الملجأ الاخير 2 بقلم ندى الجمل

البارت الخامس
بعد أقل من خمس دقايق…
دخل ضابط الشرطة ومعاه فردين.
أول ما شاف سيد، قال:
“حضرتك اللي عامل المشكلة؟”
سيد جري عليه بسرعة وقال:
“يا باشا، الست دي خطفت العيال، وأنا جاي آخدهم.”
الضابط بص لآية.
“البطاقـة لو سمحتي.”
طلعت بطاقتها، وبعدها شهادات ميلاد الطفلين.
الضابط راجع البيانات بهدوء.
وبعدين رفع عينه لسيد.
“اسمك مش موجود في أي ورقة.”
سيد ارتبك.
“أصل… أنا جوز جدتهم.”
الضابط قطب حاجبيه.
“يعني لا أب، ولا ولي شرعي.”
سيد سكت.
بصيت للضابط وناولته الملف اللي آية كانت محتفظة بيه.
“اتفضل… حضرتك شوف الأوراق دي.”
فضل يقلب فيها دقيقة كاملة.
وبعدين سأل آية:
“الكلام ده صحيح؟ فيه دعاوى ومحاضر تهديد متحررة قبل كده؟”
هزت رأسها.
“أيوه يا فندم… بس كل مرة كان يختفي قبل ما الشرطة توصله.”
الضابط بص لسيد.
“يبقى هتيجي معانا القسم.”
سيد فقد أعصابه.
“أنا مش رايح في حتة!”
وحاول يزق أحد الأمن ويجري.
لكن أفراد الشرطة مسكوه في ثواني.
وهو خارج، كان بيبص لآية بكره شديد.
“فاكرة إنك كسبتي؟ والله لأندمك.”
سيف حضن رجل أمه وهو بيعيط.
أما سلمى فكانت مستخبية ورايا من غير ما تاخد بالها.
حسيت بإيدها الصغيرة ماسكة طرف الجاكيت بتاعي.
بصيت لها.
قالت بصوت بريء:
“هو الراجل الوحش مش هيرجع تاني؟”
نزلت على ركبتي قدامها.
وبصيت في عينيها.
“طول ما أنا موجود… محدش هيقرب منكم.”
ابتسمت لأول مرة من ساعة ما دخلت الجناح.
أما آية…
فكانت واقفة تبكي في صمت.
بعد ما الشرطة خرجت…
لفت ناحيتي وقالت:
“أنا معرفش أشكرك إزاي.”
قلت بهدوء:
“لسه متشكرنيش.”
استغربت.
“ليه؟”
طلعت موبايلي واتصلت بمدير الموارد البشرية.
“أيوه يا فندم.”
قلت:
“من النهارده الأستاذة آية حسن مش هتشتغل في النظافة.”
هي بصتلي بدهشة.
كملت كلامي:
“انقلوها لوظيفة إدارية تناسب مؤهلها… وخصصوا لها شقة من شقق الشركة لمدة سنة كاملة.”
سكت المدير ثواني.
“حاضر يا فندم.”
آية دموعها نزلت تاني.
“بس أنا…”
قاطعتها بابتسامة.
“أنا لسه ماخلصتش.”
بصيت على الطفلين.
“ومن بكرة… سيف وسلمى هيكون ليهم مكان في أفضل حضانة خاصة، وكل المصاريف على الشركة.”
كانت هتتكلم…
لكن صوتها اختفى من شدة البكاء.
وفي اللحظة دي…
رن موبايلي.
بصيت في الشاشة…
وكان اسم المتصل كفيل إنه يغير كل حاجة من جديد.
“المحقق العام.”
البارت السادس
استأذنت وخرجت للبلكونة وأنا رديت على المكالمة.
“ألو… كريم الجوهري معايا.”
جالي صوت المحقق العام هادي لكنه جاد.
“أستاذ كريم، محتاجين حضرتك في موضوع يخص قض\\ية قديمة… قض\\ية والدتك.”
اتجمدت مكاني.
قض\\ية أمي؟
بعد كل السنين دي؟
أنا كنت فاكر إن الملف اتقفل من زمان.
سألته بقلق:
“فيه إيه؟”
قال:
“ظهر شاهد جديد، وفيه مستندات اتقدمت النهارده. هنحتاج حضرتك تيجي بكرة الصبح.”
قفلت المكالمة وأنا دماغي بتلف.
رجعت لقيت آية قاعدة على طرف الكنبة، وسلمى نامت في حضنها، وسيف بيلعب بالدبدوب على الأرض.
بصوا لي أول ما دخلت.
سألتني آية:
“في حاجة حصلت؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
“شغل.”
لكن الحقيقة…
ماكنتش شغل.
دي كانت جراح قديمة رجعت تتفتح.
في اللحظة دي دخل مدير الفندق بنفسه.
واقف باحترام وقال:
“مساء الخير يا فندم.”
هزيت راسي.
قال وهو متردد:
“في حاجة لازم حضرتك تعرفها.”
“اتفضل.”
“كل الموظفين عرفوا اللي حصل… وكلهم طالبين حاجة واحدة.”
استغربت.
“إيه هي؟”
ابتسم لأول مرة.
“كلهم طالبين إن الأستاذة آية تفضل معانا… لأن محدش شاف منها غير كل خير.”
بصيت لآية.
كانت مصدومة.
واضح إنها ماكنتش متخيلة إن الناس بتحبها بالشكل ده.
قلت لمدير الفندق:
“يبقى اعتبروا القرار اتنفذ.”
ابتسم ومشي.
بعد ما خرج…
سيف قرب مني وهو ماسك الدبدوب.
وقف قدامي وقال:
“هو إنت المدير الكبير؟”
ضحكت.
“تقريبًا.”
مدلي الدبدوب.
“خده.”
استغربت.
“ليه؟”
قال بمنتهى البراءة:
“عشان إنت بتحمي ماما.”
الكلمة دي…
عملت فيا حاجة عمرها ما حصلت.
خدت الدبدوب منه، وربت على شعره.
وقلت:
“لأ… الدبدوب يفضل مع صاحبه.”
ابتسم وضحك لأول مرة.
أما سلمى، ففتحت عينيها وقالت وهي لسه نعسانة:
“إحنا هننام هنا النهارده؟”
بصيت لآية.
كانت محرجة جدًا.
قلت بهدوء:
“لأ.”
قلق ظهر على وش الطفلين.
فكملت بابتسامة:
“هتناموا في جناح أكبر من ده… لحد ما شقتكم تجهز.”
الطفلين سقفوا من الفرحة.
أما آية…
فبصتلي بعين كلها امتنان، وقالت:
“يمكن ربنا بعتنا المكان ده النهارده عشان ننقذ بعض.”
ما رديتش.
لأن لأول مرة من سنين…
حسيت إنها عندها حق.
لكن في صباح اليوم التالي… كانت المفاجأة اللي في انتظار كريم داخل مكتب المحقق، هتقلب حياته كلها، وتكشف سرًا يربط بين والدته الراحلة… وآية، بطريقة مستحيل أي حد يتوقعها
البارت السابع
تاني يوم الصبح…
وصلت مبنى النيابة قبل ميعادي بعشر دقايق.
المحقق كان مستنيني، وأول ما دخلت مكتبه، شاورلي أقعد.
قدامي على المكتب كان فيه ملف قديم، لونه أصفر من الزمن.
بصيتله وسألت:
“ده ملف أمي؟”
هز رأسه.
“أيوه.”
فتح الملف، وطلع صورة قديمة.
أول ما شفتها… قلبي وقف.
كانت أمي.
لابسة يونيفورم شغالة نظافة في فندق.
وواقفة جنبها ست شابة شايلة طفلة صغيرة.
المحقق حط الصورة قدامي وقال:
“تعرف الست دي؟”
دققت فيها كويس.
هزيت رأسي.
“لأ.”
قال بهدوء:
“اسمها… نادية حسن.”
الاسم عدى على ودني عادي.
لكن لما كمل…
اتسمرت في مكاني.
“والدة آية حسن.”
رفعت رأسي بسرعة.
“إيه؟!”
المحقق سحب ورقة تانية.
“من خمسة وعشرين سنة، والدتك كانت شغالة مع والدة آية في نفس الفندق.”
كنت سامع…
لكن عقلي مش قادر يستوعب.
كمل:
“في ليلة حصل حريق كبير في الفندق.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
“وأثناء الحريق… والدتك دخلت تنقذ طفلة صغيرة كانت محبوسة جوه أوضة.”
سألته وأنا مخنوق:
“الطفلة دي…”
بص في الورق وقال:
“كانت آية.”
فضلت ساكت.
مش قادر أتكلم.
المحقق كمل:
“والدتك خرجت بآية سالمة… لكن اتصابت إصابات شديدة فضلت تعاني منها سنين.”
افتكرت…
افتكرت ليالي كتير كنت بشوف أمي فيها بتصحى من النوم وهي بتكح وبتتألم، وكل ما أسألها كانت تبتسم وتقول:
“ولا يهمك يا كريم… دي نزلة برد.”
ماكنتش نزلة برد.
كانت آثار الحريق.
المحقق سلمني خطاب قديم.
“الخطاب ده والدتك كتبته قبل وفاتها.”
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
كان مكتوب فيه:
“يا كريم… لو في يوم قابلت البنت اللي أنقذتها، أوعى تحسسها إنها مدينة لحد. يكفيني إني أنقذت روح بريئة. الخير عمره ما بيضيع، وربنا بيرده في الوقت اللي يختاره.”
الدموع نزلت من غير ما أحس.
قفلت الخطاب وأنا مش قادر أتكلم.
خرجت من النيابة على طول.
وركبت عربيتي.
وأول مكان روحتله…
كان الفندق.
طلعت الجناح.
آية كانت قاعدة بتفطر مع سيف وسلمى.
أول ما شافتني، قامت بسرعة.
لكن أنا كنت ببص لها بطريقة مختلفة.
طريقة أول مرة أفهم بيها…
إن اللي حصل بينا عمره ما كان مجرد صدفة.
مسكت الصورة القديمة، وحطيتها قدامها.
بصتلها ثواني…
وفجأة شهقت.
“دي… دي ماما!”
بصتلها بهدوء.
وأشرت على الست اللي جنبها.
“ودي… أمي.”
اتسعت عيون آية وهي مش مستوعبة.
أما أنا…
فقلت الجملة اللي غيرت حياتنا كلنا:
“من خمسة وعشرين سنة… أمي أنقذت حياتك.”
وسقط فنجان الشاي من إيد آية على الأرض، وهي بتبصلي بصدمة، وتهمس:
“يعني… أنا مدينة لوالدتك بعمري كله؟!”

البارت الثامن
فنجان الشاي اتكسر على الأرض…
لكن ولا أنا ولا آية خدنا بالنا.
كانت ماسكة الصورة بإيديها الاتنين، ودموعها بتنزل في صمت.
فضلت تبص لوش أمها…
وبعدين لوش أمي.
وقالت وهي بتنهار:
“ماما كانت بتحكيلي وأنا صغيرة إن فيه ست أنقذتني من حريق… لكن عمرها ما عرفت اسمها.”
طلعت الخطاب من جيبي وناولته لها.
قرأته كلمة كلمة…
ولما وصلت لآخر سطر، حضنته على صدرها وعيطت.
“أنا عمري ما هقدر أوفي والدتك حقها.”
هزيت رأسي بهدوء.
“لو أمي كانت عايشة، كانت هتزعل لو سمعتك بتقولي كده.”
استغربت.
كملت:
“هي عملت ده لوجه ربنا… وما استنتش مقابل.”
في اللحظة دي…
سلمى شدت هدوم آية.
“ماما… ليه بتعيطي؟”
مسحت دموعها بسرعة، وابتسمت لبنتها.
“دي دموع فرحة يا حبيبتي.”
سيف قرب مني وهو ماسك العربية اللعبة اللي جبتها له الصبح.
وقال:
“هو تيتة بتاعتك كانت شجاعة؟”
ابتسمت رغم الغصة اللي في قلبي.
“أكتر واحدة شجاعة شوفتها في حياتي.”
الولد هز رأسه بإعجاب وقال:
“لما أكبر… هبقى شجاع زيها.”
ضحكت وربت على راسه.
لكن قبل ما أتكلم…
خبط على باب الجناح.
دخل مدير الأمن.
كان وشه متوتر.
“يا فندم… في محامي بره، ومعاه واحدة ست كبيرة، وبيقولوا لازم يقابلوا الأستاذة آية.”
آية اتوترت.
“مين؟”
رد مدير الأمن:
“والدتك.”
سكتت آية لحظة…
وبعدين قالت بصوت مكسور:
“أمي؟”
وافقت إنها تدخل.
بعد دقيقة…
دخلت ست في أواخر الستينات.
أول ما شافت آية، جريت عليها وهي بتعيط.
“سامحيني يا بنتي…”
آية فضلت واقفة مكانها.
الست وقعت على ركبها.
“أنا غلطت… كنت فاكرة إني بحميكي، لكن أنا اللي سلمتك للذئب.”
الجناح كله سكت.
قالت وهي بتبكي:
“أنا بلغت الشرطة بكل حاجة… وجبت كل المستندات اللي تثبت تهديدات سيد ليكي.”
المحامي اللي معاها فتح الشنطة.
طلع تسجيلات صوت…
ورسائل…
وأوراق تثبت إن سيد كان بيخطط يستولى على ميراث الطفلين.
بصيت للمحامي.
“الأدلة دي كفاية.”
ابتسم وقال:
“وأكتر كمان… دي ممكن تخليه يقضي سنين طويلة في السجن.”
آية بصت لأمها.
وقالت بعد صمت طويل:
“أنا مسامحاكي…”
أمها انفجرت في البكاء وحضنتها.
وأنا كنت واقف بعيد…
بتفرج على عيلة بدأت تلم نفسها من جديد.
لكن ماكنتش أعرف…
إن في نفس اللحظة، كان في شخص تاني قاعد في مكتبه، بيبص على صورتي أنا وآية داخل الفندق…
وبيبتسم ابتسامة غامضة.
وقال لمساعده:
“أخيرًا… لقيته.”
يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *