حكايتي
رحت أتبرع بكليتي لجوزي عشان انقذ حياته وفي اليوم اللي لبسوني فيه روب المستشفى الأزرق، قربت مني الممرضة وهمستلي بصوت مرتبك
مدام… اتأكدي كويس الكُلية دي رايحة لمين.
ابتسمت بثقة وقلت
لجوزي طبعًا… هتروح لمين يعني؟
اتجمدت مكانها كام ثانية، وبعدها نزلت عينيها في الأرض وقالت
الاسم المكتوب في الملف… مش اسم جوزك.
أنا مريم، عندي 43 سنة، وساكنة في بيت شعبي صغير ورثته عن أبويا الله يرحمه.
سنين طويلة قضيتها ببيع فلافل وسندوتشات قدام مدرسة ابتدائي، في حر الصيف اللي يخنق، وبرد الشتا اللي يوجع العضم، لأني اتعلمت من الدنيا القاسيه انك لو وقعت مش هتلاقي اللي يسندك.
جوزي سيد كان بيشتغل سواق ميكروباص.
طول عمره راجل قاسي، وكلامه قليل، لكن كل مرة كنت بقول لنفسي يمكن الأيام تغيره، ويمكن قلبه يحن.
عندنا بنت اسمها شهد، عندها دلوقتي 16 سنة، وهي الحاجة الوحيدة الحلوة اللي خرجت من الجوازة دي.
كل حاجة بدأت تنهار يوم ما سيد تعب، واكتشفوا إن عنده فشل كلوي.
في الأول رجليه بدأت تورم.
بعدها التعب بقى ملازمه.
وبعدين لفينا على المستشفيات الحكومية، والتحاليل، وجلسات الغسيل، والممرات الزحمة، وريحة المطهر، وريحة القهوة اللي طالعة من ماكينات الانتظار.
الدكتور قال
مفيش حل غير زراعة كلية.
ما اترددتش لحظة.
قلت لو فصيلتي تنفع، هتبرعله فورًا.
سيد حتى ما فكرش يحضني أو
يشكرني.
كل اللي عمله إنه بص لأمه… الحاجة زكية.
الحاجة زكية شبكت إيديها، وتنهدت، وكأني أخيرًا عملت حاجة عدلة في حياتي، وقالت
أهو كده… ده أقل واجب تعمليه بعد كل الخير اللي شوفتيه من ابني.
الكلمة نزلت على صدري زي السكينة.
بس سكت.
لأني طول عمري بسكت.
لما شهد كانت صغيرة، وكنت أرجع من الشغل وإيديا ريحتها زيت وخضار، كانت حماتي تقول
يا عيني على ابني… اتجوز بياعة فلافل ريحتها زيت.
ولما الفلوس تضيق تقول.. ما تعرفش تدبر البيت.
ولما سيد يرجع وقميصه فيه ريحة برفان ست تانيه، كانت تقول
الراجل بيزهق من نفس الوش كل يوم.
وكنت بسكت…
لكن كنت بخزن كل حاجة جوايا.
سجلت مكالمات.
وصورت رسايل.
واحتفظت بفواتير.
واتعلمت أحمي نفسي من يوم ما عرفت إن مفيش حد هيحميني.
رحلة التبرع كانت مرهقة جدًا.
سحبوا مني دم لحد ما إيدي ازرقت.
تحاليل، وأشعات، ومقابلات، وتحاليل توافق أنسجة…
وكل يوم أطلع من المستشفى الصبح ، وارجع أقف على العربية أبيع فلافل، لأن المصاريف ما بترحمش.
الغريب إن سيد في الفترة دي بقى حنين زيادة عن اللزوم.
زيادة ملحوظة.
يجيبلي شاي، ويمسك إيدي قدام الدكاترة، ويناديني
يا حبيبتي .
لكن أول ما نرجع البيت، يرجع نفس الإنسان البارد.
مرة قال وهو شايفني بطبق الهدوم
ما تفكريش تتراجعي يا مريم… إنتِ دخلتي في الموضوع خلاص.
قلتله
مش هتراجع… بس خايفة.
رد بعصبية
أنا اللي خايف… أنا اللي هموت!
الكلمة وجعتني.
قلت
وأنا كمان داخلة عملية يا سيد.
رمى قميصه على السرير ببرود وقال
ما تكبريش الموضوع… دي كلية واحدة يعني مش قلبك.
ومن يومها، الجملة دي فضلت مغروزة جوايا.
لأنه كان شايف جسمي مجرد قطعة غيار.
أول حاجة غريبة حصلت كانت يوم الخميس.
الحاجة زكية جت، وكان معاها ملف أصفر، وادته لسيد في المطبخ.
وأنا بغسل المواعين، لمحت ورقة فيها اسمي… وتحت اسمي مكتوب اسم ياسين.
سألتهم
مين ياسين؟
حماتي قفلت الملف بسرعة وقالت
ولد في المستشفى… مالِك إنتِ؟
قلت
أنا شفت اسمي مكتوب.
قام سيد بسرعة وقال
دي إجراءات طبية يا مريم… ما تدخليش نفسك في حاجات ما تفهميش فيها.
تماسكت وسكت.
بالليل، وهو في الحمام، فتشت في جيب البنطلون.
لقيت ورقة مطبقة، فيها عنوان في المنصور، ومكتوب بخط إيده
الجمعة الساعة 6… ما تنساش شهادة ميلاد ياسين.
صورت الورقة بالموبايل.
وما نطقتش ولا بحرف.
يوم الجمعة…
مشيت وراه.
أيوه… مشيت وراه..
ركبت ميكروباص، ولبست كاب شهد بنتي ونضارة شمس رخيصة.
نزل سيد في شارع هادي في المنصور.
عمارات قديمة، وشجر عالي.
وقف قدام عمارة، وضغط الجرس.
فتحتله واحدة صغيرة في السن… يمكن عندها تلاتين سنة، لابسة إسدال بيت، وعلى وشها ملامح ارتباك أول ما شافته.
قالت بصوت واطي
اتأخرت ليه يا سيد؟
رد وهو داخل بسرعة
الطريق كان زحمة.
وقبل ما الباب يقفل، خرج طفل صغير من أوضة جوه وهو بيجري.
كان عنده حوالي عشر سنين.
وقف قدام سيد وهو بيضحك
بابا… جبتلي الشنطة؟
مريم حست إن رجليها مبقتش شايلاها.
بابا…
الكلمة ضربتها في قلبها.
سيد نزل على ركبه،
طلع من الشنطة كيس كبير.
أهو يا بطل… الشنطة الجديدة واليونيفورم.
الولد حضنه بفرحة
شكراً يا بابا.
الست ابتسمت وقالت
المدرسة باعت آخر إنذار… لو المصاريف ما اتدفعتش كانوا هيمنعوه من الامتحانات.
سيد طلع ظرف فيه فلوس وادهولها.
دي أول دفعة… والباقي هيكون بعد العملية.
مريم شهقت من غير صوت.
عملية؟
يعني كان مستني العملية علشان يجيب باقي الفلوس؟
فضلت مستخبية ورا عربية مركونة وهي بتحاول تستوعب اللي شافته.
بعد شوية الست قالت
متأكد إن الست بتاعتك هتوافق؟
رد سيد وهو بيضحك بسخرية
هي فاكرة إنها بتتبرعلي أنا.
الست اتوترت وقالت
طب لو عرفت؟
عمرها ما هتعرف… كله متظبط.
وياسين؟
ياسين مستني في المستشفى… الفلوس هتنزل أول ما العملية تتم.
مريم حسيت الدنيا بتلف بيها.
يبقى ياسين مش اسم الطفل…
ده اسم الراجل اللي مستني كليتها.
وقبل ما تمشي، سمعت الست بتقوله
نفسي تخلص من الجوازة دي بقى.
رد بمنتهى البرود
أول ما الفلوس تدخل… كل حاجة هتخلص.
رجعت مريم البيت وهي مش حاسة بالطريق.
كانت كل خطوة بتوجعها.
مش بسبب التعب…
بسبب الخيانة.
دخلت أوضتها وقفلت الباب.
فتحت درج قديم كانت مخبية فيه كل الورق اللي احتفظت بيه سنين.
صور.
رسايل.
تسجيلات.
إيصالات تحويل فلوس.
وأول مرة
لمحة نيوز
تحس إن كل اللي كانت بتعمله مكانش وسواس…
كان إنقاذ لنفسها.
فضلت طول الليل صاحيه.
وفي الفجر، لما سيد رجع، دخل نام كأن مفيش حاجة حصلت.
لكن مريم كانت خلاص بقت شخص تاني.
الصبح، وهي بتحضر الفطار، رن تليفون سيد.
كان في الحمام وسايب الموبايل على الترابيزة.
ظهر اسم
الدكتور سامح.
التليفون فضل يرن.
ولأول مرة في حياتها، مريم ردت.
جالها صوت راجل متوتر
أستاذ سيد… لازم تيجي النهارده توقع على الورق النهائي مع الأستاذ ياسين… لأن لجنة الزراعة هتراجع الملفات بكرة.
مريم سكتت.
الراجل كمل
حضرتك معايا؟
قالت بصوت ثابت
أيوه… معاك.
كويس… والأستاذ ياسين أكد إن المبلغ الكامل هيتحول أول ما يتم استئصال الكلية.
الموبايل وقع من إيدها.
يعني الموضوع مش مجرد شك…
فيه فلوس.
وفيه اتفاق.
وفيه واحد غني اسمه ياسين، هيدفع تمن كليتها.
خرج سيد من الحمام وهو بينشف شعره.
لقاها واقفة مكانها، وشها أصفر.
قال
مين كان بيتصل؟
ابتسمت لأول مرة من أيام طويلة.
ابتسامة هادية خلت سيد يستغرب.
قالت
ولا حد مهم… واحد غلطان في الرقم.
بصلها شوية، وبعدها خد موبايله وخرج.
أما هي، فدخلت أوضتها وقفلت الباب.
فتحت اللابتوب القديم اللي شهد كانت بتذاكر عليه.
ودورت على اسم ياسين.
بعد دقائق، ظهر قدامها خبر في إحدى الجرائد.
رجل الأعمال ياسين الألفي… يعاني من فشل كلوي منذ عامين، وأسرته تعرض مكافآت مالية ضخمة لأي متبرع متوافق.
شهقت وهي بتقرب الصورة.
هو نفس الاسم…
ونفس السن المكتوب في الملف.
لكن اللي لفت انتباهها أكتر، صورة الراجل.
كان واقف جنب سيد في صورة قديمة داخل شركة نقل.
يعني الاتنين يعرفوا بعض من زمان.
وقتها بس فهمت الحقيقة الكاملة…
سيد عمره ما كان محتاج كليتها.
تحاليله كانت اتحسنت من شهور، لكنه أخفى النتيجة.
أما العملية…
فكانت كلها معمولة علشان ينقلوا كليتها لياسين مقابل ملايين الجنيهات، يدفع منهم مصاريف ابنه اللي مخبيه عنها، ويبدأ حياة جديدة مع مراته التانية في المنصورة…
أما مريم…
فكانوا مخططين يسيبوها تعيش بنصف جسد، بعد ما ياخدوا منها كل حاجة.
قعدت مريم قدام شاشة اللابتوب، وإيديها بتترعش.
كانت بتبص للصورة مرة، ولصورة سيد اللي احتفظت بيها في موبايلها مرة تانية.
مفيش شك…
هو نفس الراجل.
لكنها غمضت عينيها وقالت لنفسها
لأ… لازم دليل أقوى. لو واجهته دلوقتي هيكدب، ومحدش هيصدقني.
قفلت اللابتوب، ومسحت دموعها، وخرجت كأن مفيش حاجة حصلت.
سيد كان لابس هدومه وبيسرح شعره قدام المراية.
بصلها وقال
جهزي نفسك… بكرة هندخل المستشفى.
ابتسمت ابتسامة هادية وقالت
حاضر.
أول مرة توافقه من غير نقاش.
وده اللي خلاه يطمن أكتر.
في نفس الليلة، أول ما نام، أخدت موبايله بهدوء.
كانت عارفة الباسورد…
تاريخ ميلاد شهد.
فتحت تطبيق الرسائل.
كان فيه محادثة محفوظة باسم
أبو كريم.
لكن أول ما فتحتها، لقت الرسائل كلها عن العملية.
المبلغ هيكون اتنين مليون.
لازم الست ما تشكش.
المتبرعة متوافقة بنسبة ممتازة.
ياسين مستعجل.
قلبها كان بيدق بعنف.
لكن لسه فيه حاجة ناقصة.
فتحت الصور.
ولقت ألبوم مقفول.
كتبت نفس الباسورد.
اتفتح…
واتجمدت مكانها.
صور لسيد وهو واقف جنب نفس الست اللي شافتها في المنصورة.
وصور للولد.
وصورة تانية…
الولد واقف فيها بين سيد والست، وتحتها مكتوب
عيد ميلاد كريم العاشر.
وفي صورة لشهادة ميلاد.
الأب
سيد عبدالعاطي.
الأم
هبة مصطفى.
دموع مريم نزلت من غير ما تحس.
خمستاشر سنة جواز…
وكان عنده بيت تاني.
وزوجة تانية.
وابن.
قفلت كل حاجة بسرعة، وبعتت الصور لنفسها على الواتساب، وبعدها مسحت أثر الإرسال من موبايله.
الصبح، راحت المستشفى مع سيد.
الكل كان بيعاملها باهتمام.
لكن اهتمام غريب…
كأنها مش مريضة…
كأنها بضاعة غالية.
الدكتور سامح خرج من مكتبه أول ما شافهم.
صافح سيد بحرارة وقال
كله تمام؟
رد سيد
الحمد لله.
بص الدكتور لمريم بابتسامة مصطنعة
جاهزة يا مدام؟
قالت بهدوء
طبعًا… بس قبل أي حاجة، عايزة أشوف الملف الطبي كامل.
الدكتور اتوتر.
ليه؟
حقي.
قال بسرعة
الورق كله عند الإدارة.
قالت
يبقى نجيبه.
سيد تدخل بعصبية
يا مريم… هو ناقص وجع دماغ؟
ابتسمت وهي بتبصله.
لا… ناقص الحقيقة بس.
في اللحظة دي، دخلت الممرضة اللي كانت همست لها قبل كده.
أول ما شافت مريم، فهمت من نظرتها إن فيه حاجة اتغيرت.
مريم استأذنت تدخل الحمام.
وهناك، قربت منها الممرضة بسرعة وقالت
عرفتي؟
مريم هزت راسها.
عرفت.
الممرضة بصت حواليها واتأكدت إن محدش سامعهم.
وبعدين طلعت فلاشة صغيرة من جيبها.
حطتها في إيد مريم وهمست
عليها نسخة من كاميرات مكتب الدكتور… أنا خفت يضيعوا الدليل.
فتحت مريم عينيها بدهشة.
كاميرات؟
من أسبوع… سيد كان قاعد مع الدكتور سامح وياسين بنفسهم… واتكلموا عن الفلوس وتقسيمها… وأنا سمعت جزء من الكلام، ولما شكيت، حفظت التسجيل قبل ما يتمسح.
قبضت مريم على الفلاشة بقوة.
ولأول مرة من بداية الكابوس…
حست إن ربنا بعتلها طوق نجاة.
لكنها ما كانتش تعرف إن سيد كان واقف بره الحمام…
وسمع آخر جملة قالتها الممرضة.
أول ما الممرضة خرجت، لقت سيد واقف قدام باب الحمام.
وشه كان جامد… وعينيه ضيقة.
بص لمريم وقال
اتأخرتي ليه؟
رفعت كتفها وقالت بهدوء
بطني وجعتني شوية.
فضل يبصلها ثواني، كأنه بيحاول يقرأ اللي جواها.
وبعدين قال
يلا… الدكتور مستنينا.
مشت جنبه، لكن قلبها كان بيدق بعنف.
هل سمع حاجة؟
ولا مجرد شك؟
دخلوا مكتب الدكتور سامح.
كان فيه شخص لابس بدلة شيك، وشعره كله أبيض، باين عليه الثراء.
أول ما دخلت، قام وقف.
ابتسم ابتسامة مصطنعة وقال
مدام مريم… تشرفنا.
عرفته فورًا…
ياسين.
مد إيده يسلم عليها.
لكنها ما مدتش إيدها.
اكتفت بهزة خفيفة براسها.
لحظة صمت عدت، وبعدها الدكتور قال
دي مجرد إجراءات روتينية قبل العملية.
مريم قالت بثبات
ممكن أشوف الملف؟
الدكتور حاول يغير الموضوع.
بعد التوقيع.
قالت
لا… الأول الملف.
سيد ضرب بإيده على المكتب.
هو إنتِ جاية تعملي مشاكل؟
بصتله وقالت
أنا داخلة أتبرع بجزء من جسمي… ومن حقي أعرف كل كلمة مكتوبة.
الدكتور اضطر يناولها الملف.
فضلت تقلب الصفحات بهدوء.
ورقة…
ورا التانية…
لحد ما
وقفت عند استمارة الموافقة.
الاسم المكتوب في خانة المستفيد…
ياسين الألفي.
رفعت الورقة قدامهم.
وسألت بصوت هادي جدًا
هو ده جوزي؟
الصمت خنق الأوضة.
الدكتور بلع ريقه.
سيد حاول يخطف الورقة من إيدها.
لكنها بعدت بسرعة.
بصت لياسين وقالت
حضرتك تعرف جوزي من إمتى؟
ياسين اتردد.
ثم قال
فيه سوء تفاهم.
ضحكت…
ضحكة كلها وجع.
سوء تفاهم؟ يعني أنا داخلة أتبرع بكليتي لراجل معرفوش… ده سوء تفاهم؟
سيد قام وقف وقال بعصبية
اسمعيني بس.
صرخت فيه لأول مرة من أول جوازهم
اسكت!
الأوضة كلها سكتت.
حتى السكرتيرة اللي برا دخلت على الصوت.
مريم طلعت موبايلها.
وشغلت تسجيل.
كان صوت سيد واضح
هي فاكرة إنها بتتبرعلي أنا.
وبعدين صوت الست اللي في المنصورة
ولو عرفت؟
وصوته وهو بيضحك
عمرها ما هتعرف… كله متظبط.
لون وش سيد اتقلب.
الدكتور سامح اتسمر مكانه.
أما ياسين، فبص لسيد بصدمة وقال
إيه التسجيل ده؟
رد سيد بسرعة
متفبرك.
ابتسمت مريم، وطلعت صور شهادة ميلاد كريم.
وحطتها قدامه.
ودي كمان متفبركة؟
ثم طلعت صور سيد مع هبة وابنهم.
وقالت
دي مراتك التانية ولا بنت خالتك؟
سيد فقد أعصابه، وحاول يخطف الموبايل.
لكن قبل ما يوصلها، دخل اتنين من أفراد أمن المستشفى بعد ما سمعوا الصريخ.
في اللحظة دي، بص ياسين لسيد بغضب وقال
إنت قلتلي إنها متبرعة بموافقتها الكاملة… وإنها عارفة كل التفاصيل.
سيد اتلعثم.
أنا… أنا…
قاطعه ياسين
لو كنت أعرف إن فيه نصب بالشكل ده، ما كنتش دخلت في أي اتفاق.
مريم بصت له باحتقار وقالت
الاتفاق كان على كام؟
سكت.
كررت السؤال.
كام كان تمن كليتي؟
خفض ياسين رأسه وقال بصوت خافت
اتنين مليون جنيه.
ابتسمت مريم بمرارة.
وقالت وهي بتبص لسيد
يعني بعد خمسة وعشرين سنة عِشرة… طلع تمني اتنين مليون؟
لكنها فجأة افتكرت الفلاشة اللي الممرضة ادتهالها.
لو التسجيلات اللي عليها فعلاً موجودة…
فالقصة لسه ما انتهتش.
لأن الشخص اللي رتب كل حاجة… وكتب التقارير الطبية المزورة… مش سيد.
كان فيه حد أكبر منه بكتير… ولسه اسمه ما اتكشفش.
أفراد الأمن طلبوا من الجميع يفضلوا مكانهم، واستدعوا مدير المستشفى.
بعد أقل من عشر دقائق، حضر مدير المستشفى بنفسه، وطلب من الجميع يدخلوا قاعة الاجتماعات.
مريم حكت كل حاجة من أول همسة الممرضة، لحد الصور اللي شافتها في المنصورة، والتسجيلات اللي سجلتها بنفسها.
لما جابوا الفلاشة وشغلوها، ظهر تسجيل من كاميرا مكتب الدكتور سامح.
كان الصوت واضح.
الدكتور سامح قال
كل التحاليل جاهزة، والمتبرعة متوافقة مع الأستاذ ياسين بنسبة ممتازة.
رد سيد
المهم مراتي ما تعرفش.
الدكتور قال
هتوقع على موافقة التبرع، وباقي الإجراءات علينا.
بعدها اتكلم ياسين وقال
أنا كل اللي يهمني العملية تكون قانونية، والفلوس هتدخل في الحساب بعد التنفيذ.
لكن التسجيل ما كانش كامل.
ما فيهوش أي اتفاق على خداع مريم.
واضح إن سيد هو اللي أخفى الحقيقة عن الجميع.
مدير المستشفى وقف التسجيل، وبص لياسين.
قال
حضرتك كنت تعرف إن الزوجة فاكرة إنها بتتبرع لجوزها؟
ياسين وشه اصفر.
هز راسه بالنفي.
أقسم بالله… لا.
طلع ملف كان معاه.
وفيه طلب رسمي مكتوب فيه إن المتبرعة متبرعة لشخص غريب بمحض إرادتها مقابل رفض أي مقابل مادي.
قال
أنا اتقال لي إنها محتاجة الفلوس، وإنها وافقت بنفسها.
لف ناحية سيد وهو بيصرخ
إنت نصبت عليّا أنا كمان!
في اللحظة دي، وصلت الشرطة بعد بلاغ من إدارة المستشفى.
اتحفظوا على الملف، والموبايلات، والفلاشة.
وتم إلغاء العملية فورًا.
بدأت النيابة تحقق في القضية.
وبعد أسبوعين، ظهرت الحقيقة كاملة.
سيد كان متجوز مريم من خمسة وعشرين سنة، وبعدها بسنين اتجوز هبة عرفي في المنصورة، وخلف منها ولد اسمه كريم.
ولما ابنه دخل مدرسة خاصة، وتراكمت عليه الديون، عرف إن رجل الأعمال ياسين بيدور على متبرع متوافق.
استغل مرضه الحقيقي، ولما حالته استقرت بالعلاج، كدب على مريم وقال إن الزراعة هي الحل الوحيد.
وباع موافقتها مقابل مبلغ كبير، من غير ما يقولها الحقيقة.
أما الدكتور سامح، فأدين بتزوير مستندات الموافقة، وإخفاء اسم المستفيد الحقيقي عن المتبرعة.
وياسين خرج من القضية بعد ما أثبتت التحقيقات إنه اتعرض للخداع، وإنه كان فاكر إن كل الإجراءات قانونية.
أما سيد…
فاتحاكم بتهم النصب، والتزوير، واستعمال محررات مزورة، والشروع في الإضرار بزوجته.
وحُكم عليه بالسجن.
وهبة، أول ما عرفت الحقيقة، سابت البيت، ورفعت عليه قضية نفقة لابنها.
أما مريم…
رجعت لعربيتها الصغيرة قدام المدرسة.
أول يوم وقفت تبيع فلافل بعد اللي حصل، كانت إيديها بترتعش.
البنات الصغيرين كانوا بيشتروا منها كأن مفيش حاجة.
لكن واحدة ست كبيرة وقفت قدامها.
ابتسمت وقالت
إنتِ الست اللي ربنا نجاها؟
ابتسمت مريم لأول مرة من قلبها.
الحمد لله.
بعد شهور، أخدت تعويض من المستشفى بعد ثبوت الإهمال والتزوير في إجراءاتها.
التعويض ما كانش ملايين…
لكنه كان كفاية إنها تجدد بيتها، وتفتح محل فلافل صغير بدل العربية.
وشهد نجحت في الثانوية العامة، ودخلت كلية التمريض.
ولما سألتها أمها ليه اختارت الكلية دي، حضنتها وقالت
علشان أبقى ممرضة زي الست الشجاعة اللي أنقذتك.
بعد سنة كاملة، كانت مريم ماشية في السوق، ولقت سيد خارج من سيارة الترحيلات متجه للمحكمة في جلسة استئناف.
وشهم اتقابلوا.
هو حاول يبصلها.
لكن هي عدت من جنبه من غير ما تقف.
ولا حتى سلمت.
لأنها فهمت أخيرًا إن أصعب خسارة مش إنها كانت هتفقد كليتها…
أصعب خسارة هي العمر اللي ضاع مع إنسان عمره ما استحق حبها.
رجعت محلها، ووقفت تحضر أول سندوتش لزبون داخل.
رفعت وشها للسما، وابتسمت وهي بتهمس
الحمد لله… المرة دي أنقذت نفسي.
تمت.