أرسلتُ ملابس زوجي إلى المغسلة
أرسلتُ ملابس زوجي إلى المغسلة.. وفجأة اتصلت بي الموظفة: “يا مدام، لقينا حاجة مرعبة في الجيب!”.. وعندما رأيتها، كدتُ يغمى عليّ!
لم أشك في أي شيء على الإطلاق وأنا أضع قمصان عمل “رامي” داخل حقيبة الغسيل الزرقاء. كان يوم الأحد، وشقتنا تفوح منها رائحة منظف الليمون وتوك توك الخبز المحروق. يوم عادي.. روتين منزلي قاتل.. من نوع الملل الذي كنت أظن خطأً أنه يعني الأمان والسلام.
طبع رامي قبلة على جبهتي وهو في طريقه للخروج “لقضاء بعض المشاوير”، تمامًا كما يفعل دائمًا. كان في الرابعة والثلاثين من عمره، مديرًا متوسطًا في شركة شحن وتفريغ إقليمية، من نوعية الرجال الذين يعشقون أن يراهم الناس كأشخاص يُعتمد عليهم. كنا متزوجين منذ خمس سنوات. لم ننجب أطفالاً بعد، والغالب في ذلك لأنني تعرضت لإجهاضين متتاليين، وشعرت حينها أن جسدي يعاقبني لأنني تمنيت تكوين أسرة. كان رامي يقول دائمًا: “لسه قدامنا وقت، مش مستعجلين”، لكن في الفترة الأخيرة، كان صبره يبدو… مصطنعًا ومبرمجًا.
تركت حقيبة الملابس في مغسلة “المنار”، المحل الصغير الذي تديره عائلة طيبة في شارع التحرير. كانوا يعرفونني جيدًا؛ الست “أم أحمد” كانت دائمًا تمدح عباءتي، وتسألني عن صحة والدتي. دفعت الحساب، وأخذت الإيصال، وعدت إلى
المنزل وأنا أشعر بالراحة الهدامة لإنهاء مهمة من مهامي اليومية.
بعد ساعتين، رن هاتفي.
قالت فتاة صغيرة في السن، وكان صوتها مشدودًا ومتوترًا: “يا مدام؟ أنا من مغسلة المنار. أنا آسفة جدًا إني بزعجك.. بس إحنا لقينا حاجة في جيب جوزك.. حاجة.. حاجة مرعبة!”.
انقبضت معدتي فورًا، وقلت: “قصدهم إيه؟ في إيه؟”
ساد صمت طويل على الطرف الآخر، كأنها تختار كلماتها بحذر شديد: “كيس بلاستيك صغير.. جواه حبوب بيضاء.. ومعاه كارت مغناطيسي.. زي كارت مفتاح الفنادق”.
كدت أسقط الهاتف من يدي: “أنتِ متأكدة إنها بتاعة جوزي؟”
أجابتني بسرعة: “آه يا فندم، التيكيت اللي مطرز في قبة القميص مكتوب عليه اسمه.. رامي كارم. إحنا ما فتحناش أي حاجة تانية، بس.. ما عرفناش نتصرف إزاي”.
جف حلقي تمامًا.. حبوب بيضاء.. مفتاح فندق.. رامي الذي “يقضي مشاوير”.. رامي الذي يعود للمنزل أحيانًا ورائحته تفوح بعطر رجالي لم أشتره له قط!
قلت لها بصوت متحشرج: “أنا جاية حالاً”.
قدت سيارتي هناك وأنا في حالة من الذهول الكامل، يداي كانتا متصلبتين على عجلة القيادة. في موقف السيارات، جلست لمدة دقيقة كاملة أراقب لافتة المغسلة وكأنها تستطيع تفسير ما يحدث.
في الداخل، كان العاملون يبدون في حالة صدمة. الست أم أحمد لم تكن
واقفة وراء مكتب الاستقبال، بل كانت ابنتها هي الموجودة. مررت لي كيسًا صغيرًا مغلقًا بسحاب دون أن تلمسه بشكل مباشر، وكأنه شيء ملوث أو يحمل وباءً.
في الداخل، كانت هناك خمس حبات بيضاء منقوش عليها حرف “M” صغير وأرقام لم أتعرف عليها. أما كارت مفتاح الفندق، فكان يحمل شعار: “أجنحة فيو النيل”.
ضاقت رؤيتي وشعرت بالدوار.. لم يغمى عليّ تمامًا، لكني فهمت في تلك اللحظة كيف يغمى على الناس. شعرت بركبتي ترتخيان، وكان قلبي ينبض بقوة وعنف شديدين لدرجة الألم.
همست الفتاة: “يا مدام.. تحبي نطلب البوليس؟”
نظرت إلى الكيس مرة أخرى، ثم لاحظت شيئًا آخر كان محشورًا في الزاوية: ورقة مطوية، كانت مبللة من الغسيل لكنها لا تزال مقروءة.
فتحتها بأصابع ترتعش بشدة.
كانت هناك رسالة مكتوبة بخط يد رامي، بخطه المنظم والدقيق المعتاد:
“ما تنسيش: يوم الخميس. نفس الأوضة. هي مش لازم تعرف”.
انغلق حلقي تمامًا، ولم أستطع التقاط أنفاسي.
لأن يوم الخميس لم يكن يومًا عشوائيًا بالمرة..
يوم الخميس كان هو اليوم المحدد الذي أذهب فيه لزيارة طبيب الخصوبة والحقن المجهري..
ورامي كان يصر دائمًا، وبشدة، على أن يوصلني بنفسي هناك…….
لأن يوم الخميس لم يكن يومًا عشوائيًا
بالمرة..
يوم الخميس كان هو اليوم المحدد الذي أذهب فيه لزيارة طبيب الخصوبة والحقن المجهري.. ورامي كان يصر دائمًا، وبشدة، على أن يوصلني بنفسي هناك.
وهنا انفتح باب الجحيم في عقلي.. وبدأت الحقائق تتشابك بشكل مرعب:
تذكرتُ كل يوم خميس على مدار الأشهر الستة الماضية. كان رامي يصر على إيصالي، ينتظرني في العيادة، وبعد أن ننتهي كان يصر على أن نتوقف لنشرب القهوة معًا. وبعدها، كان دائمًا يتحجج بـ “مشوار سريع ومهم تبع الشغل” في طريق عودتنا، ويطلب مني أن أنتظره في السيارة؛ كنت أوافق دون تفكير لأنني أكون مرهقة جسديًا ونفسيًا بعد الفحوصات والعمليات المجهدة.
المشوار السريع كان هنا.. في فندق “أجنحة فيو النيل”.
نفس الغرفة.. حتى لا تكتشف زوجته شيئًا.
قدت سيارتي إلى الفندق وأنا في حالة ذهول كامل، يداي متصلبتان على عجلة القيادة. دخلت الفندق، وكان بهو الاستقبال يفوح برائحة الرخام الملمع والمعطرات الفاخرة. زوجان يسجلان دخولهما وهما يضحكان، وسيدة أعمال تجر حقيبتها.. كل شيء يبدو طبيعيًا ولا أحد هناك يوحي بأنه يخفي حياة مزدوجة.
تقدمت نحو موظفة الاستقبال، وقلت لها وأنا أحاول جاهدة ضبط نبرة صوتي: “مساء الخير، أعتقد إن جوزي نسي كارت المفتاح بتاعه هنا.. اسمه رامي كارم”.
بحثت
الموظفة في الحاسوب ثم قالت: “أه فعلاً يا فندم، أستاذ رامي نزيل دائم عندنا”.
لمحة نيوز
نزيل دائم!
ضغطت بأصابعي على مكتب الاستقبال وقُلت: “رقم الأوضة كام معلش؟”
ترددت الموظفة: “أنا آسفة يا مدام، ماقدرش أديكِ الرقم..”
أخرجت كارت المفتاح الذي وجدته في جيب قميصه، ووضعته على المكتب وابتسمت بثقة مصطنعة: “أنا مراته، وهو مستنيني فوق بس تليفونه مقفول، وأنا عايزة أطلع أساعده”.
نظرت الموظفة للكارت ثم خفضت صوتها: “غرفة 1412.. بس يا فندم أنا..”
لم أنتظر سماع بقية جملتها. تحركت نحو المصعد الذي شعرت أن رحلته للدور الرابع عشر استغرقت دهرًا كاملًا. عندما فتح الباب، كان الممر هادئًا لدرجة أنني كنت أسمع صوت أنفاسي المتسارعة.
مشيت بخطوات مرتجفة حتى وصلت للغرفة 1412.
مررت الكارت.. ومضى الضوء الأخضر.. وتكّ قفل الباب ليفتح.
والصوت الأول الذي اخترق مسامعي لم يكن صوت خيانة جسدية أو ضحكات..
بل كان صوت بكاء!
صوت نحيب لامرأة، بكاء ضعيف، منكسر ومكتوم.
ثم جاء صوت رامي، منخفضًا وحادًا ومستعجلاً: “بس بقى! لازم تاخديها حالا.. مفيش وقت!”.
تجمد الدم في عروقي.
دفعت الباب بقوة أكبر ليتسع..
كان رامي واقفًا بالقرب من السرير، وقد شمر أكمام قميصه، ممسكًا بكوب من الماء في يد، وفي يده الأخرى حبة دواء.. واحدة من تلك الحبوب البيضاء.
وعلى السرير، كانت تجلس فتاة شابّة ترتدي برنص الحمام، وجهها متورم ومخطط من البكاء، وعيناها تشعان رعبًا وخوفًا.
نظرت إليّ الفتاة وكأنها كانت تنتظر معجزة أو شخصًا ينقذها من الموت..
ثم همست بكلمتين زلزلتا كياني وهزتا الأرض من تحت قدميّ:
“أنا حامل!”…
التفت رامي
بسرعة نحو الباب، وعندما رآني، سقط كوب الماء من يده لينكسر على الأرض وتتناثر شظاياه ومياهه في كل مكان. تحول وجهه إلى اللون الأبيض الشاحب، وتلاشت كل علامات السيطرة والبرود التي كان يرتديها دائمًا.
”نادية؟!” نطق اسمي بصوت متحشرج وخافت، كأنه يرى شبحًا.
نظرتُ إليه، ثم إلى الفتاة الجالسة على السرير، والتي تبدو في أوائل العشرينيات من عمرها. كانت ترتعش وتهز رأسها برعب، ممسكة ببطنها وكأنها تحاول حماية شيء ما بداخله. انقبض قلبي بقوة؛ لم أشعر برغبة في الهجوم عليها أو تمزيق شعرها كما تفعل الزوجات المخدوعات في الأفلام. كل ما شعرت به في تلك اللحظة كان مزيجًا قاتلًا من القرف والشفقة.
”إيه اللي بيحصل هنا؟” سألتُ بصوت هادئ، هدوء غريب ومخيف أرعب رامي أكثر من الصراخ.
تقدم رامي نحوي بضع خطوات ويداه ممدودتان في الهواء محاولًا تهدئتي: “نادية، أرجوكي.. الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة.. اسمعيني بس..”.
”مش زي ما أنا فاهمة؟!” قاطعته وأنا أخرج الكيس البلاستيكي من حقيبتي وألقيه في وجهه. “الحبوب دي.. كارت الأوضة.. الرسالة اللي بخط إيدك اللي بتقول فيها (هي مش لازم تعرف)!.. تقصد إيه بـ (هي)؟ تقصدني أنا، صح؟”
نظرت الفتاة إلى الكيس البلاستيكي ثم صرخت وهي تبكي: “أنتِ مراته؟ هو قال لي إنه مطلقك! وقال لي إن الحبوب دي مجرد فيتامينات ومثبتات عشان الحمل! كان عايزني آخدها غصب عني!”.
في تلك اللحظة، رُفع الستار عن المؤامرة كاملة، ووقعت الحقيقة على رأسي كالصاعقة.
رامي لم يكن متزوج على لمجرد المتعة فقط. رامي —الرجل الذي
بكي معي عند إجهاضي مرتين، الرجل الذي كان يواسيني ويدعي الصبر— كان يدير حياة موازية. وعندما حملت هذه الفتاة منه، لم يكن يريد فضيحة تدمر صورته كـ “رجل يعتمد عليه” أمام عائلته وأصدقائه وفي عمله. كان يريد التخلص من الجنين دون أن يترك أي أثر.
نظرتُ إلى الحبوب المتناثرة على الأرض.. “ميزوبروستول”.. حبوب الإجهاض.
”كنت بتجيب الحبوب دي منين يا رامي؟” سألته وأنا أشعر بالتقيؤ يملأ حلقي. “من عيادة دكتور الخصوبة بتاعي، صح؟ يوم الخميس.. لما كنت بتصر تروح معايا، ولما كنت بتسيبني في العربية وتدخل بحجة إنك بتدفع الحساب أو بتجيب روشتة.. كنت بتسرقها؟ أو بتشتريها من حد هناك؟”.
لم يُجب. تراجع خطوة إلى الوراء، وعيناه تلتفتان في الغرفة كفأر محاصر في مصيدة.
”أنت مش بني آدم..” همستُ والدموع تحرق عينيّ لأول مرة. “أنا خسرت طفلين وكان قلبي بيتقطع، وأنت كنت بتاخد الحبوب اللي بتنهي حياة الأطفال عشان تدمر بيها حياة بنت تانية؟”.
التفتُ إلى الفتاة، تحركتُ نحو السرير بخطوات ثابتة رغم ارتعاش جسدي. جلستُ بجانبها، وأمسكت بيدها الباردة. نظرتُ في عينيها المرعوبتين وقلت لها: “الحبوب دي مش فيتامينات. دي حبوب إجهاض. كان عايز يموت ابنك ويخلص منه عشان يحمي نفسه”.
شهقت الفتاة ورجعت إلى الورا برعب، وهي تنظر لرامي وكأنها ترى شيطانًا.
”نادية! لمي الدور واخرجي بره، دي مشاكل تخصني!” صرخ رامي فجأة، محاولًا استعادة السيطرة بصوت جهوري مهدد.
وقفتُ واجهته بكل شجاعة، وأخرجتُ هاتفي المحمول الذي كان يسجل كل شيء منذ لحظة دخولي الغرفة.
“الموضوع مابقاش يخصك لوحدك يا رامي. المكالمة المسجلة من المغسلة، الحبوب، الرسالة اللي بخط إيدك، والاعتراف الصوتي اللي متسجل حالا على التليفون ده.. كل ده هيروح للشرطة حالا.. ولهلِك.. ولشركتك”.
انطفأت النبرة الشجاعة في صوته فجأة، وتحول إلى ذعر حقيقي: “نادية، بلاش فضايح، إحنا عشرة خمس سنين.. هطلقها.. هنهي كل حاجة.. بس بلاش تخربي بيتنا!”.
”بيتنا اتخرب من زمان يا رامي.. من يوم ما بقيت مسخ ملوش قلب،” قلتها وأنا ألتفت للفتاة: “اجمعي حاجتك وتعالي معايا. مش هسيبك معاه هنا”.
أخذت الفتاة حقيبتها وجاكيتها بسرعة وهي تبكي، وخرجتْ أمامي من الغرفة. التفتُّ لرامي لآخر مرة، نظرت إليه بنظرة احتقار لم يسبق لي أن نظرت بها لإنسان من قبل، ثم أغلقت الباب وراءنا.
بعد مرور ستة أشهر..
أنا الآن أعيش في شقة صغيرة خاصة بي في الإسكندرية، قريبة من البحر الذي يغسل الهموم. قضيتي في محكمة الأسرة أوشكت على الانتهاء، وحصلت على الطلاق للضرر بعد أن قدم محاميّ كل الأدلة والتحجيلات للنيابة، وتم فتح تحقيق رسمي مع رامي بتهمة محاولة الإجهاض القسري وحيازة أدوية غير قانونية، وهو الآن ينتظر حكمًا بالسجن قد يدمر مستقبله بالكامل.
أما بالنسبة للفتاة “منى”.. فقد ساعدتها في العثور على ملجأ آمن عند عائلتها بعد أن عرفوا الحقيقة، وهي الآن في شهرها الثامن.
أحيانًا، عندما أجلس في شرفتي وأشرب الشاي، أتذكر ذلك الأحد العادي.. رائحة الليمون والخبز المحروق.. وأحمد الله على تلك المعجزة الالهية، وعلى قميص رامي الذي نسي أن يفتش جيوبه قبل
أن يرسله إلى المغسلة.. القميص الذي أنقذ حياتي، وأنقذ روحًا بريئة لم تكن لترى النور.
