ياسمين بقلم ندي الجمل 2
خرجت أنا وعم حسن والمحامي عادل في نفس اللحظة.
طول الطريق كنت حاسة إن قلبي هينط من مكانه.
كل شوية أبص على التلاتة وهم نايمين في الكراسي المخصصة للعربية، وأقول لنفسي:
“مهما حصل… لازم أحافظ على حقهم.”
بعد حوالي نص ساعة وصلنا للمكان.
ماكانش بنك…
ولا شركة.
كان قصر قديم على أطراف القاهرة، مقفول من سنين.
وقف عم حسن قدام باب حديد ضخم، وطلع مفتاح قديم من جيبه.
لف المفتاح…
والباب اتفتح بصوت عالي.
دخلنا بسرعة.
لكن أول ما وصلنا لآخر الممر…
سمعنا صوت حد بيزعق.
كان كريم.
وصل قبلنا بدقايق.
كان واقف قدام خزنة حديد كبيرة، وبيصرخ في الحارس:
“افتحها… أنا حفيد الحاج محمود!”
رد الحارس بهدوء:
“آسف يا فندم… الخزنة دي ما بتتفتحش إلا بحضور الأشخاص المذكورين في الوصية.”
في اللحظة دي دخلنا.
أول ما كريم شافني، اتغير وشه.
وقال بغضب:
“إنتي ورا كل اللي بيحصلي!”
بصيتله بهدوء وقلت:
“أنا معملتش حاجة… إنت اللي دمرت نفسك بنفسك.”
المحامي عادل أخرج نسخة من الوصية وسلمها للحارس.
الحارس راجعها، وبعدها بص ليا وقال:
“اتفضلي يا مدام ياسمين.”
أنا؟!
بصيت للمحامي باستغراب.
ابتسم وقال:
“الحاج محمود كتب اسمك بنفسه.”
إيدي كانت بتترعش وأنا بقرب من الخزنة.
حطيت المفتاح في مكانه.
وبعدها بصمت على جهاز البصمة.
ثواني…
وسمعنا صوت التروس وهي بتلف.
الخزنة اتفتحت.
كلنا كنا متوقعين نشوف دهب…
أو ملايين الجنيهات.
لكن اللي كان جواها كان عبارة عن ملف واحد فقط.
المحامي فتحه.
وبدأ يقرأ.
“أنا محمود المنشاوي… بكامل قواي العقلية… أقر بأن ملكية نسبة 51% من أسهم مجموعة المنشاوي، تنتقل مباشرة إلى أحفادي الشرعيين بمجرد ولادتهم…”
اتسعت عيون كريم.
أما المحامي فكمل القراءة:
“…وتكون والدتهم هي الوصي القانوني على هذه الأسهم حتى يبلغوا السن القانونية.”
وقع الملف من إيد كريم.
وقال وهو بيبصلي بذهول:
“يعني… الشركة…”
رد المحامي:
“بقت الأغلبية فيها لأولادك… ومدام ياسمين هي اللي هتمثلهم قانونيًا.”
في اللحظة دي…
كريم حس إن الدنيا اسودت في وشه.
ولأول مرة…
الرجل اللي كان بيتحكم في مليارات، بقى محتاج موافقة الست اللي سابها بتموت علشان يقدر ياخد أي قرار داخل شركته.
أما أنا…
حضنت ولادي، وبصيت لهم وقلت في سري:
“الحق عمره ما بيضيع… حتى لو اتأخر.”
عدّى شهر.
ولأول مرة من سنين، دخلت مبنى شركة المنشاوي… لكن المرة دي مش كزوجة رئيس مجلس الإدارة.
دخلته بصفتي الوصية القانونية على أسهم ولادي.
كل الموظفين وقفوا أول ما دخلت.
بعضهم كان بيبصلي باحترام…
وبعضهم باستغراب.
لكن أكتر شخص كان متوتر هو كريم.
كان قاعد في آخر قاعة الاجتماعات، وساكت.
بدأ الاجتماع، وقام المستشار عادل وقال:
“أول بند… انتخاب رئيس جديد لمجلس الإدارة.”
كريم ابتسم بثقة وقال:
“أكيد أنا.”
لكن رئيس المجلس رد بهدوء:
“للأسف… حضرتك ماعدتش تملك الأغلبية.”
اتغير لون وش كريم.
كمل رئيس المجلس:
“بما إن أولاد حضرتك بيمتلكوا 51% من الأسهم، والوصية القانونية عليهم هي مدام ياسمين… فهي صاحبة حق التصويت.”
كل الأنظار اتوجهت ناحيتي.
أنا ماكنتش بحلم بالسلطة…
ولا كنت عايزة أنتقم.
كل اللي كان في دماغي مستقبل ولادي.
وقفت بهدوء وقلت:
“أنا مش جاية أخد مكان حد.”
بص كريم ناحيتي وكأن الأمل رجعله.
لكن كملت كلامي:
“أنا جاية أحافظ على حق أولادي… وبناءً عليه، برفض استمرار كريم المنشاوي في رئاسة مجلس الإدارة.”
ساد الصمت.
بعدها بدأت عملية التصويت.
وخلال دقائق…
أعلن رئيس المجلس النتيجة.
“بأغلبية الأصوات… يُعزل الأستاذ كريم المنشاوي من منصب رئيس مجلس الإدارة.”
كريم وقف مرة واحدة.
“إنتوا هتندموا!”
لكن محدش رد عليه.
اتنين من أفراد الأمن قربوا منه في هدوء.
واحد منهم قال:
“اتفضل يا فندم.”
خرج كريم من القاعة وهو لأول مرة يحس إن الأبواب اللي كانت بتتفتح له بمجرد ما يوصل… بقت بتتقفل في وشه.
أما أنا…
فوقفت أبص من شباك المكتب على القاهرة.
افتكرت اليوم اللي كنت فيه على سرير العناية المركزة، بين الحياة والموت…
وافتكرت وهو بيمضي على ورق طلاقي من غير ما يطرف له جفن.
ابتسمت ابتسامة هادئة.
مش شماتة…
لكن إحساس إن ربنا ردلي حقي وحق ولادي.
وفي اللحظة دي، رن تليفون المستشار عادل.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه.
قلت بقلق:
“خير؟”
رد وهو بيقفل الموبايل:
“فيه خبر لازم تعرفيه…”
“كريم رفع قض..ية علشان يطعن في وصية جده… وبيقول إن فيه دليل جديد هيقلب القض..ية كلها.”
سكت شوية…
وأضاف:
“وأول جلسة بعد أسبوع.”
عرفت وقتها…
إن الحرب بينا لسه ما انتهتش.
مرّ الأسبوع بسرعة.
وجاء يوم أول جلسة.
المحكمة كانت زحمة بشكل غير طبيعي.
صحفيين…
ورجال أعمال…
وكل واحد مستني يشوف إيه اللي هيحصل.
دخلت المحكمة وأنا شايلة واحد من التلاتة، وأخويا أحمد شايل الاتنين التانيين.
أما كريم…
فدخل وسط فريق كامل من المحامين.
كان باين عليه إنه رجعتله شوية من ثقته.
أول ما القاضي دخل، بدأت الجلسة.
وقف محامي كريم وقال:
“يا سيادة القاضي… إحنا بنطعن في وصية المرحوم الحاج محمود المنشاوي، لأن فيه مستند جديد يثبت إنها اتكتبت تحت ضغط.”
المحكمة كلها همهمت.
أما المستشار عادل، فكان هادي بشكل غريب.
القاضي طلب يشوف المستند.
المحامي قدمه.
فضل القاضي يقلب فيه شوية، وبعدها بص للمستشار عادل.
“إيه ردك؟”
ابتسم عادل وقال:
“ردي بسيط يا فندم… أحب أشغل تسجيل صوتي.”
استغرب الجميع.
القاضي وافق.
طلع عادل فلاشة صغيرة، وحطها في جهاز المحكمة.
وفجأة…
اتسمع صوت الحاج محمود في القاعة.
كان التسجيل قبل وفاته بشهور.
قال فيه:
“أنا محمود المنشاوي، وبسجل الكلام ده بكامل إرادتي، علشان أعرف إن ممكن ييجي يوم حد يحاول يطعن في وصيتي.”
كل القاعة سكتت.
وكمل الصوت:
“لو حفيدي كريم حاول يقول إن حد ضغط عليّ… يبقى هو بيكدب، لأن القرار ده أنا أخدته بعد ما شفت بعيني إنه بقى بيجري ورا الفلوس ومبقاش يفرق معاه حد.”
وش كريم اصفر.
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية.
المستشار عادل فتح ظرف تاني.
وقال:
“وده تقرير من خبير التوقيعات، بيأكد إن الوصية سليمة، وإن كل أوراقها موثقة رسميًا.”
القاضي راجع الأوراق.
وبعد نص ساعة مداولات…
رجع ونطق بالحكم.
“ترفض المحكمة الدعوى المقامة من المدعي كريم المنشاوي، وتؤيد صحة الوصية بكامل بنودها.”
في اللحظة دي…
حس كريم إن آخر أمل عنده ضاع.
خرج من المحكمة وهو ما بصش لحد.
أما أنا…
فحضنت ولادي.
وحمدت ربنا.
افتكرت اليوم اللي كنت فيه على سرير العمليات، وكل الناس فاكرة إن حياتي انتهت.
لكن الحقيقة…
إن نهايتي يومها كانت بداية حياة جديدة.
حياة من غير خوف…
ولا خيانة…
ولا إنسان باع مراته وهي بين الحياة والموت.
تمت.