غلطة عمرى بقلم نورهان العشرى 2

دموعي نزلت من الرعب، وقربت منه وأنا بحاول أمسك هدومه:

* “والله العظيم يا فهد أنت فاهم غلط! مها كانت بتموت قدامي واترجتني أكلمه، أنا مكنتش بعمل حاجة غلط، أنا كنت بصلح بينهم.. كنت بقول كلمة حق!”

زق إيدي بعنف وهو بيبصلي بنظرة كره وعمري ما شوفتها في عينيه قبل كدة، وقال بلهجة حاسمة وقاطعة: حكايات نورهان العشري

* “كلمة حق؟ أخس عليكي. بقى أنا اللي كنت بقول للناس كلها مراتي خط أحمر، و مبسمحش لحد يقولك حرف،. تعملي فيا كدا؟ إنتِ خدعتيني وكسرتي كلامي، وضحكتي عليا!”

سابني واقفة مكاني بنهار، ودخل الأوضة ورزع الباب وراه رزمة هزت البيت كله. حكايات نورهان العشري

فضلت طول اليوم قاعدة في الصالة، بناتي نايمين جوة، وأنا بموت في كل ثانية، مستنية يخرج، مستنية يزعق، بس السكوت كان أصعب.

لحد ما الساعة جه عشرة بالليل.. الباب اتفتح وخرج فهد. كان مغير هدومه، ووشه خالي من أي تعبير، بارد زي الثلج. بصلي وقال بكلمتين اتنين مفيش غيرهم، بس كانوا كفيلين ينهوا حياتي:

* “قومي البسي.. يالا عشان أروحك بيت أهلك.”

الكلام نزل عليا زي الصاعقة، حسيت إن الأرض بتلف بيا والدنيا اسودت في عيني. قمت من مكاني وأنا رجلي مش شيلاني، جريت عليه ودموعي نازلة شلالات، مسكت في كمام قميصه وكان جسمي بيترعش و صرخت صرخة مكتومة مليانة قهر وألم:

* “ليه كدة يا فهد؟ عشان خاطر ربنا بلاش تعمل فيا كدة! والله العظيم ما كنت أقصد حاجة وحشة.. أنا قولت أصلح بينهم، قولت بعمل خير وبنقذ بيت صاحبتي من الخراب.. مكنتش أعرف إن الخير هيكسرني معاك بالشكل ده!”

فهد كان واقف زي الجبل، مبيتحركش، ولا حتى رمش ليه جفن. الغضب اللي كان جواه مبقاش يصرخ بيه، بالعكس، اتقلب لبرود حارق، برود يوجع أكتر من أي زعيق. ملامحه كانت حزينة، عينه اللي كانت دايماً بتلمع بالحب ليا، كان فيها نظرة خيبة أمل دابحاني، بس كبريائه ورجولته مانعينه يبين كسرة قلبه مني.

حاولت ألمس وشه، وأنا بشهق من كتر العياط:

“فهد.. بص في عيني، أنا نهى حبيبتك.. أنت عارفني وعارف تربيتي، أنا عمري ما فكرت أكسر كلمتك ولا أعمل حاجة تزعلك.. عشان خاطري وخاطر بناتنا متعملش فيا كدة وتصغرني قدام أهلي!” حكايات نورهان العشري

شال إيدي من على وشه بالراحة، بس بقسوة خلت قلبي يتخلع من مكانه. أخد نفس طويل، كأنه بيطفي بيه النار اللي قايدة في صدره، وبصلي بنظرة كلها وجع وعتاب مكتوم، وقال بصوت حاد، واطي، وراسي:

* “أنا مش هصغرك يا نهى.. ولا هقول لأهلك إنك كلمتي راجل غريب من ورايا. حكايات نورهان العشري

سكت ثانية، وبلع ريقه وصوته اتهز لأول مرة وهو بيكمل:

” أنتِ اللي هتقوليلهم. أنك كسرتي ثقتي فيكِ.. نزلتِ كلمتي الأرض عشان خاطر حاجة تافهة. عشان كدة، قومي البسي، روحي اقعدي مع والدك.. احكيله اللي حصل ده بالتفصيل، قوليلي كل اللي عملتيه من ورا جوزك، وشوفي هيقولك اللي عملتيه صح ولا غلط.. شوفي هيقبل إن بنته تعمل كدة في جوزها ولا لأ.”

كل كلمة منه كانت بتدخل في قلبي زي الس*كينة، الهوا كان مشحون بالألم بيننا؛ حب سبع سنين، والأمان اللي عشته في حضنه، كله كان بيتهز في اللحظة دي بسبب لحظة تسرع. لف ضهره ليا ومشي خطوتين ناحية الباب وهو بيقول بنبرة منهكة ومجروحة:

* “أنا مستنيكِ في العربية.. متتأخريش عشان البنات نايمين ومش عايزهم يحسوا بحاجة.”

بعد أسبوع كنت قاعدة في الصالة عند أهلي، ضامة ركبي لصدري وببكي بحرقة ونشيج طالع من جوة قلبي. فهد جابني وسابني ومشي بعد ما حكى لبابا الخطوط العريضة من برة، وسابني أنا أواجه المقصلة.

أمي كانت واقفة فوق راسي، وشها أحمر من الغضب وزعقها بيرج الحيطة:

* “يا خيبتك القوية يا نهى! و يا خيبة أملي فيكِ! بتكلمي راجل غريب ومن ورا جوزك؟ وبتقولي بعمل خير؟ إنتِ عبيطة يا بت ولا مخك ده طار؟! خربتِ بيتك بإيدك عشان خاطر الناس!”

أبويا قاعد على الكرسي، باصص للأرض بأسى وخيبة أمل دابحاني، اتنهد وقال بصوت كله كسرة: حكايات نورهان العشري

* “يا خسارة تربيتي فيكِ يا نهى.. فهد اللي كان بيقف لأمه وأخواته عشانك، فهد اللي كان شايلك على راسه، تنزلي كلمته الأرض؟ البيوت ليها حرمة يا بنتي، واللي عملتيه ده غلط، وغلط كبير كمان!”

أختي سارة قربت مني وبصتلي بلوم ويأس:

* “أنا مش مصدقة إنك بالسطحية دي يا نهى! مها إيه اللي تضيعي جوزك وبيتك عشانها؟ مها لو مكانك مكنتش هتبص في وشك أصلاً!”

الكلام كان بيموتني، الندم كان بياكل في ضلوعي زي السوس، ودموعي مكنتش بتجف. دخلت أوضتي القديمة وأنا منهارة تماماً، حسيت إن ماليش طوق نجاة غير مها.. هي الوحيدة اللي تقدر تشهد بالحق وتنقذني.

مسكت الموبايل وطلبتها، أول ما ردت قولت بلهفة وشهقات مكتومة:

* “مها.. إلحقيني يا مها، فهد عرف إني كلمت حسن وطردني وجابني بيت أهلي والكل قالب عليا.. أبوس إيدك يا مها، كلمي فهد، قوليلي إنك إنتِ اللي اترجيتيني، فهميه إنك كنتِ بتموتي وأنا كنت بحاول أصلح بينكم بس.. قوليلي إن مفيش بيني وبين جوزك حاجة!”

سكتت مها ثانية، ثانية كاملة نزلت عليا زي الدهر، وسمعت صوتها طالع بارد، ناعم، وفيه نبرة خسة وجحود عمري ما تخيلت إنها تطلع من بني آدم:

* “معلش يا نهى.. مقدرش أعمل كدة.”

بردت في مكاني، ودموعي اتجمدت من الصدمة:

* “تقصدي إيه بمقدرش؟ بقولك بيتي اتخرب!”

ردت بمنتهى الأنانية والبرود: حكايات نورهان العشري

* “يا نهى أفهميني، حسن رجعني البيت الصبح، وقولنا هنفتح صفحة جديدة، وهو حذرني وقالي. مخبيش عليه حاجة أبدًا. معلش يا حبيبتي، مقدرش أكلم فهد من ورا جوزي.. أنا ما صدقت حسن رجعلي ورجعت بيتي واستقريت، مش هخرب على نفسي تاني!”

الدنيا لفت بيا، وحسيت بطعنة في ضهري قسمتني نصين. و لكن الوجع اللي كان أكبر و أكبر لما سمعت جوزها بيقولها

ـ اقفلي مش فاضيين لحد.

مقدرتش أمنع نفسي لقيتني بقولها بحرقة:

“يا حقيرة! يا واطية يا زبالة! أنا خربت بيتي عشانك! أني نزلت تحت رجلي عشان اساعدك وطيبت خاطرك ووقفت قدام جوزي وكسرت كلمته عشان تنقذي بيتك.. وفي الآخر تبيعيني بالرخص ده؟!”

مها حاولت تتكلم: “يا نهى اسمعيني بس…”

قطعت كلامها وأنا بصرخ وبشهق من كتر الندم والغل اللي جوايا:

* “ملعون أبو معرفتك على أبو اليوم اللي شوفتك فيه! إنتِ إيه؟ معندكيش أصل؟ معندكيش دم؟! أنا اترميت في بيت أهلي وبناتي اتشتتوا عشان أصلح مابينك وبين جوزك، وإنتِ قاعدة في بيتك متهنية ومش هامك؟! حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ يا مها، ربنا ينتقم منك وياخدلي حقي منك ومن جوزك ومن كل واحد ظلمني.. غوري في داهية!”

قفلت السكة في وشها ورميت الموبايل في الحيطة اتفشفش مية حتة، ورميت نفسي على السرير وأنا بصرخ وبكتم صوتي في المخدة.. الندم كان بيدبحني، ندمانة إني سمعت كلامها، وندمانة إني خسرت بيتي وجوزي حبيبي اللي كان صايني، عشان واحدة متسواش.

بعد أسبوع.. كانت الصالة في بيت أبو نهى هادية هدوء مخيف، هدوء ما قبل العاصفة. فهد قاعد مربع إيديه، ظهره مفرود وعينيه مثبتة في الأرض بجمود يشبه جمود الصخر. قدامه كان والدي باصص له بنظرات كلها رجاء وتوسل، الراجل الكبير اللي علامات الزمن والقهر ظهرت على وشه فجأة في كام يوم. حكايات نورهان العشري

بابا اتنهد بصوت مرتعش وقال:

“يا فهد يا ابني، عشان خاطري أنا، اعتبرها سحابة صيف وعدت. البنت غلطت وندمانة وبتموت في الأوضة جوة، أنت عارف نهى وعارف طيبة قلبها، دي كانت فاكرة إنها بتعمل خير، مكنتش قاصدة تكسر كلمتك.”

فهد رفع عينه، النظرة اللي كانت فيها مكنتش غضب، كانت أعمق وأقسى بكتير.. كانت نظرة خيبة أمل مالهاش آخر. أخد نفس طويل وطلعه ببطء وقال بصوت واطي وراسي بس حاسم زي حد السيف:

“يا عمي.. أنا جيتلك لحد بيتك احتراماً ليك وللأصول اللي اتربينا عليها. نهى مكسرتش كلمتي بس، نهى هزت ثقتي فيها.. والثقة لما بتهتز في قلب الراجل، مبيفضلش مكان لأي حاجة تانية. أنا كنت بقف للدنيا كلها عشانها، كنت بقف لأمي وأخواتي وأقول مراتي خط أحمر، وفي الآخر هي عملت ايه واقفة في نص بيتي وبتكلم راجل غريب من ورايا عشان خاطر واحدة تانية؟”

بابا اتكلم بحزن:

* “يا ابني المسامح كريم، والبيوت مبتتهدش من أول غلطة، فكر في البنتين، ذنبهم إيه يتشتتوا؟”

فهد شد ووقف، و اتكلم بحسم:

* “البنات في عينيا يا عمي، هما بناتي و نور عيني وعمرهم ما هيحتاجوا حاجة في الدنيا. ونهى.. أنا مش هظلمها، هتاخد كل حقوقها، المؤخر والنفقة والمتعة وكل مليم تطلبه، أنا مش راجل وحش عشان أكل حق الولايا بس رجوع مش هنرجع. أنا هطلق نهى يا عمي،

والموضوع ده منتهي بالنسبة لي.”

حكايات نورهان العشري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *