مطعـم ملك ج 3 حكـايات منـي الـسـيد
الفصل السادس (قبل الأخير)
عمري ما كنت أتخيل إن أكتر حاجة هتخوفني في حياتي مش الفشل…
لكن النجاح.
لأن النجاح أول ما بيكبر…
بيطلع ناس كتير كانت مستخبية في الضلمة.
وقفت ماسكة الإنذار اللي الراجل سابه على الترابيزة، وحاسة إن الكلام اللي مكتوب قدامي مش داخل دماغي.
إخلاء خلال ثمانٍ وأربعين ساعة.
نزاع على الأرض.
إجراءات قانونية.
كل كلمة كانت بتخبط في قلبي.
أستاذ سامح قرب مني وقال بخوف:
ـ يا شيف… ده حقيقي؟
بصيتله وأنا باخد نفس طويل.
ـ معرفش.
بس هنعرف.
الرجالة خرجوا من المطعم، والزباين بقوا يبصوا لبعض، والهمس بدأ يزيد.
وفي وسط كل ده…
كريم كان لسه واقف مكانه.
قرب بهدوء وقال:
ـ لو سمحتي… اسمعيني خمس دقايق بس.
كنت هرفض.
لكن بصراحة…
صوته مكانش فيه غرور المرة دي.
كان فيه خوف.
قلت ببرود:
ـ اتفضل.
قال وهو بيبص على الورقة:
ـ الشركة دي أنا أعرفها كويس… وورقها عمره ما بيطلع إلا لو في حد بيمولهم.
رفعت عيني.
ـ تقصد إيه؟
ـ أقصد إن الموضوع مش أرض.
الموضوع انتي.
…
في نفس الوقت…
كان في مكتب فخم في التجمع الخامس.
شاهندة قاعدة قدام راجل في الخمسينات، بدلة رمادي، وسيجار كوبي في إيده.
ابتسم وهو بيقلب صور المطعم.
ـ يعني عايزة المطعم يقفل؟
قالت بثقة:
ـ مش بس يقفل.
عايزة اسمها يختفي.
ضحك الراجل.
ـ واضح إنها عاملالك عقدة.
شاهندة ضغطت على أسنانها.
ـ طول ما هي موجودة… كريم عمره ما هيرجعلي.
الراجل قفل الملف وقال:
ـ اعتبري الموضوع خلص.
بس افتكري…
كل خدمة ليها تمن.
…
رجعت البيت آخر اليوم.
ولأول مرة من شهور…
حسيت إني تعبانة بجد.
مش جسمي…
روحي.
قعدت أبص على صور المطعم يوم الافتتاح.
افتكرت كل تفصيلة.
أول طوبة.
أول معلقة.
أول زبون.
وأول مرة شفت اسمي مكتوب على اللافتة.
معقول كل ده يضيع؟
دموعي نزلت من غير ما أحس.
وفي نفس اللحظة…
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت كريم.
شايل كرتونة كبيرة.
بصيتله باستغراب.
ـ إيه ده؟
قال:
ـ حاجتك.
ـ حاجتي؟
فتح الكرتونة.
ولقيت…
مريلة المطبخ القديمة.
الكشكول اللي كنت بكتب فيه أفكار جديدة.
وصور من أيام الكلية.
حتى البرطمان الصغير اللي كنت بحط فيه بهارات مخصوص.
بصيتله.
ـ دول كانوا عندك؟
هز راسه.
ـ بعد ما سبنا بعض… كنت محتفظ بيهم.
افتكرت إنهم مجرد حاجات.
بس لما جيت أرميهم…
معرفتش.
سكت شوية.
وبعدين قال بصوت مكسور:
ـ يمكن كنت برمي آخر حاجة باقية منك.
ما رديتش.
لكن لأول مرة…
حسيت إن ندمه حقيقي.
…
تاني يوم الصبح…
المحامي خلص مراجعة كل الأوراق.
ابتسم وهو بيقفل الملف.
ـ عندي خبر حلو.
قلبي دق.
ـ إيه؟
ـ الأرض سليمة.
اتنفست براحة.
لكن قبل ما أفرح…
كمل كلامه.
ـ المشكلة إن في حد قدم مستندات مزورة.
ولو متلحقناش الموضوع بسرعة… ممكن القضية تطول سنين.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
يعني حتى لو إحنا صح…
هنفضل في المحاكم؟
…
بعد الضهر…
كريم طلب يشوفني.
قابلته في مكتب المحامي.
أول ما دخل، حط فلاشة صغيرة على الترابيزة.
وقال:
ـ دي ممكن تغير كل حاجة.
المحامي شغلها.
ظهر فيديو من كاميرا مراقبة.
شاهندة.
ومعاها نفس الراجل اللي جه المطعم.
وبيسلمها ظرف.
وبعدين صوتها واضح:
“خلال أسبوع المطعم لازم يقفل… مهما كلف الأمر.”
المكتب كله سكت.
المحامي قال:
ـ الفيديو ده لو اتحقق منه…
يبقى القضية اتقلبت.
بصيت لكريم.
ـ جبت الفيديو ده منين؟
قال:
ـ الشركة اللي كنت شغال معاها زمان… لسه ليا ناس فيها.
واحد منهم كلمني بعد ما عرف اللي بيحصل.
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال:
ـ المرة دي…
مش هسمح حد يأذيكي بسببي.
…
خرجنا من المكتب.
وأول مرة نمشي جنب بعض من غير خناق.
ولا كلام كتير.
لحد ما وقف فجأة.
وقال:
ـ فاكرة أول مرة أكلت من إيدك؟
ابتسمت غصب عني.
ـ كنت نايم في المكتبة.
ضحك بخفة.
ـ وافتكرت إن ملاك حطلي الأكل.
سكت.
وبعدين بصلي.
ـ أنا فعلاً كنت محظوظ.
بس كنت غبي.
بصيت قدامي.
ـ متقولهاش دلوقتي.
ـ ليه؟
ـ لأن الكلام بعد ما كل حاجة تبوظ… بيبقى سهل.
هز راسه.
ـ عندك حق.
…
بعد يومين…
انتشر خبر القضية في السوشيال ميديا.
والناس بدأت تدعم المطعم.
طوابير الزباين رجعت أطول من الأول.
لكن النجاح المرة دي كان مختلف.
كل واحد داخل يقول كلمة.
“إحنا وراك.”
“متستسلميش.”
“الحق لازم يبان.”
وأنا لأول مرة أحس…
إن اللي بنيته بقى ملك للناس كمان.
…
بالليل…
كنت بقفل المطعم.
لقيت عربية سودة وقفت قدام الباب.
نزل منها الراجل اللي كان مع شاهندة.
ابتسم ابتسامة باردة.
ـ واضح إنك افتكرتي إنك كسبتي.
قلت بثبات:
ـ الحقيقة مبتخسرش.
قرب خطوة وقال:
ـ الحقيقة… ساعات بتختفي.
قبل ما أفهم قصده…
سمعت صوت عربية بسرعة كبيرة.
ولقيت عربية نقل فقدت السيطرة داخلة ناحية المكان.
كل اللي واقفين صرخوا.
وفي لحظة…
حد شدني بكل قوته.
وقعت على الأرض.
ولما فتحت عيني…
لقيت كريم واقع قدامي.
والدم نازل من جانب رأسه.
صرخت باسمه وأنا بركع جنبه.
ـ كريم!… كريم افتح عينيك!
فتح عينه بصعوبة، وحاول يبتسم.
وقال بصوت يكاد يُسمع:
ـ الحمد لله… إنتِ بخير.
وقبل ما أقدر أتكلم…
أغمض عينيه.
وفي نفس اللحظة…
العربية اللي عملت الحادث اختفت في آخر الشارع…
وكأن اللي حصل…
مكانش حادث خالص.
كان محاولة مدبرة…
الفصل السابع والأخير
بيقولوا إن الزمن كفيل يداوي أي جرح…
لكن الحقيقة إن الزمن لوحده ما بيعالجش حاجة.
اللي بيعالج الوجع…
هو الإنسان لما يقرر يواجه نفسه قبل ما يواجه الناس.
…
فتحت عيني في المستشفى على صوت الأجهزة.
أول حاجة شوفتها كانت أستاذ سامح واقف عند الباب، وأحمد وعمر ويوسف قاعدين بره الأوضة، وكل واحد فيهم وشه عليه ألف حكاية.
بصيت حواليّا بسرعة.
ـ كريم فين؟
أحمد ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
ـ الحمد لله… خرج من العمليات.
حسيت إن جبل كان فوق صدري واتشال.
مكنتش مستوعبة ليه أول سؤال خرج مني كان عنه.
يمكن لأن الإنسان مهما حاول يقنع نفسه إنه نسي…
القلب ساعات بيكون أبطأ من العقل.
…
بعد يومين…
الدكتور سمحلي أزوره.
دخلت أوضته بهدوء.
كان قاعد على السرير، وراسه متربطة بشاش أبيض، لكنه أول ما شافني ابتسم.
نفس الابتسامة اللي زمان كانت بتضعفني.
لكن المرة دي…
ما ضعفتنيش.
خلتني أحس بالراحة بس.
قال وهو بيضحك:
ـ أول مرة تدخلي عليا من غير صينية أكل.
رديت بابتسامة خفيفة:
ـ الدكتور مانع عنك الدسم.
ضحك… وبعدين سكت.
وبصلي.
ـ كنت فاكر إني هموت.
قلبي انقبض.
ـ متقولش كده.
قال بصوت هادي:
ـ أول حاجة فكرت فيها… إنك لسه زعلانة مني.
نزلت بعيني للأرض.
سكتنا شوية.
وبعدين قال:
ـ أنا عارف إن كلمة “آسف” قليلة.
وعارف إنك لو سامحتيني… يبقى ده كرم منك، مش حقي.
لكن لازم تعرفي حاجة.
أنا أول مرة حبيتك فيها…
كان يوم سيبتيلي الأكل في المكتبة.
وأول مرة خفت أخسرك…
كانت بعد ما خسرتك فعلًا.
دموعي لمعت، لكني مسحتها بسرعة.
قلت:
ـ الحب لوحده عمره ما كان كفاية يا كريم.
هز راسه.
ـ عارف.
علشان كده مش بطلب منك ترجعي.
أنا بطلب فرصة أثبتلك إن الإنسان ممكن يتغير.
…
بعد أسبوع…
الشرطة قبضت على شاهندة، والراجل اللي كان بيشتغل معاها.
التحقيقات أثبتت تزوير أوراق الأرض، وتشويه سمعة المطعم، ومحاولة تدبير الحادث.
ولأول مرة…
الحقيقة ظهرت قدام الكل.
كل القنوات كانت بتتكلم عن “بيت ملك”.
لكن ولا مرة ذكرت اسم كريم بطريقة وحشة.
لأنه بنفسه وقف قدام النيابة، وقدّم كل المستندات اللي كانت معاه، واعترف إنه زمان سكت عن أخطاء كتير، وإن سكوته كان غلط.
ساعتها فهمت…
إن الشجاعة مش إن الإنسان يقول “أنا صح”.
الشجاعة إنه يعترف إنه كان غلط.
…
الشهور عدت.
المطعم بقى أكبر.
فتحنا فرع جديد في إسكندرية.
وبعدين فرع في الشيخ زايد.
وفي كل افتتاح…
كان كريم موجود.
مش بصفته صاحب المشروع.
ولا ابن رجل أعمال.
كان أول واحد يشيل كراتين.
وأول واحد يقف مع العمال.
وأول واحد يروح آخر واحد.
وفي كل مرة كنت أبصله…
كنت ألاقي إن الإنسان اللي قدامي مش هو نفس الشخص اللي عرفته من سنين.
كبر…
واتعلم.
يمكن الوجع علمه.
ويمكن الخسارة.
لكن المهم…
إنه اتغير فعلًا.
…
في يوم، بعد قفل المطعم، طلب مني أطلع معاه السطح.
طلعنا.
القاهرة كانت منورة.
والهوا بارد.
وقف يبص للنيل من بعيد.
وقال:
ـ فاكرة أول مرة قولتلك إني عايز أتجوز الإيدين دي؟
ضحكت.
ـ كنت مغرور جدًا.
ضحك هو كمان.
ـ كنت طفل.
لف ناحيتي.
ـ لكن النهارده…
أنا بطلب إيد صاحبة الإيدين دي.
مش علشان بتطبخ.
ولا علشان ناجحة.
أنا بطلبها علشان هي الإنسان الوحيد اللي خلاني أبقى أحسن.
وسحب من جيبه علبة صغيرة.
فتحها.
كان فيها خاتم بسيط جدًا.
ولا فيه ألماس كبير.
ولا استعراض.
قال وهو صوته بيرتعش:
ـ ملك…
تتجوزيني؟
بصيت للخاتم.
وبعدين بصيت له.
افتكرت كل لحظة وجع.
وكل لحظة فرح.
وافتكرت كمان…
إن الإنسان اللي واقف قدامي دفع تمن غلطه، وماهربش منه.
قربت منه خطوة.
وقلت وأنا ببتسم:
ـ عندي شرط.
ابتسم بسرعة.
ـ اللي تطلبيه.
ـ عمرك ما تخليني أمشي وراك.
نمشي جنب بعض.
مد إيده فورًا.
ـ أوعدك.
حطيت إيدي في إيده.
وقلت الكلمة اللي كانت مخبية جوايا من شهور:
ـ موافقة.
ابتسامته وقتها كانت كفاية تنور الدنيا كلها.
…
بعد تلات شهور…
اتكتب الكتاب.
الفرح كان بسيط.
في جنينة كبيرة على النيل.
أهلي…
وأصحابي…
وكل العاملين في المطعم كانوا موجودين.
حتى أستاذ سامح كان بيعيط أكتر من أمي.
وأحمد وعمر ويوسف فضلوا يهزروا لحد المأذون قال:
ـ يا جماعة سيبوني أعرف أسمع العريس.
الكل ضحك.
ولما المأذون أعلن إننا بقينا زوج وزوجة…
كريم مسك إيدي برفق، وابتسم، وطبع قبلة دافئة على جبيني وسط تصفيق وفرحة كل اللي حوالينا.
وقتها حسيت إن كل التعب اللي عديت بيه…
كان بيقودني للحظة دي.
…
بعد سنة…
كان “بيت ملك” بقى من أشهر المطاعم في مصر.
لكن الحاجة اللي كنت بفخر بيها أكتر…
إن كل يوم الصبح، قبل ما المطعم يفتح، كريم كان يدخل المطبخ، يلبس المريلة، ويبصلي ويقول بنفس الجملة اللي بدأ بيها كل شيء:
ـ يا شيف…
في حاجة أقدر أساعدك فيها؟
وأضحك وأقوله:
ـ أيوه…
اقطع البصل.
فيرد وهو بيضحك:
ـ اتعلمت الدرس خلاص.
وأنا أبصله وأقول:
ـ وأنا كمان…
اتعلمت إن الحب الحقيقي مش بيقلل منك…
الحب الحقيقي بيكبرك.
وفي نهاية كل يوم، كنت أبص للافتة المكتوب عليها:
“بيت ملك.”
وأفتكر إن النجاح طعمه حلو…
لكن أحلى منه بكتير إنك تلاقي الشخص اللي يفرح بنجاحك كأنه نجاحه هو.
تمت بحمد الله.