الخيانه حكايات علي ابو الدهب 2
الحاجة صفية مسحت دموعها اللي نشفت، وبصتلي والواد الصغير في حضنها، وقالتلي الجملة اللي كانت محضرالي بقالها 3 سنين:
— “اتصلت بيكي النهاردة، عشان ‘أبوهم’ النهاردة مش موجود، والوقت جه عشان البيت ده يتعدل.. يا تعيشوا سوا يا كل واحد يروح لحاله، وأنا الحفيد ده.. مش هضيعه مني تاني.”
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. “أبوهم”؟ الكلمة رنت في ودني وزلزلت كياني. بصيت للست التانية اللي كانت واقفة مذهولة، والدموع مغرقة وشها، وبتبصلي بعدم استيعاب. سألتها بصوت مرتعش، وكأني بتمسك بقشاية: “أبوهم؟ هو في غير الواد ده؟”
الست ردت بصوت مخنوق وهي بتبص للحاجة صفية: “أنا حامل في الشهر الخامس.. محمود قالي إنه مطلق مراته الأولى من سنتين ومبيخلفش منها، وإنه عايش معاها بس عشان خاطر شكل عيلته!”
ضحكت.. ضحكت بصوت عالي وسط ممر المستشفى لدرجة إن الممرضات عيونهم كلها اتجهت ليا. ضحكة وجع، ضحكة صدمة قت*لت جوايا كل حاجة حلوة. ثمان سنين من عمري، ثمان سنين وأنا بستحمل نظرات حماتي اللئيمة، وكلماتها المبطنة بسمٍّ ناعم. ثمان سنين وأنا بروح من دكتور لدكتور، باخد منشطات وهرمونات بوظت جسمي ونفسيتي، ومحمود كان دايماً يطبطب عليا ويقولي: “مش مهم يا مريم، أنا عايزك أنتِ، مش عايز عيال”.. وهو في الحقيقة كان بيرتب لحياته التانية، وبيروح لحضن تاني يكتب فيه اسمه على شهادات ميلاد عيال تانية!
قربت من الحاجة صفية، خطوة ورا خطوة، وعيني في عينها. البرود اللي في عيونها اتمحى للحظة وظهر مكانه خوف مكتوم، بس سرعان ما استعادت قناعها الجاحد. قلتلها والنفس بيطلع بأعجوبة:
— “طب والدموع الهستيرية في التليفون؟ والتمثيلية دي كلها؟ كنتِ تقدري تقوليلي في بيتك، ليه جرتيني لحد هنا؟”
ردت وهي بتقدم العصير للطفل التاني اللي نايم في العرّابة الصغير:
— “عشان محمود جوه بين الحيا والموت يا مريم.. الدكتور قال إن احتمالية مشيه تاني ضعيفة، وشغل الشراكة اللي بينهم عليه ديون. أنا جبتك هنا عشان تشوفي الحقيقة كاملة.. محمود محتاج فلوس ورثك اللي شايلاه في البنك عشان يسدد ديونه ويقوم على رجله، ومحتاجك تقبلي بالوضع ده.. لأن الست دي ملهاش غيره، وعياله ملهمش غير قرشينك اللي هينقذوا أبوهم!”
يالله! يا لبشاعة البشر!
محبكتش خيوط اللعبة دي كلها عشان ضميرها أنبها، ولا عشان حست بالذنب ناحية حفيدها.. دي عملت كده عشان “مصلحة” ابنها. كانت مخبية السر طول ما هو سليم وناجح وبيصرف على البيتين، ولما وقع، افتكرت “مريم” وفلوس مريم اللي ورثتها عن أبوها من سنة! اتصلت بيا وهي بتعيط مش خوفاً على محمود، دي كانت بتعيط خوفاً على الفلوس والستر اللي هيضيع من ابنها!
في اللحظة دي، خرج الدكتور من غرفة العمليات، وشنا كله اتجهت ناحيته. جِريت الست التانية عليه، ووقفت الحاجة صفية وهي شايلة الواد، وأنا فضلت واقفة في مكاني، رجلي لزقت في الأرض.
الدكتور بصلنا وقال: “الحمد لله، عدينا مرحلة الخطر.. بس للأسف، الحادثة سابت أثر كبير على الفقرات القطنية، الأستاذ محمود هيحتاج عمليات كتير وفترة علاج طبيعي طويلة عشان يقدر يقف على رجله تاني.. ومحتاجين فوراً موافقة على عملية تانية تكلفتها ومستلزماتها غالية جداً ومبتتغطاش بالتأمين.”
الحاجة صفية لفت وشها ليا، وعينيها فيها رجاء ممزوج بأمر: “امضي يا مريم.. ادفعي الشيك وخلي الدكاترة يبدأوا.. محمود جوزك وحبيبك.”
بصيت لها، وبصيت للطفل اللي في حضنها، وبصيت للست التانية اللي كانت بتبكي وبتدعي له وهي مش فاهمة أي حاجة من المؤامرة دي. حسيت فجأة ببرود غريب سكن قلبي، الخوف والرعشة اختفوا، وحل مكانهم قوة عمري ما حسيت بيها قبل كده.
قلعت دبلتي من إيدي، الدبلة اللي بقالها 8 سنين محفورة في صباعي، وحطيتها في إيد الحاجة صفية فوق علبة العصير. وبصيت لها بكل ثبات وقلت:
— “أنا جيت المستشفى دي وأنا فاكرة إني زوجة مخلصة لراجل اتعرض لحادثة.. بس اكتشفت إني كنت عايشة مع غريب، وفي بيت كله ثعابين. فلوسي اللي كنت شايلاها عشان نعمل بيها عملية حقن مجهري، مش هتدخل جيب محمود، ولا هتدفع تمن خيانته.”
لفت ظهري ومشيت في الممر، وصوت الحاجة صفية ورايا بيتحول من البرود للنداء الهستيري: “يا مريم! هتسيبيه يموت؟ هتسيبيه عاجز؟ دي أمانة! أنتِ مش بنتي؟”
مردتش عليها، ومبصتش ورايا. خرجت من باب المستشفى، واستنشقت الهوا النظيف لأول مرة من 8 سنين. الدموع اللي نزلت من عيني وأنا سايقة عربيتي وراجعة لبيت أبويا مكنتش دموع حزن.. كانت دموع غسيل لكل الوهم اللي عشته. محمود خسر رجله، وخسر فلوسي، وخسر البنت اللي صانته.. والحاجة صفية شالت الحمل اللي كانت بتقول عليه، بس المرة دي.. شالته لوحدها بجد.
مر شهرين على اليوم ده. شهرين كاملين ومفيش فيهم يوم واحد عديته من غير ما أتنفس فيه حرية، بعد ما كنت فاكرة إن الهوا برا بيت محمود مبيتنفذش.
عرفت من بعيد، ومن ناس مشتركة، إن المحكمة حكمتلي بالخلع من أول جلسة بعد ما قدمت كل المستندات اللي تثبت الضرر المادي والمعنوي، وتنازلت عن كل حاجة بامتنان حقيقي.. لأن تمن حريتي كان بالنسبة لي أهم من أي قايمة أو مؤخر.
أما في الناحية التانية.. فالدنيا دارت دورتها الحقيقية. محمود ملقاش مفر غير إنه يبيع نصيبه في المحل، والحاجة صفية اضطرت تبيع دهبها وتتخلى عن جزء كبير من مدخراتها عشان تدفع تمن العمليات والعلاج الطبيعي. محمود رجع البيت، بس مش الراجل اللي كان بيمشي يفرد ظهره على الناس؛ رجع على كرسي متحرك، ومحتاج اللي يخدمه كل ثانية.
والأبشع من العجز المادي، كان العجز النفسي اللي عاشوا فيه. “رنا” لما شافت الحقيقة، وشافت الديون، وعرفت إن محمود كان بيكذب عليها هي كمان ومطلقنيش، وإنه دلوقتي بقى عاجز ومعندوش فلوس؛ مأستحملتش الوضع أكتر من شهرين. خدت عيالها (الولد الصغير واللي لسه مجاش الدنيا) وسابته ورجعت بيت أهلها، ورفعت عليه قضايا نفقة!
وفجأة.. لقت الحاجة صفية نفسها في البيت اللي كانت عايزة “تعدله”، لوحدها.. مع ابنها العاجز اللي مبيتحركش. الست اللي كانت شايلة شنطة العصير وبتلف بيها عشان تفرح بأحفادها، لقت نفسها هي اللي بتشيل ابنها الراجل، وبتخدمه وهي في السن ده، ومتحرمة من شوفت الأحفاد اللي خانتني عشانهم.
في يوم جمعة، كنت قاعدة في كافيه على النيل، الشمس كانت دافية وصوت الماية هادي. تليفوني رن، وكان رقم الحاجة صفية.
ترددت ثانية، بس قررت أرد.. مش ضعف، بس كنت عايزة أشوف آخر خيط في اللعبة دي واصل لفين.
فتحت الخط، جالي صوتها.. بس مكنش البرود المرعب بتاع زمان، ولا كان صوت العياط الهستيري المزيف. كان صوت عجوز، مكسور، شاحب، وصوت محمود وهو بيئن في الخلفية باين.
قالتلي بنبرة كلها تذلل:
— “سامحيني يا مريم.. سامحيني يا بنتي. البيت اتخرب، ورنا سابتنا والعيال مشوفهمش، ومحمود بيموت في اليوم مية مرة من العجز وقهر الرجال.. أنا اتعاقبت في ابني يا مريم.. حقي برقبتي.”
خدت نفس طويل، وبصيت للنيل وابتسمت ابتسامة صافية، وقلت لها بكل هدوء:
— “أنا مسمحاكي يا حاجة صفية.. مسمحاكي مش عشانكم، عشان نفسي وعشان قلبي ميفضلش فيه نقطة سودا من ريحتكم. بس العفو مبيصلحش اللي اتكسر، والبيوت اللي بتتبني على دموع وكسرة عين بنات الناس.. ربنا مبيباركش في عتبتها. شيلوا شيلتكم بقى.. زي ما سيبتوني أشيل وجعي لوحدي 8 سنين.”
قفلت السكة.. وعملت للرقم “بلوك” نهائي.
قفلت الصفحة دي من حياتي، وبصيت قدامي. ربنا محمنيش من الخلفة عقاباً ليا، ربنا حماني إني أربط اسمي واسم عيالي بنسل خاين وبشر بوجوه مستعارة. أنا دلوقتي ببدأ من جديد، بقلب نضيف، وروح حرة، ويقين تام إن العدل مبيضيعش.. ولو بعد حين مم