حق بنتي حكايات انجى الخطيب

الدكتور وراني أشعة بنتي وقال لي للاسف : “الفك بتاعها مكسور 6 حتت بسبب اعتداء وحشي … بقيت هتجنن وبكل عصبية قولت…
—”مين اللي عمل فيها كده؟”
الدكتور خد نَفَس طويل وقال :
—”ما نعرفش”.
—”يعني إيه ما تعرفوش؟”
—”أمن الحرم الجامعي لقوها جنب مبنى المعامل، كانت غايبة عن الوعي”.
—”في جامعة مليانة طلبة؟”
—”أيوة”.
—”والكاميرات؟”
—”الأمن بيراجعوها”.
—”وشهود؟” ومحدش شاف مين اللي عمل في بنتي كدا
​سكوت الدكتور جاوبني قبل ما ينطق.
​كان فيه حاجة غلط ….
أهلي قعدوا يتحايلوا عليا عشان ما أعملش دوشة في المستشفي بس أنا سكت خالص، وقمت خدت “السويت شيرت” الأزرق بتاعها من كيس الأدلة، واكتشفت إن فيه حد واصل ومهم جداً كان طافي كاميرات المستشفى كمان عشان يداري الج*ريمة ….

​الدكتور حط الأشعة قدام النور، وقال لي بصوت واطي: “الفك بتاع بنتك مكسور 6 حتت”.
​لمدة ثواني، حسيت إني مش قادر استوعب الكلام.
​كنت شايف خطوط بيضاء ماشية في العضم زي الشروخ اللي بتظهر في كوباية لما تتحدف على الأرض. وشفت اسمها مكتوب فوق في الأشعة: “نور هشام كمال”. 19 سنة. دخول القسم بسبب اعتداء وحشي. وحسيت إن كل اللي كنت فاكره عن الوجع نزل على قلبي زي الجبل.
… ​أنا اسمي هشام كمال ​خدمت 22 سنة في الجيش. قضيت سنين في الصعيد، ووقفت في أكمنة الفجر، وفي قرى الناس فيها كانت بتوطي صوتها لما تيجي سيرة عيلة معينة. شفت رجالة مصابة، وشفت زمايلي ما بيرجعوش، وشفت أمهات بيجيلهم خبر عن ولادهم مافيش أم في الدنيا تستحمل تسمعه.
​بس مفيش.. مفيش أي حاجة في الدنيا كانت ممكن تجهزني عشان أشوف بنتي مرمية على سرير مستشفى ومش قادرة حتى تنطق.
​نور كانت في سنة تانية كلية اداب علم نفس في جامعة القاهرة. كانت من البنات اللي بتشيل 3 كتب، و2 مج قهوة، ولسه بتلاقي وقت تبعتلي فيديوهات تريقة عشان تقولي “يا بابا ما تضايقش نفسك، الدنيا مش مستاهلة”.
​كنت بكلمها كل يوم.
​كانت بتقولي:
—”يا بابا، أنا مش في حرب، أنا في الجامعة”.
وأنا دايما كنت برد عليها:
—”بالنسبة لي هي حرب طول ما إنتي بعيدة عن عيني”.
​يوم الخميس ده، القاهرة كانت بتغرق في المطر.
​كنت قاعد في بيتي في التجمع، بصلح حنفية المطبخ، لما موبايلى رن على الطاولة. كانت الساعة 11:47 بالليل.
​رقم غريب.
​فكرت ما أردش.
​بس فيه إحساس كده، الحاجة اللي الواحد بيتعلم يطيعها لما بيشوف كتير من مصايب الدنيا، نغزني في صدري.
​—”ألو؟”
ردت ست صوتها هادي زيادة عن اللزوم:
—”معايا الأستاذ هشام كمال؟”
—”أيوة، مين؟”
—”إحنا من مستشفى السلام الدولي. بنتك، نور هشام كمال، دخلت الطوارئ حالا”.
​حسيت إن الدنيا اتسحبت من تحت رجلي.
—”إيه اللي حصل؟”
​سكتت لحظة وقالت:
—”يا فندم لازم تيجي فوراً”.
—”بنتي مالها؟”
خدت ثانيتين عشان ترد، والثانيتين دول خلوني أعجز 20 سنة.
— للاسف “حد اعتدى عليها”…
#انجي_الخطيب
​سوقت عربيتي وسط المطر من غير ما أشوف إشارات، ولا أسمع كلاكسات، إيديا كانت حاضنة الدركسيون لدرجة إني كنت حاسس بوجع في عضم صوابعي.
​لما وصلت، بوابات المستشفى اتفتحت، وريحة الخوف خبطت في وشي.
—”نور هشام كمال”، قلت للممرضة في الاستقبال.
​الممرضة بصتلي، وبمجرد ما شافت وشي، سكتت.
—”أوضة 214″.
​جريت.
​لما وصلت قدام الأوضة، اتسمرت مكاني.
​بنتي كانت نايمة ساكتة مبتتحركش تحت الملاية البيضا.
​كانت ملفوفة بشاش حوالين راسها وفكها. عين مقفولة خالص من الورم، والتانية مفتوحة بالعافية، كأنها بتوجعها لما بتحاول تبص. كان فيه كدمات زرقا وسودا على خدودها، وعلى رقبتها.
​على كرسي جنب السرير، كان فيه كيس بلاستيك شفاف فيه لبسها.
​كان جواه “السويت شيرت” الأزرق بتاعها.
نفس السويت شيرت اللي أنا جبتهولها في عيد ميلادها السنة اللي فاتت.
اللي كانت بتلبسه وهي بتذاكر عشان بتقول إنه ريحته “أمان”.
​خدت خطوة، وبعدين التانية.
—”نور..”
​صوابعها اتحركت بالعافية.
قعدت جنبها ومسكت إيدها براحة.
—”أنا هنا يا حبيبة قلب بابا. أنا جيت يا نور”.
​دمعة نزلت من عينها اللي كانت مفتوحة نص فتحة.
​وفي الأوضة الضلمة دي، حسيت بحاجة جوايا بتتكسر، حاجة عرفت إنها مش هترجع زي ما كانت أبداً.
​الدكتور دخل بعد دقايق ومعاه الأشعة. ما حاولش يلطف الكلام.
—”عندها 6 كسور في الفك. واحدة قريبة من المفصل، والباقي في الناحية التانية. الضرب كان تقيل جداً”.
—”ضرب؟” سألت بصوت مخنوق.
الدكتور وطي صوته:
—”كذا ضربة.. دي مش حادثة وقعت فيها”.
​بصيت في الأشعة تاني.
—”مين اللي عمل فيها كده؟”
الدكتور خد نَفَس طويل:
—”ما نعرفش”.
—”يعني إيه ما تعرفوش؟”
—”أمن الحرم الجامعي لقوها جنب مبنى المعامل، كانت غايبة عن الوعي”.
—”في جامعة مليانة طلبة؟”
—”أيوة”.
—”والكاميرات؟”
—”الأمن بيراجعوها”.
—”وشهود؟”
​سكوت الدكتور جاوبني قبل ما ينطق.
​كان فيه حاجة غلط.
غلط جداً.
​الجامعات فيها ممرات، وكاميرات، وحرس، وطلبة بيصوروا كل حاجة بموبايلاتهم. طالبة ما تطلعش ميتة قدام مبنى من غير ما حد يشوف حاجة.
​بصيت لبنتي، مكسورة، ومكتومة، ومش عارفة تدافع عن نفسها.
​ولأول مرة في الليلة دي، فهمت إن الوحش الحقيقي مش بس اللي ضربها.
الوحش هو اللي بيشتري السكوت.
​لأن نور وهي بتعيط ومش قادرة تتكلم، كان فيه حد بره بيحرك “وسايطه” عشان يضمن إننا عمرنا ما هنعرف إيه اللي حصل.
​وأنا وقتها ما كنتش أعرف إن الاسم اللي ورا كل ده، قريب من السلطة أكتر ما أي حد ممكن يتخيل بس الشخص الوتصل دا ميعرفش حرقة قلب اب علي بنتة ممكن يعمل اية واللي حصل هو متوقعش اني ممكن اعرفة واعمل فية اللي هتعرفوه دلوقتي والطريقة اللي خدت بيها خق بنتي متخطرش علي بال حد ابداا….

عايزين تعرفوا مين اللي عمل كدا في بنتي وانا عملت فيه اية كملوا القصة للاخر
قمت من مكاني بهدوء مرعب، الهدوء اللي بيسبق العاصفة، قفلت كيس الأدلة وقربت من ودن الدكتور اللي كان لسه مرتبك، همست بصوت تقيل: “يا دكتور، أنا طول عمري بصلح العطل اللي في المكنة قبل ما المكنة تفرقع في وشي، واللي عمل في بنتي كدة افتكر إنه اشترى المكان، بس نسي إنه اشترى أب طول عمره بيطارد اللي زيه في الجحور، خلّي أمن المستشفى ينسوا إنهم شافوني، وسيب الباقي عليا”.
​خرجت من المستشفى، المطر كان لسه بينزل بغزارة، ركبت عربيتي وطلعت اللابتوب بتاع بنتي اللي كنت جايبه معايا من البيت، نور كانت مهووسة بالتكنولوجيا، وعشان أنا دايماً خايف عليها، كنت مركب لها برنامج تتبع وسحابة سرية بترفع عليها أي تسجيلات صوتية أو فيديو في حالة الطوارئ، ده كان شرطي الوحيد عشان توافق تدخل الجامعة اللي بعيد عن عيني، فتحت “اللوكيشن” ولقيت آخر مكان كانت فيه، بس المفاجأة ما كانتش هناك، المفاجأة كانت في “التايم لاين” بتاع موبايلها اللي بعتت عليه ملف مشفر قبل ما يغمى عليها بلحظات، فتحت الملف وسمعت.. كان صوت نور وهي بتترجى حد، وصوت تاني خشن ومستفز بيقولها: “ابوكي فاكر نفسه بطل في الحكومة؟ خليه يعرف إن كبار البلد اللي بيحموني، ومش إنتي اللي هتفتحي بقك علينا”.
​الاسم اللي اتقال في التسجيل كان صدمة، ابن واحد من أهم رجال الأعمال اللي ليهم كلمة في الجامعة، الشخص اللي مفكر إن نفوذ أبوه درع ليه من كل شيء، ركنت عربيتي في حتة ضلمة جنب فيلا الولد ده، وطلعت “العدة” اللي كانت معايا في شنطة العربية، مش سلاح، لأ، دي كانت خبرة 22 سنة في التعامل مع الحالات اللي زي دي، قعدت أراقب الفيلا، شفت الحرس، وشفت كاميرات المراقبة اللي متوصلة بغرفة عمليات خاصة، عرفت ساعتها إن اللعبة مش في البوليس، اللعبة في “الداتا” اللي بتتحكم في كل حاجة.
​اقتحمت الغرفة اللي فيها السيرفرات بتاعت الفيلا، مش بالضرب، لكن بهدوء “المحترف” اللي عارف نقط ضعف النظام، سحبت كل الفيديوهات اللي بتمس عيلة الولد ده، مش بس اللي يخص نور، لأ، كل “الخرا” اللي كانوا بيداروه، وبعت رسالة واحدة للولد على رقمه الشخصي: “اللي يكسر فك بنتي عشان ما تتكلمش، ما يعرفش إن لسانها لسه بيسجل عليه نهايته”، قعدت في العربية مستني، مكنتش محتاج أكلم بوليس ولا أروح أشتكي، أنا كنت محتاج أكسر “هيبتهم” في عقر دارهم.
​بعد ساعة بالظبط، تليفوني رن، رقم مجهول، رديت بهدوء، لقيت صوت أبوه، صوت مرعوب، بيحاول يهدد بس مكسور، قالي: “أنت مين وعايز إيه؟”، رديت بصوت واطي: “أنا اللي بنته مكسورة في المستشفى، وأنا اللي النهاردة بالليل هخلي اسم عيلتكم يتردد في كل نيابات مصر”، قفل السكة، وفي لحظتها، كل الفيديوهات اللي سحبتها كانت واصلة للصحافة، وللجهات الرقابية، والفيلا اللي كانت محمية بـ “الوسايط”، اتحولت في دقايق لساحة لسيارات البوليس.
​رجعت للمستشفى، لقيت المكان مقلوب، الأمن بيتحقق معاهم، ودخلت أوضة نور، لقيتها فاقت، بصتلي بعينها المورمة ودموعها نزلت، مسكت إيدها وبوستها وقلت لها: “يا نور، أنا كنت فاكر إني في حرب هناك، بس اتضح إن الحرب الحقيقية هي اللي بتخلينا نعرف مين فينا بيعرف يحمي ضهره، نامي يا بنتي، الشخص اللي كسر فكك، النهاردة اتكسر ظهره قدام البلد كلها، ومش بس كده، ده كمان قضى ليلته في مكان ما يحلمش بيه، والحساب لسه ما خلصش”.
…….
لقيت نور بتبصلي بضعف، حاولت تنطق بس الألم كان أقوى من أي كلمة، عينيها كانت مليانة أسئلة، وكأنها بتقولي “عملت إيه؟”. مسحت على شعرها بتمهل وقلت لها بصوت واطي ومطمن: “مش عايزك تشغلي بالك بأي حاجة، الحساب دلوقتي عند الناس اللي بتعرف تحاسب، والنهار طلع على اللي كانوا فاكرين إن الليل هيسترهم للأبد”.
​خرجت من المستشفى ولقيت موبايلي مش مبطل رن، مكالمات من أرقام محظورة، وأصوات لأشخاص بدأت تحس إن الأرض بتتهز تحت رجليهم، “هشام باشا.. الموضوع يتحل ود.. إحنا تحت أمرك.. والقرش اللي تطلبه يوصلك لحد عندك”، كنت بسمعهم وببتسم ابتسامة باهتة، الابتسامة دي كانت ردي الوحيد عليهم. ركبت عربيتي وتوجهت لمكان مش أي حد يعرفه، مكان كنت بجمّع فيه كل “الخيوط” اللي تخص الناس اللي فاكرة إن القانون مجرد حبر على ورق، قعدت قدام شاشة الكمبيوتر، وبدأت أنشر باقي الأدلة اللي كانت ناقصة، مش بس فيديوهات الاعتداء، لا، ده أنا كشفت “سيستم” كامل من الفساد كانوا ماشيين عليه، من أول تزوير الامتحانات لحد التغطية على جرايم أكبر بكتير.
​في اللحظة دي، حسيت إن تقيل سنين الخدمة في الجيش طلع مرة واحدة، مش عشان انتقمت، لكن عشان عرفت إني كأب ما خذلتش بنتي، والصبح لما شفت عناوين الأخبار والـ “تريند” اللي قالب الدنيا، عرفت إن العدل لما بيحب يرجع، بيرجع بإيدين حد ما بيفقدش الأمل، ولما دخلت تاني يوم لنور، لقيت الدكتور داخل بابتسامة غريبة، وقال لي: “الشرطة بره وعايزين أقوالك، ومعاهم أمر ضبط وإحضار للي عملوا العملة دي، والده حاول يتدخل بس المرة دي كل الأبواب اتسدت في وشه”.
​نور مسكت إيدي، وشدت عليها بضعف، لأول مرة من يوم الحادثة، ابتسامة صغيرة اترسمت على وشها، عرفت ساعتها إن اللي انكسر في الفك ممكن يتجبّر، بس اللي انكسر في كرامة الناس اللي ظلموها، مش هيرجع تاني أبداً. طلعت من المستشفى وأنا باصص للسما، وحاسس إن “الحرب” اللي كنت فاكرها بعيدة، خلصت بأكبر انتصار ممكن، وهو إن بنتي عرفت إن وراها ضهر ما بيميلش، وإن مهما كان نفوذ الظالم، “الحق” دايماً ليه صوت، حتى لو كان خارج من بين أسنان مكسورة.
……..
وقفت قدام باب المستشفى، الهوا كان بارد بس ناري اللي جوايا كانت هادية.. هدوء الرصاصة اللي بتستقر في هدفها. لقيت “اللواء كمال” –قائدي السابق وراجل لسه بيقدر قيمة الأصول– واقف قدام العربية، باصص لي بنظرة كلها فخر ووجع. قربت منه، سلمت عليه، فضل ماسك إيدي ومسيبش: “يا هشام، أنت عملت اللي ما عرفش يعمله جيش نظامي، بس خلي بالك، اللي كسرته النهاردة ده “عش دبابير”، والديابة اللي جرحتهم مش هيسكتوا”.
​بصيت له بكل ثبات وقلت: “يا سيادة اللواء، اللي يلمس دم بنتي، مبيبقاش خصم بالنسبة لي.. ده بيبقى مشروع “تصفية” لأي جبروت، وأنا لا يهمني دبابير ولا غيره، أنا طول عمري عايش بمبدأ: الحق مبيتخدش إلا بالدراع، والقانون اللي هما فاكرين إنه في جيبهم، أنا خليته سيف على رقابيهم”.
​رجعت لنور، كان فيه محامي كبير واقف مستني، تبع جهة رسمية، حاول يكلمني عن “التصالح” بلهجة فيها تهديد مبطن، قولت له كلمة واحدة: “لو عايز تعيش، اخرج من الأوضة دي دلوقتي، وما ترجعش بكلمة تصالح، لإن التصالح مع الوحوش معناه إنك بتديهم فرصة ينهشوا في لحم اللي وراك.. ابني ملف قض-*ية ما يتنسيش، وأنا ضامن لك كل الدليل اللي يخلي أعتاهم واحد في البلد دي يقضي باقي عمره في سجن طرة”.
​خرج المحامي وهو بيترعش، ونور بدأت تتحسن، شافتني وأنا بكلم المحامي وفهمت إن “الحرب” لسه ليها بقية، بس بقية قانونية المره دي. مسكت ورقة وقلم، وكتبت ببطء وصعوبة: “مش خايفة”، ابتسمت لها وخدتها في حضني، وبوست راسها. عرفت ساعتها إن الوجع اللي في وشها ده، هو “وسام” على صدري، وإني كأب، قدرت أحول كسور بنتي لثورة حق، كشفت فيها خبايا ما كان حد يجرؤ يلمسها.
​اللي حصل بعد كدة كان زلزال في أروقة الجامعة وفي مكاتب المسؤولين، الأسماء اللي كانت بتترعب الناس بمجرد ذكرها، بقت دلوقتي “مطلوبة للعدالة”، والميدان اللي كان فيه مبنى المعامل، بقى شاهد على ليلة اتكسر فيها جبروت الفساد. أنا هشام كمال، اللي قضيت عمري بحمي الحدود، عرفت في الليلة دي إن حدودي الحقيقية كانت جوه عيون بنتي، وإن “الستر” مش معناه السكوت على الغلط، الستر هو إنك تقطع إيد اللي يتجرأ يمدها على اللي بتعتبره دنيتك كلها.
​خلصت الحكاية؟ لأ، دي كانت بداية لصفحة جديدة، صفحة كتبت فيها بنور، وبالقانون، وبإصرار أب، إن مفيش حد فوق الحساب، وإن كل “مكسور” ليه “جبار” بيجبر بخاطره، وبياخد له حقه.. تالت ومثلث.
………
بعد ما المحاكمة بدأت، والبلد كلها كانت بتتفرج على قفص الاتهام، وقفت في قاعة المحكمة ببدلتي العسكرية اللي كنت لابسها لأول مرة من سنين، مش بس كأب، لأ، كشاهد على الحقيقة اللي حاولوا يدفنوها. المحامي بتاع “ابن المهم” كان بيحاول يلف ويدور، بس كل ما ينطق بكلمة، كنت بطلّع له “كارت” من الداتا اللي سحبتها من سيرفر الفيلا.. تسجيلات، تحويلات بنكية، مكالمات بتهدد أمن الجامعة، كل ده كان بينزل على القاضي زي الصاعقة.
​في نص الجلسة، بصيت للولد اللي كان قاعد في القفص، كان مكسور، مش من الضرب، لأ، من “الفضيحة”، كان باصص للأرض، وعرفت في اللحظة دي إن اللي أنا عملته فيه كان أقصى عقاب ممكن يناله.. إنه يتكشف قدام أبوه، قدام الناس، وقدام نفسه إنه مجرد “حاجة” تافهة كانت فاكرة إن النفوذ بيشتري الرجولة.
​لما القاضي نطق بالحكم، السكون سيطر على القاعة، حكم بالسجن المشدد، مش بس على اللي ضرب، لأ، ده طال كمان كل “الوسطاء” اللي حاولوا يمسحوا الكاميرات ويخبوا الأدلة. خرجت من المحكمة والناس بتبص لي باحترام، بس أنا ما كانش همي غير حاجة واحدة.. “نور”.
​رحت البيت، لقيت نور قاعدة بتذاكر، وشها لسه فيه أثر للجروح، بس عيونها رجعت تلمع تاني، أول ما شافتني قامت وقفت، رغم تعبها، حضنتني بقوة، وقالت بصوت مخنوق ومكتوم: “شكراً يا بابا، شكراً إنك خليتني أحس إني ليا سند ما بيميلش”.
​قلت لها وأنا بمسح على شعرها: “يا بنتي، ده واجبي، وأي أب في مكاني كان هيعمل أكتر من كدة، بس اللي اتعلمته في حياتي، إن البنت هي عمود البيت، ولو العمود اتكسر، البيت كله بيقع، وأنا مش هسمح لأي حد إنه يلمس عكازي اللي بتمشي عليه في الدنيا دي”.
​قعدنا سوا، المرة دي من غير أوجاع، من غير رعب، شربنا قهوتنا، وفي التليفزيون كان خبر “إصلاح منظومة أمن الجامعات” بيتذاع، حسيت إن وجع بنتي ما راحش هدر، كان ثمن لواقع أفضل.
​الدنيا رجعت هادية، بس أنا بقيت “هشام” تاني، هشام اللي ما بيسكتش، وهشام اللي عرف إن الحرب مش بس في الكمائن، الحرب أحياناً بتبقى جوه بيتك، وبتتطلب منك شجاعة من نوع تاني.. شجاعة المواجهة، وشجاعة الحق، وشجاعة الأب اللي عارف إن بنته هي أغلى ما يملك، وإن دمها هو الخط الأحمر اللي لو حد فكر يلمسه، هيعرف إن وراه أسد ما بينامش، وأب ما بيعرفش يعني إيه استسلام.
​نور بدأت حياتها من جديد، والجامعة بقت مكان أمان، بس كل ما بتمشي في الممرات وتشوف “مبنى المعامل”، بتبتسم لي، وببص لها، ونعرف إحنا الاتنين إن “الستر الحقيقي” هو إننا نفضل أقوياء، وما نسيبش حقنا، مهما كان التمن، ومهما كانت الظروف، لأن في الآخر.. الحق دايمًا بيلاقي طريقه، حتى لو كان الطريق طويل، ومحتاج قلب أب ما بيخافش غير من ربنا.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *