حماتى شتمت امى قدام الناس كلها و امى فضلت ساكته خالص
حماتى شتمت امى قدام الناس كلها و امى فضلت ساكته خالص.
حماتي وقفت قدامها وسط الشقة الجديدة، يوم السبوع، وبصتلها من فوق لتحت وقالت قدام كل الناس العباية دي جايباها من سوق الجمعة؟
القرايب ضحكوا… وأنا حسيت إن الأرض بتبلعني من الكسوف.
استنيت أمي ترد… أو حتى تدافع عن نفسها، لكنها عملت حاجة أغرب بكتير.
فضلت ساكتة… ووشها هادي بشكل مخيف، كأن الإهانة ولا هزت فيها شعرة.
كل اللي في القاعة افتكروا إنها انكسرت.
لكن بعد دقايق قليلة، أمي وقفت، بصتلهم واحد واحد، وقالت جملة واحدة قلبت الفرح كله لمأتم…
الجملة دي خلت جوزي يصفر لونه، وخلت حماتي تقع على الأرض من الصدمة، وساعتها بس… عرفت إن أمي كانت مخبية سر، السر ده هو اللي فضحهم كلهم في لحظة واحدة.
الشقة كانت زحمة و مليانه على آخرها بقرايب طارق، والدوشة وصوت الزغاريط والكلام كان عالي لدرجة إنه يكاد يهد السقف. أمي كانت قاعدة في زاوية من الصالة، منكمشة على نفسها شوية ومكسوفة. النهاردة كانت لابس عباية قماش لونها رمادي غامق، تفصيلتها بسيطة جداً، وشكلها فعلاً مكنش فيه أي مظاهر بهرجة أو غنى.
حماتي كانت ماسكة كباية شربات، وماشية تتمايل وسط الناس، لحد ما وقفت قدام أمي بالظبط. رفعت حاجبها، وبصت لأمي بنظرة فاحصة زي كشافات
العربية، جابتها من فوق لتحت.
بقولك إيه يا أم العروسة.. العباية دي شرياها من أنهي سوق تلات ولا وكالة البلح؟
صوتها مكنش عالي أوي، بس كان كافي جداً إن كل اللي حواليها يسمعوه. فجأة، الصالة كلها تظهر فيها حالة من السكوت التام. أمي اتصدمت وملامحها اتجمدت. أنا قلبي اتعصر، وقمت بسرعة عشان ألحق الموقف وألطف الكلام
يا طنط، دي عباية ماما مفصلاها مخصوص عند ترزي، قماشها كتان في قطن ناعم، ومريحة جداً وخفيفة في اللبس.
يا حلاوة! كمان مفصلاها مخصوص؟ حماتي ضحكت بصوت عالي وفيها تريقة واضحة، والتجاعيد اللي حوالين عينها انكمشت، ده أنا شوفتها فكرتها من شغل الخياطين الغلابة اللي على أول الشارع عندنا، من اللي العباية منهم ب 50 جنيه!
من هنا وهناك، طلعت ضحكات مكتومة من قرايبهم. العمة ناهد أخت أبو طارق الكبيرة دخلت في الكلام وقالت جرى إيه يا أم طارق، متقوليش كدة! حمات ابنك ست مدبرة وبتوفر، مش زينا بنحب نبعزق الفلوس.
الكلام كان يبان عادي، بس نظرة السخرية والتقليل في عنيهم كانت واضحة وضوح الشمس. وشي بدأ يسخن من الكسوف، وإيديا عِملت عرق.
طارق، تعال هنا ثانية لو سمحت. ناديت عليه.
طارق كان واقف بيصب الشربات لعمّه الصغير، لما سمعني التفت، وكان على الوش علامات البلاهة ومش فاهم في إيه.
حماتي مأبدتليش أي اهتمام، وخدت خطوة كمان لقدام، لدرجة إن وشها بقى قريب جداً من وش أمي.
يا حمات ابني، أنا مش قصدي أعيب فيكي. بس النهاردة يوم إيه؟ دي دخلة بيت جديد، وفرحة العمر. تيجي بالمنظر ده؟ اللي ميعرفش يقول إننا مبهدلينك ومجوعينك، وإن ابننا اتجوز بنت ناس شحاتين!
الكلمتين الأخيرين دول قالهم بصوت واطي، بس حركة شفايفها كانت واضحة قدامي زي الرادار. وش أمي بدأ يقلب أبيض حتة واحدة، وإيديها اللي كانت حطاهم على ركبها بدأوا يترعشوا ويقفلوا جامد.
أنا مقدرتش أتحمل أكتر من كدة، ووقفت بينها وبين أمي.
طنط، حضرتك شكلك تعبانة أو الشربات أثر عليكي.
أنا تعبانة؟! حماتي زقتني جامد لورا، أنا فايقة ومصحصحة جداً! بيت ابني، اللي دافع فيه دم قلبه مقدم ألوفات، وأقساط بالشيء الفلاني وقروض، وشقاه وتعبه طول السنين، مش معمول عشان أي قرايب حافيين ييجوا يدوسوا عليه ويمشوا!
شاورت بصابعها في وش أمي بالظبط النهاردة لبسك ده قلة قيمة لابني، وقلة قيمة لعيلة طارق كلها! إنتي ناوية على إيه بالظبط وعايزة تبوظي فرحتنا ليه؟
تهمة كبيرة وتتبيلة غريبة اترموا في وش أمي. نظرات كل القرايب اللي قاعدين تحولت لسكاكين حامية بتوجّه لأمي. أنا كنت بترعش من كتر الغضب، وعايزة أرد بس حسيت إن زوري مقفول
ومش قادرة أنطق.
طارق أخيراً عرف يزق الناس وييجي، ومسك دراع أمه.
ياما، جرى إيه! بس خلاص، الناس والقرايب بيتفرجوا علينا.
يتفرجوا يعني إيه؟ هو أنا بقول حاجة غلط؟ صوت حماتي علي أكتر، يا طارق يا ابني، متخافش، ده بيتك وإنت سيد الراجل هنا والكلمة كلمتك! اللي مش عاجبه أو جاي ينكد عليك، اطردة برة بالجزمة!
كلماتها كانت زي المطرقة اللي بتنزل على دماغي. بصيت لطارق، مستنية رد فعله. كنت هيموت وأسمعه بيقول كلمة واحدة تدافع عن أمي.
طارق بص لأمه، وبصلي، وكان وشه مليان حيرة وضعف. فرك إيديه في بعض، وفي الآخر طلع جملة واحدة ياما.. تعالي جوة.. تعالي نتكلم في الأوضة.
كان عايز يجرها لداخل أوضة النوم. حماتي نفضت إيده بعنف مش هيدخل! النهاردة لازم الكلام يبقى على مية بيضا! البيت ده بيت عيلة طارق، ومن هنا ورايح الكلمة الأولى والأخيرة ليا أنا في البيت ده! الست الغريبة دي جاية تملي شروطها علينا بصفتها إيه؟
أمي طول الوقت ده كانت ساكتة ومبتنطقش. لكن في اللحظة دي بالظبط، بدأت تتحرك.
قامت ببطء، جسمها مكنش طويل، بس ظهرها كان مفرود ومستقيم زي النخلة. بصت لحماتي اللي عمالة تردح وتتنطط، وبصت لطارق ووشه المخطوف، وبصت للناس اللي بتتفرج ومستمتعة بالمسرحية.
خمس ثواني كاملة. وفجأة، أمي ضحكت.
ضحكة خفيفة بس كانت باردة، وطلعت
لمحة نيوز
واضحة جداً وسط دوشة الصالة. كل الناس اتجمدت في مكانها.
أمي رفعت عينيها، عدت من فوق حماتي، ووقفت عند وشي أنا بالظبط. عنيها مكنش فيها غل أو زعل، كان فيها حالة من… الهدوء التام، كأن كل حاجة اترتبت خلاص.
نطقت، وصوتها مكنش عالي، بس كل حرف كان طالع حاسم ومسموع
بكرة الصبح.. إنتي وكل قرايبك والشنط بتاعتكم، تتفضلوا تطلعوا برة البيت ده.
02
صوت حماتي العالي انقطع فجأة. بقت عاملة زي البطة اللي حد كبس على نفسها، عينيها برقت من الصدمة، ومكنتش مصدقة اللي سمعته.
إنتي.. إنتي بتقولي إيه؟!
بقول، أمي كررت كلامها تاني، وبكل برود وبطء، بكرة، تاخدي كل ناسك، وتفضوا الشقة دي وتطلعوا منها.
الجو في الصالة بقى زي التلج. بعد كام ثانية، حماتي طلعت صرخة عالية هزت المكان.
إنتي اتجننتي يا ست إنتي؟! ده بيت ابني! بأمارة إيه وبصفتك إيه تطردينا منه؟ تنططت في مكانها وشاورت في وش أمي والغل باين في عنيها فاكرة نفسك مين؟ حماة فقرية جاية تخرب فرحة ابننا في بيته الجديد! ده إنتي ليلتك مش فايتة!
العمة ناهد دخلت في الخط وقالت جرى إيه يا أم العروسة، الكلام ده ميتسكتش عليه وميتقالش كدة. دي شقة الزوجية اللي طارق شاريها بفلوسه، هتطرديه يروح فين؟
شقة الزوجية؟ أمي ابتسمت بسخرية وتريقة.
مبصتلهومش
تاني، ولفت وشها ومشيت ناحية البوفيه اللي جنب الباب. فتحت الدرج، وطلعت من وسط الورق دفتر وورقة زرقاء كبيرة مختومة. ورجعتلهم تاني.
طااااخ!
خبطت الورق والدفتر ده في وش حماتي اللي كان محمر من كتر الانفعال والعصبية. الحركة كانت سريعة وحاسمة. حماتي رجعت لورا خطوتين من الخبطة، والصرخة وقفت في زورها.
إنتي.. إنتي بتمدي إيدك عليا؟
أمد إيدي عليكي؟ صوت أمي كان طالع بارد زي الموت، بصي كويس في الورق ده وشوفي ده إيه.
عقد الشقة الأزرق الموثق في الشهر العقاري، وشهادة الملكية الرسمية.
حماتي وقفت متنحة ومش فاهمة. العمة ناهد لأن عينيها فاحصة، خطفت الورق من إيد حماتي وفتحت الصفحة الأولى.
الاسم المكتوب للمالك… نادية… نادية عبد الرحمن الشافعي؟ قرأت اسم أمي، وصوتها اتقطع وشرق.
مش ممكن! الكلام ده كدب وزور! حماتي زي المجنونة خطفت العقد وبقت تبص على خانة المالك الرئيسي.
مكتوب هناك بالخط العريض والواضح، اسم أمي. ورق رسمي، وختم النسر واضح وصريح.
الصالة كلها بقت زي المدافن. ملامح كل القرايب، تحولت من الشماتة والتسلية، لصدمة ذهول، وبعدين لبلادة تامة كأن حد ضربهم على دماغهم.
إيد حماتي بدأت تترعش جامد، والعقد وقع منها على الأرض. رفعت راسها فجأة وبصت لطارق، كأنها بتتعلق بقشة
الغريق الأخيرة.
طارق! يا ابني! إيه الكلام ده؟ قولي إن الكلام ده غلط! الورق ده مزور صح؟ الست دي مألفاه!
في اللحظة دي أنا كمان افتكرت وبصيت لطارق. من ساعة ما أمي طلعت العقد، وطارق واقف في مكانه زي الصنم، كأنه اتحول لحجر.
في اللحظة دي، مكنش بيبص لأمه، ولا بيبص لأمي. كان حاني راسه لتحت، وبيبص في الأرض، وجبهته عمالة تنزل عرق ساقع بغزارة. وشه اللي أنا عارفا حافظاه، كان لونه رايح تماماً، قالب على رمادي باهت زي وشوش الأموات.
طارق مكنش زعلان، ولا كان محتار.
كان خايف. خوف مرعب واصل لعضمه، كأنه شاف عفريت قدامه بالظبط.
قلبي سقط في رجلي. الموضوع مش طبيعي. مش طبيعي خالص.
نطق يا طارق! اتكلم يا ابني! حماتي كانت بتنهار.
جسم طارق كله بدأ يتنفض. وأخيراً رفع راسه، ونظراته عدت من فوق أمه، وفوق كل قرايبه، وبص في عيني أنا بالظبط. شفايفه كانت بترتعش، وعايز ينطق بس مفيش صوت طالع.
وبعدين، عمل تصرف أنا عمري ما كنت أتخيله منه. جري عليا كام خطوة، مش عشان يلحق أمه اللي هتقع، ولا عشان يتخانق مع أمي.
مسك دراعي أنا جامد، وبقوة كانت بتوجع وتخوف.
فرح.. فرح.. اسمعيني بس هفهمك… صوته كان مبحوح ومخلوق بالدموع، مش زي ما إنتي فاهمة خالص.. والله العظيم مش كدة…
أنا كنت متألمة من مسكته
لدراعي، وكنت مذهولة أكتر من رد فعله الغريب ده اللي مش راكب على الموقف. أنا هفهم إيه؟ أمي طلعت عقد الشقة وضربت بيه أمه، هو جاي يبررلي أنا إيه؟
حماتي لما شافت ابنها منهار ومكسور بالمنظر ده، آخر أمل عندها ضاع. رجليها سابت، ووقعت على أرض الصالة.
يا لهوي… شقتي… شقة ابني ضاعت… بدأت تصوت وتلطم على فخاذها، وبتشتم بألفاظ صعبة وطريقة هيستيرية.
حفلة البيت الجديد كلها، تحولت لمهزلة وفضيحة كبيرة من أولها لآخرها.
أمي كانت بتبص على كل ده ببرود، وعينيها مفيش فيها أي مشاعر شفقة. قربت مني، وبكل هدوء شالت إيد طارق من على دراعي.
سيب بنتي. صوتها مكنش عالي بس كان فيه هيبة تخوف.
طارق كأن كهربا لمسته، ساب إيدي بسرعة ورجع لورا. أمي خدتني من إيدي، ومبصتش لحماتي اللي بتمرمغ نفسها في الأرض وبتندب حظها.
يلا بينا.
مشت بيا وسط القرايب اللي واقفين زي التماثيل، وطلعنا ناحية الباب.
فرح! طارق نادى عليا من ورايا بصوت كله كسرة ويأس.
وقفت ولفت وشي بصيت عليه. كان واقف في نص الصالة المكركبة، وشه خالي من الدم، وعينيه مليانة ضياع تام.
دي مكنتش نظرة راجل زعلان إن مراته وأمها خبوا عليه حاجة. دي كانت صدمة وانهيار… قمار، في اللحظة اللي كشف فيها ورقه، واكتشف إنه خسر كل حاجة حيلته، وطلع
مديون.
في اللحظة دي، قلبي سقط في أعمق حتة في
الفراغ.
03
رجعت أنا وأمي على شقتها القديمة اللي في وسط البلد. الشقة مكنتش كبيرة، بس كانت دايماً ممسوحة ونضيفة ومفيهاش ترابة واحدة.
صبتلي كباية مية دافية، واستنت لحد ما شربتها كلها نقطة نقطة.
اتخضيتي يا بنتي؟ سألتني.
هزيت راسي بالنفي، وبعدين هزيتها بالإيجاب.
أنا بس… مش قادرة أجمع، قلتلها، طارق… ليه عمل كدة وليه رد فعله كان مرعوب بالمنظر ده؟
أمي تنهدت، وقعدت قدامي على الكرسي.
يا فرح يا بنتي، فكري فيها كدة.. أنا ليه صممت إن عقد الشقة يتكتب باسمي أنا بس وميتكتبش باسمك ولا اسمه؟
تنحت شوية وقلت مش عشان… تأمنيلي مستقبلي وميضحكش عليا؟
لما كنا بنرتب للجواز، أهلي هما اللي دفعوا مقدم الشقة كله، وأهل طارق مدفعوش ولا مليم. وعشان نشتري خاطره ووشه قدام الناس وقرايبه، اتفقنا إننا نقول للكل إننا شارينها سوا بالنص.
كنت دايماً فاكرة إن تصميم أمي يكتب الشقة باسمها هي، كان مجرد خطوة حماية عشان لو حصل مشاكل بعدين، حقي ميروحش.
أمي بصتلي بنظرة عميقة وقالت التأمين ده جزء صغير… بس الأهم من كدة، إن الورقة دي كانت… اختبار.
بصيت لأمي وأنا مذهولة تماماً. كلامها كان كأنه بيقشر الوش الطيب والماسك اللي كان طارق لابس طول السنين اللي فاتت.
أمي كملت كلامها وقالت فكري فيها يا فرح، واحد طول عمره عايش يوطي راسه ويقول حاضر ونعم، ويبين إنه بيموت فيكي وبيحبك أكتر من روحه، ليه النهاردة يقف يتفرج على أمه وهي بتهينك وتهين كرامتنا وكل اللي قاله كلمتين ملهمش أي لزمة؟ عشان هو خلاص افتكر إن الشقة دي بقت في جيب عيلة طارق. الطمع والغرور اللي جواه لما حس إنه بقى صاحب ملك، خلوه مش عايز يكمل تمثيل المسرحية.
بس يا ماما… صوتي اتملا دموع ومبقاش طالع، هو ليه خاف أوي كدة ووشه اتقلب زي الأموات لما شاف اسمك في العقد؟ لو الموضوع مجرد شقة ضاعت منه، كان زمانه اتعصب أو اتخانق، ليه النظرة دي كانت نظرة واحد بيموت ويأسه زي قمار خسر كل فلوسه؟
أمي بصتلي ونظرة عينيها كانت كلها حنان ووجع عليا. مسكت إيدي اللي كانت بتترعش جامد، واتنهدت بصوت عالي
عشان هو خد الشقة دي وعمل بيها مصيبة إنتي عمرك ما تتخيليها يا فرح. فاكرة من ست شهور لما قالك إنه محتاج ورق الشقة عشان يثبت ملكية وأنه محتاجها عشان يدخل مشروع كبير في شركته؟
اتخضيت، والذاكرة رجعت بيا بسرعة للورا. أيوا، فعلاً! من ست شهور طارق قالي إن الشركة منزلة مشروع استثماري كبير للمديرين، بس بشرط يكون عندهم أصول أو عقارات يثبتوا بيها ملاءتهم المالية وقدرتهم على الدفع. ووقتها هو بنفسه خد الأوراق اللي كان فاكر إنها باسمي وباسمه وراح يعمل الإجراءات.
أمي ضحكت ضحكة باردة وقالت هو كان فاكر إن عقد الشقة باسمك وباسمه، فراح من وراكي زور إمضاءك، وخد الشقة دي رهنها لواحد من بتوع القروض برة بعائد ربا فاحش، ودخل في سبوبة ومضاربة ماليّة برة عشان ياخد الفلوس يبعتها لأمه وأهله في البلد يشتروا حتة أرض ويكبروا راسهم قدام الناس. كان مأمل إن الشقة سعرها يزيد أو المشروع يكسب فيسد من وراكي ومحدش يحس. بس اللي مكنش يعمل حسابه فيه، إن العقد اللي في الخزنة عندك في البيت ده كان مجرد صورة، والعقد الأخضر الأصلي والموثق في إيدي أنا، والمالك الوحيد والرسمي هي نادية عبد الرحمن!
أنا طول عمري بشتغل في السوق والتجارة، وأشكال وألوان من البشر شوفتهم وعارفاهم. وقت كتابة العقد، أنا صممت إن الشقة تتنقل باسمي وخلّيت معايا الأصل. طارق خد الصورة والورق المزور وراح نصب بيه، ودلوقتي أنا أعلنت إني بسحب الشقة، وبكرة هطرد أهله كلهم برة. القرض بتاعه هيتأخر، وبتوع القروض والربا هيروحوا يخلصوا عليه ويقطعوا خبره، وتهمة التزوير والنصب اللي عملها كفيلة ترميه ورا الشمس في السجن بقية عمره!
أنا حست الدنيا بتلف بيا، وجسمي كله عرق عرق ساقع من الصدمة. طلع ورا الوش الهادي الشقيان اللي كان جوزي بيوريهوني طول الوقت، فخ مالي وخيانة قذرة ومقرفة لدرجة مكنتش أتخيلها. ده مكنش عايز ياخد شقتي بس، ده كان ناوي يمص دمي ودم أهلي عشان يغذي طمع وجشع أهله في البلد.
04
في نفس الليلة دي، تليفوني مكسكتش وثانية واحدة. طارق رن عليا مئات المرات، وبعت رسايل كلها عياط وتوسل لدرجة الشحاتة
فرح، أنا ببوس رجلك، أبوس إيد حماتي. أنا عرفت غلطي، أنا اتنصب عليا وضحك عليا! قولي لأمك بلاش تسحب الشقة وتسردنا برة. لو بكرة القرايب شافونا ومطرودين، أمي هتروح فيها وتموت نفسها! أنا حياتي هتتدمر، وبتوع القروض هيقطعوني ويموتوني يا فرح حسي بيا!
بصيت على الرسايل دي، ومبقاش جوايا أي حتة حنين أو طيبة ناحيته، مكنش فيه غير قرف شديد مش قادرة أطيقه. عملتله بلوك من كل حتة وقفت كل حساباتي.
تاني يوم الصبح، روحت أنا وأمي ومعانا رجالة بودي جاردات من شركة أمن محترمة، وفتحنا باب الشقة الجديدة.
أول ما الباب اتفتح، شوفنا منظر يندى له الجبين. القرايب كانوا مشيوا، بس حماتي والعمة ناهد كانوا قاعدين في الأرض، وحواليهم أكياس زبالة سودا كبيرة، وعمالين يلموا ويخطفوا في أي حاجة تطولها إيديهم من كبايات الكريستال، الخلاط، وحتى ستاير الشقة الغالية اللي أنا كنت مفصلاها على حسابي.
إنتو
بتعملوا إيه هنا؟ قلت بصوت ناشف وبارد.
حماتي أول ما شافتني، رمت الستارة على الأرض، وجريت عليا وهي مبرقة وعايزة تخربش وشي يا بت الكلب! إنتي وأمك نصابين وضحكتوا على ابننا! رجعوا الشقة لطارق! رجعولي فلوس المقدم اللي دفعناها!
أمي وقفت قدامي، وشاورت لرجالة الأمن. اتنين من البودي جاردات مسكوا حماتي من كتافها ورجعوها لورا بقوة ومنعوها تقرب.
فلوس مقدم؟ أمي ردت وصوتها كان زي السيف، هو إنتي دفعْتي مليم واحد في الشقة دي عشان تطالبي بيه؟ أنا قدامكم ساعة واحدة بالظبط، تلموا الهدوم الشخصية بتاعتكم وتطلعوا برة. أي عفش، أي جهاز في البيت ده بنتي اللي شرياه بفلوسها، لو حد فيكم مد إيده على حاجة، هطلب النجدة فوراً ويسجنوكم بتهمة السرقة في حالة تلبس.
العمة ناهد رمت المخدتين اللي كانت بتخفيهم في الكيس، وقعدت تبرطم بصوت واطي حرامية… والله العظيم عيلة حرامية وقطاع طرق…
في اللحظة دي، طارق طلع من الأوضة الجوانية. شكله كان يصعب على الكافر شعره منكوش، عينيه حمرا زي الدم، ودقنه طالعة وشكله متبهدل لآخر درجة. أول ما شاف أمي، نزل على ركبه بمب في الأرض.
يا حماتي… أبوس إيدك… أنا عارف إني غلطت وغلط ذنب كبير. أنا هطلقها، هطلق فرح حالا ومستعد أمضي على ورقة الطلاق ومش عايز قشة واحدة من الشقة! بس الحقيني وسامحيني، قولي بس قدام البنك إن الشقة دي إنتي اللي كنتي مدياني العقد برضاكي عشان أثبت ملكية، عشان القضية تتقفل وبتوع القروض ميسجنونيش بتهمة النصب… أبوس إيدك ورجلك يا حاجة نادية! بقى يتكلم وهو بيخبط راسه في الأرض وبيبكي بحرقة.
حماتي لما شافت ابنها وقرة عينها راكع في الأرض كدة، قعدت تصوت طارق! بتعمل إيه يا ابني؟ قوم اقف! ارفع راسك! متوطيش للناس الفقرية دي!
اخرسي بقا! طارق لف وشها وزعق فيها بأعلى صوته، وعينيه كانت طالعة منها شرار زي الوحش المجروح، إنتي السبب! إنتي اللي دمرتيني وضيعتي حياتي! لو مكنتيش كل شوية تذليني وتقوليلي اشتري أرض في البلد واعمل قيمة لنفسك وخلي القرايب تفتخر بيك، مكنتش روحت زورت الورق عشان أستلف! أديكي شايفة، أنا داخل السجن خلاص! كل ده بسببك وبسبب طمعك!
حماتي اتخرست ومبقتش ناطقة، وبقت تبص لابنها الحبيب اللي طول عمره بار بيها وبيسمع كلامها، وهو بيبصلها دلوقتي بنظرة كلها كره وغل وسواد.
أمي بصت لطارق وهو راكع في الأرض، وعينها مكنش فيها غير قرف واشمئزاز يا طارق، لما مضيت باسم بنتي وزورت وبقيت تسرق وتخون الأمانة، كان لازم تعمل حساب اليوم ده. اللي يغلط يستحمل نتيجة غلطه. والسجن هو المكان الصح والمناسب لواحد طماع وخاين وزيك.
فرح… الحقيني… طارق زحف على الأرض ومسك في رجلي.
رجعت خطوة لورا، وبصيتله بنظرة مفيهاش أي نقطة حب قديمة يا طارق، بكرة ميعادنا في محكمة الأسرة عشان نرفع قضية طلاق. لا، استنى، شكلنا هنقابل بعض في قسم الشرطة الأول، لأن ماما قدمت بلاغ رسمي ضدك بتهمة تزوير أوراق رسمية والنصب والاستيلاء على ممتلكات الغير.
وش طارق اتقلب من الأبيض للرمادي الباهت، وساب رجلي ووقع على ضهره في الأرض، كأنه جثة هامدة وخسر كل ذرة أمل.
رجالة الأمن في ثواني جمعوا كل الشنط والهدوم بتاعة عيلة طارق وراموها برة في الطرق والممر، وطلعوا التلاتة برة الشقة وهم بيعيطوا ويندبوا حظهم الفقر.
سمعت صوت قفلة الباب والمفتاح وهو بيلف، وكأن الباب ده اتقفل على كل الكدب والخيانة والوجع اللي عشته. بصيت للشقة وهي فاضية بس نور الشمس كان داخل مالي المكان وبيدفيه. خدت نفس طويل وعميق من جوا قلبي. العاصفة عدت، ومن النهاردة، أنا وأمي هنبدأ حياة جديدة، نضيفة، ومفيهاش أي خاين.

