سلفتي حكايات علي ابو الدهب 2

بعد الليلة دي، البيت كله اتقلب، ومبقاش فيه صوت يعلى فوق صوت الحد الطالع من شقة إبراهيم وشيماء. قعدت في صالون شقتي، قلبي كان بيقرا الطالع.. أنا مش ندمانة، الست لما بتدافع عن بيتها وعن كرامتها مبيكونش عندها عزيز ولا غالي.

أحمد فضل جوة الأوضة أكتر من ساعتين، ولما خرج، مكنش قادر يحط عينه في عيني. ملامحه كانت متلخبطة بين الغضب والكسوف من نفسه، خصوصاً بعد ما سمع بنفسه صوت خناقة أخوه الكبيرة اللي هزت جدران بيت العيلة.

قرب مني وهو بيحاول يبان متماسك، وقعد قصادي:

* “انتي شايفة إن اللي عملتيه ده صح يا منى؟ طريقتك كانت قاسية.. انتي صغرتيني قدام أهلي.”

بصيت له بنظرة حادة وقولت له بنبرة هادية بس تلمس العضم:

* “أنا مصغرتكش يا أحمد.. اللي صغرك هو سكوتك على حركات سلفتك اللي ميرضاش بيها راجل عنده دم. أنا حَميتك وحميت بيتي.. ولو إنت كنت أخدت موقف من الأول، مكنتش أنا اضطريت أصلح المايل بأيدي.”

قبل ما يرد، الباب خبط بقوة. فتح أحمد الباب ولقينا حماتي واقفة، وشها أصفر وعينيها حمرا من العياط. سابت أحمد ودخلت عليا عل طول وبصت لي بعتاب:

* “خربتي بيت أخو جوزك يا منى؟ ارتحتي كده لما العيلة اتفضحت قدام العمام؟ إبراهيم حالف بالطلاق يطرد شيماء ويرجعها بيت أهلها بفضـ.ـيحة!”

وقفت بكل احترام لحماتي بس من غير ضعف:

* “يا طنط، أنا مخربتش بيت حد.. شيماء هي اللي خربت على نفسها لما نسيت إنها ست متجوزة ولها بيت. أنا سكت مرة واتنين، ولما لقيتها بتتمادى وجوزي مش واخد باله، كان لازم فوقها.. والحمد لله إن إبراهيم راجل وحس بغيرتي على بيتي، وبدل ما تلوميني، لومي اللي كانت بتتمايل قدام الكل.”

حماتي سكتت، لأنها في قرار جيلها عارفة إن كلامي صح، بس غريزة الأمومة كانت مخلياها عايزة تلم الموضوع. بصت لأحمد وقالت له: “انزل لأخوك يا أحمد.. اهدوا سوا وشوفوا هتحلوا المصيبة دي إزاي.”

نزل أحمد، وفضلت أنا وحماتي في شقتي. الجو كان مشحون، بس أنا متهزتش. بعد حوالي ساعة، رجع أحمد ووشه ميتفسرش. قعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه.

قربت منه وسألته: “إيه اللي حصل؟”

رفع راسه وبص لي، ولأول مرة أشوف في عينه نظرة اعتراف بالحق:

* “إبراهيم مبهدلها فوق.. ورفض يسمع أي تبرير منها. والمفاجأة إنها لما اتزنقت، اعترفت وقالت له إنها كانت بتعمل كده عشان تغيظك انتي، لأنها شايفة إنك أخدتي شقة أحسن منها وجوزك بيدلعك أكتر منها! إبراهيم حلف ما تقعد في البيت هنا تاني، وأهلها جايين الصبح ياخدوها.”

أحمد سكت شوية، وبعدين مسك إيدي وقال:

* “أنا أسف يا منى.. أنا فعلاً كنت فاكر الموضوع عشم أخوة، ومكنتش متخيل إن الغل والغيرة يوصلوا للدرجة دي. أنا بشكرك إنك فوقتيني، وحقك عليا.”

حسيت بنصر ملوش مثيل، مش شماتة في شيماء، بس لأن جوزي عرف قيمتي وعرف إن “قلب الست مبيكدبش”.

من اليوم ده، شيماء رجعت بيت أهلها “مكسورة الجناح”، وإبراهيم أصر إنها متدخلش بيت العيلة إلا بشروطه وباحترامها التام. وأحمد؟ أحمد اتعلم الدرس، ومبقاش يسمح لأي حد، مهما كان قريبه، إنه يتخطى حدوده معاه أو يمس كرامة مراته.

وعرفت وقتها، إن الست العاقلة مش اللي بتخرب بيتها بالخناق الكتير، لأ.. دي اللي بتعرف تضرب ضربتها في الوقت الصح عشان تحمي مملكتها

مرت كام شهر على الليلة اللي غيرت كل حاجة في بيت العيلة. البيت اللي كان دايماً دوشة وصداع، هدي فجأة، بس كان هدوء مليان ترقب. شيماء فضلت في بيت أهلها تلت شهور كاملين، لا إبراهيم كان بيسأل فيها ولا كان راضي يروح يرجعها، وكل ما حد من أهلها يتصل بيه عشان يلموا الدور، كان بيقول الكلمة اللي بتقطع أي كلام: *”اللي متصونش غيبتي في وسط أهلي، متلزمنيش في بيتي.. سيبوها تتربى”*

في الفترة دي، حياتي أنا وأحمد اتغيرت 180 درجة. أحمد اللي كان زمان بيستخف بزعلي ويقول عليا “مأفورة”، بقى بيعمل لي ألف حساب. نظرة عينه ليا اتغيرت، بقيت في نظره الست القوية العاقلة اللي عرفت تحمي بيتها وتجيب له حقه من غير ما تغلط في حد. بقى يجي من الشغل يمسك إيدي ويقولي: *”عارفة يا منى؟ أنا كل ما بفتكر الموقف بكتشف إني كنت مغمى عليا، والحمد لله إن ربنا رزقني بيكي عشان تفتحي عيني.”*

بس طبعاً، المياه مكنتش هترجع لمجاريها بالسهولة دي من غير ما “الحية” تحاول تلف وتدور تاني.

في يوم، حماتي ندهت عليا ونزلت لها الشقة تحت. لقيتها قاعدة ووشها شايل الهم، وبصت لي وقالت:

* *”منى يا بنتي.. إبراهيم جوز شيماء وافق يرجعها الأسبوع الجاي، بعد ما أبوها جابه لحد هنا واعتذر له، وشيماء كتبت إقرار على نفسها إنها لو غلطت في حق حد من البيت أو اتخطت حدودها، هتبقى طالق بالتلاتة. أنا عارفة إنك صاحبة حق، بس عشان خاطري وخاطر عمك، لما تيجي عدي الأمور ومش عايزين مشاكل تاني.”*

ابتسمت لحماتي وبست راسها وقولت لها: *”من عيوني يا طنط، أنا عمري ما كنت بتاعة مشاكل، وإنتي عارفة إنها هي اللي بدأت.. طول ما هي في حالها، أنا هشيلها فوق راسي.”*

وجيه يوم رجوع شيماء..

البيت كله كان قاعد مستني. دخلت شيماء من باب الشقة الكبيرة وهي لامة نفسها على الآخر، مفيش مكياج، مفيش ضحك متميع، ولابسة عباية واسعة ومقلفة. أول ما عيني جت في عينها، لمحت نظرة غل وكسرة مدارياهم ورا رموشها، بس كانت عاملة ومستكينة زي القطة المغمضة.

قربت من حماتي باست إيدها، وبعدين لفت عليا.. أنا وقفت مكاني ومتحركتش، وهي قربت بخطوات بطيئة وقالت بصوت واطي ومبحوح:

* *”حمد الله على السلامة يا منى.. حقك عليا لو كنتي فهمتيني غلط، أنا مكنش قصدي حاجة.”*

بصيت لها من فوق لتحت بمنتهى الثبات والهدوء، ومديت إيدي سلمت عليها بطرف صوابعي وقولت لها بصوت مسمع للكل:

* *”الله يسلمك يا شيماء.. المسامح كريم، وإحنا أولاد النهارده. المهم إن كل واحد فينا عرف مقامه وعرف حدوده فين.. نورتي بيتك.”*

الكلمة نزلت عليها زي الكرباج، وشها احمر بس مقدرتش تنطق بكلمة لأن إبراهيم كان واقف وراها وعينه دايسة على رقبتها.

من بعد اليوم ده، شيماء انكمشت تماماً. بقت لما تنزل المطبخ وتلاقيني موجودة، تتكلم بحدود الأدب، ولو أحمد دخل المكان، كانت فجأة تفتكر وراها إيه وتستأذن وتطلع شقتها فوراً، كأنها شافت شبح.

**الخاتمة:**

قعدت في بلكونة شقتي في ليلة صيفية صافية، وأحمد قاعد جنبي بيشرب الشاي وهو بيضحك معايا وبيحكي لي عن يومه في الشغل. بصيت للسما واتنهدت براحة ونفس عميق..

اتعلمت من التجربة دي إن بيت الست هو مملكتها، والملكة مش اللي بتصرخ وتعمل خناقات عمال على بطال وتخسر جوزها.. الملكة هي اللي بتصبر، وبتراقب بذكاء، ولما تلمح الخطر بيقرب من جوزها أو بيتها، بتعرف تضرب ضربتها بمنتهى الحكمة والهدوء وفي الوقت المناسب اللي يخلي الكل يشهد لها بالحق.

العمار مش بس حب، العمار “حدود واحترام”.. واللي مبيعملش لنفسه وبيته حدود، متلومش الناس لو داست على كرامته. وأنا الحمد لله، قدرت أحط لبيتي سور عالي، ومحدش هيقدر يتخطاه تاني بعد النهارده.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *