاية خلصت، بس البركة لسه في البيت، والضحكة لسه في وش ولادي، والستر لسه مغطينا.. وكل ده، كان تمن عشر سنين خدمة لوجه الله، اللي طلعوا أحلى استثمار في حياتي كلها.
تمت
حكايات انجى الخطيب