امي نسيت بنتي ع الشاطئ بقلم صافي هاني 2
الخشب المكسور في إيدي كان تقيل، ومساميره الصدية بتجرح كف إيدي، بس الألم ده هو اللي كان مصحيني ومثبت رجلي في الرمل.
منتصر وقف مكانه، الابتسامة المستفزة اللي كانت على وشه اختفت تماماً واتبدلت بملامح غضب جحيمي، وعينيه بدأت تلمع بشر وهو بيبصلي ويبص للخشبة اللي في إيدي. أمي شهقت وحطت إيدها على بقها، مش خوفاً عليا ولا على بنتي، لكن صدمة من إني اتجرأت ووقفت في وشهم ورفعت سلاح.
”إنتي اتهبلتي يا هنا؟!” أمي زعقت وصوتها المرعوب من الفضيحة بدأ يعلى، “نزلي البتاعة دي من إيدك! إنتي عايزة تودينا في داهية؟ خالي الكبير هتمدي إيدك عليه؟”
”ده مش خالي!” صرخت بعلو صوتي والدموع خلاص غطت وشي بس عيني منزلتش من على منتصر، “ده شيطان! ده ديب وإنتوا اللي فاتحين له باب الحظيرة! والله العظيم خطوة كمان وهشق راسه نصين، والي يحصل يحصل!”
منتصر أخد نَفَس طويل، وعدل ياقة قميصه الأسود وبدأ يتحرك بالراحة، نص دايرة، كأنه بيلف حوالين فريسته. صوته رجع هادي بس فحيحه كان زي التعبان: “بقى حتة عيلة زي دي هتقف قدامي؟ إنتي نسيتي نفسك يا هنا؟ نسيتي مين اللي عملكم بني آدمين وصرف عليكم؟ نزلي الخشبة دي بدل ما أدفنك جنبها، والبنت كده كده هترجعلي.. مفيش فار بيهرب من مصيدته.”
في اللحظة دي، سمعت صوت حركة ورايا.. صوت رمل بيتداس بسرعة. لفيت راسي لمحة عين، شفت أبويا!
أبويا اللي كان واقف زي الصنم، أتحرك أخيراً. بس متقهرش لبنته ولا حفيدته.. أتحرك عشان يمسكني من ضهري! مسك كتافي بكل قوته وثبت دراعاتي ورا ضهري وهو بيهمس في ودني بصوت مهزوز ومرعوب: “بس يا بنتي.. بس الفضيحة.. هتموتينا ناقصين عمر؟ سيبيه ياخد البنت والمسألة تتحل وودينا لأي دكتور يداويها.. بس بلاش فضايح!”
”سيبني يا بابا! سيبني حرام عليك! إنت إيه؟ دي عرضك!” كنت بصرخ وبتلوى في إيده زي الذبيحة، الخشبة وقعت من إيدي على الرمل.
منتصر شاف الخشبة وهي بتقع، وشه نور بضحكة انتصار مريضة. بدأ يقرب بخطوات سريعة وواسعة، وعينيه مثبتة على الاتجاه اللي مريم جريت فيه ورا الكشك.
أمي جريت وراه وهي بتقول: “الحقها يا منتصر قبل ما تطلع على الطريق العمومي وحد يشوفها بالمنظر ده!”
الدنيا اسودت في عيني.. أبويا مكتفني من ضهري وبيعيط وبيقرا الفاتحة بصوت واطي كأنه بيغسل ذنبه، وأمي بتشجع المجرم، ومنتصر بيعدي من جنبي وريحته المقززة خبطت في مناخيري وهو رايح يجيب بنتي.. حتة من قلبي.
في اللحظة دي، الغضب جوة قلبي مابقاش غضب بشري، بقى طاقة هدت حيل جسمي كله. افتكرت مريم الصبح وهي بتبوسني.. افتكرت نظرة الرعب اللي في عينيها. لمت كل قوتي، وبحركة مفاجئة ضربت براسي لورا، خبطت جبهتي في مناخير أبويا بكل عزمي.
أبويا صرخ صرخة مكتومة وسابني وهو ماسك وشه والدم بدأ ينزل من مناخيره.
من غير ما أفكر، وطيت على الرمل، ممسكتش الخشبة المرة دي.. إيدي جت على قالب طوب إسمنتي مكسور، تقيل وزي الحجر. شلته بإيدين الاتنين وجريت ورا منتصر اللي كان خلاص قرب يوصل لنهاية حيطة الكشك عشان يلف ورا مريم.
”ياااا منتصر!” زعقت بأعلى صوت عندي.
هو لف وشه بسرعة وبص وراه.. وفي كسر من الثانية، قبل ما يستوعب، كنت وصلت عنده، وبكل غل السنين، وبكل قهر الأمومة، نزلت بقالب الطوب الإسمنتي بكل قوتي على جنبه وراسه.
الضربة عملت صوت مكتوم ومرعب. منتصر طلع منه صوت زي الحشرجة، وعينيه اتسعت من الذهول، وركبه خانته وفقد توازنه ووقع بكامل طوله على الرمل، وبدأ ينهج بصعوبة وهو ماسك دماغه والدم بدأ يسيح من بين صوابعه على الرملة الناعمة.
أمي وقفت في مكانها كأن صاعقة ضربتها، وشها بقى أبيض زي الأموات، وجريت على منتصر وهي بتصرخ: “قتلتيه! قتلت أخويا يا فاجرة! يا مصيبتي السودا.. يا فضيحتنا وسط الناس!”
مبصيتلهاش أصلاً. رميت الحجر من إيدي وجريت ورا الكشك، ودموعي نازلة زي المطر.
أول ما لفيت، لقيت مريم مكمشة نفسها تحت شجرة لبخ قريبة من الطريق، حاطة إيديها على ودانها وبتعيط بانهيار. جريت عليها، شلتها في حضني ورفعتها لفوق، جسمها كان خفيف ودافي، وضميتها لصدري لدرجة كنت هكتم نفسها.
”أنا معاكي يا قلب ماما.. أنا معاكي ومحدش هيلمسك طول ما فيا نَفَس،” كنت بهمس لها وأنا بجري بيها ناحية الطريق العمومي، مشاعري كانت متلخبطة بين الرعب الفظيع والراحة إني أخدت بنتي في حضني.
طلعت على الأسفلت، الهوا الساقع خبط في وشنا، والشاطئ ورايا بقا عبارة عن صراخ أمي وعياط أبويا ونور كشافات عربيتهم اللي بيقطع الضلمة.
وقفت على أول الطريق، رافعة إيدي وبحاول أوقف أي عربية معدية.. تليفوني اللي سيبته ورايا على الرمل مكانش معايا، ومكنتش عارفة هروح فين ولا هعمل إيه، بس كنت عارفة حاجة واحدة.. إني مش هيرجعلي بيت الأهلي ده تاني، وعيلتي من اللحظة دي ماتت.
وفجأة.. عربية شرطة (بوكس) كانت معدية بالصدفة في دورية ليلية، فرملت قدامنا فجأة، وصوت السارينة ضرب في المكان، والأنوار الحمرا والزرقا بدأت تنور وش مريم الخايف.
العسكري نزل بسرعة وهو حاطط إيده على طبنجته وبصلي وبص لمنظر البنت ووشي المتبهدل دم ورمل: “في إيه يا مدام؟ إيه اللي عمل فيكم كده؟”
بصيت للبحر ورايا، وبعدين بصيت للظابط، وأخدت نَفَس طويل لأول مرة من ساعات، وقلت بصوت ثابت طالع من قلب مكسور بس قوي: “جوة على الشاطئ.. في عيلتي.. وفي مجرم جوة أنا خلصت حق بنتي منه بإيدي.. ادخلوا هاتوه.”
الظابط اتسمر مكانه للحظة، وبص ورايا للضلمة الكاحلة اللي مغطية الشاطئ، وبعدين بص لمريم اللي كانت دافنة وشها في رقبتي وبتترعش زي العصفور. ملامح الوش الصارم بتاع الظابط اتهزت، ولمح الكدمات الزرقا اللي على معاصم البنت الصغار والدم اللي مغطي جاكتي من خبطة منتصر.
”يا عسكري! خدهم على العربية فوراً وهات مية للبنت!” الظابط زعق بأمر، وطلع جهازه اللاسلكي وهو بيجري ناحية المدق اللي بيودي للشاطئ ومعاه أمين شرطة وكشافاتهم بتشق العتمة.
العسكري فتحلي باب البوكس الحديدي، ركبت وضميت مريم في حضني، قعدت على الكنبة الساقعة وجسمي كله بدأ يتنفض.. النفَضَة اللي بتيجي بعد ما المعركة تخلص والادرينالين يهدى. مريم مكانتش بتعيط، كانت بتبصلي بعيون واسعة ومرعوبة، وسنانها لسه بتخبط في بعضها.
”خلاص يا قلب ماما.. خلاص يا مريم، إحنا مع البوليس، محدش هيقدر يمس شعرة منك.. ربنا نصرنا يا بنتي.” كنت ببوس راسها ودموعي بتنزل شلالات وتغسل الرمل اللي على وشها.
من شباك البوكس المفتوح، بدأت أسمع الأصوات جاية من الشاطئ.. صراخ أمي العالي والـ “حَيَاني” اللي بتعمله عشان تقلب الترابيزة وتعمل نفسها ضحية، وصوت أبويا وهو بيكلم الظابط بنبرة مرعوبة وبيحاول يداري.
مفيش عشر دقائق، ولقيت الظابط راجع، ووراه الأمين والعسكري ساحبين منتصر.. كان ماشي بالعافية، ركبه سايبة، وحاطط قميصه الأسود على راسه اللي غرقانة دم، ووشه باهت وعينيه مليانة غل وخوف في نفس الوقت. أول ما عينه جت على عربية البوليس وشافني من الشباك، حاول يقف، بس العسكري دزه في ضهره: “امشي يا روح أمك.. قدامي!”
وراهم كانت أمي بتجري وبتشد في هدوم الظابط: “يا بيه والنبى دي خناقة عائلية! بنتي اتجننت وضربت خالها بحجر، البنت كذابة ومحصلش حاجة.. إحنا عيلة محترمة وسيرتنا في البلد..”
الظابط لف ليها وزعق بصوت زلزل المكان: “اسكتي خالص! عيلة محترمة إيه وسيرة إيه؟ البنت الصغيرة متبهدلة وجسمها كله علامات، والراجل ده هيتعرض على النيابة والطب الشرعي بكره، وإنتي وجوزك وبنتك التانية هتيجوا معانا بتهمة التستر والاشتراك في الجريمة!”
أبويا كان واقف وراها، حاطط إيديه على راسه وبيعيط زي العيال الصغيرة، وخديجة أختي خرجت من عربيتهم وهي بتبكي بانهيار وصوتها جايب آخر الطريق بعد ما لقت الكلابشات بتتحط في إيد خالي وفي إيد أبوها وأمها.
أمي بصتلي من ورا شباك البوكس، عينيها كانت بتطق شرار وقالتلي بصوت فحيح مرعب: “خربتي بيتك وفضحتينا يا هنا.. مش هسيبك.. والله ما هسيبك!”
بصيتلها ببرود غريب، برود أول مرة أحسه في حياتي، ومسحت دموعي وقلت لها من ورا السلك: “بيتي اتخرب يوم ما شوفتوا الذئب ده بيقرب من بنتي وسكتوا.. إنتوا مش عيلتي.. أنا عيلتي ماتت والنهاردة دفنتها في الرمل.”
الظابط ركب قدام، والعساكر قفلوا الباب الحديدي بتاع البوكس من ورا بـ “تكة” قوية رنت في ودني زي صوت الحُرية. العربية اتحركت، والسارينة بدأت تصرخ، والأنوار الحمرا والزرقا بتلف على عواميد الطريق الساحلي.
مريم بصتلي، ولأول مرة من ساعات، الرعب اللي في عينيها بدأ يختفي، ومدت إيدها الصغيرة المليانة كدمات ومسحت دمعة من على خدي وقالتلي بصوت دافي: “ماما.. أنا بحبك.. أنتي شجاعة قوي.”
ضميتها لصدري وغمضت عيني، وأنا بستغفر ربنا وبشكره إنه جمد قلبي في اللحظة المناسبة. الطريق قدامي كان طويل، والمحاضر والنيابة والمحاكم لسه هتبدأ، وكلام الناس والشائعات هيحاصروني من كل حتة.. بس كل ده مكانش يفرق معايا. أنا أنقذت بنتي، وقطعت الإيد اللي حاولت تمد على شرفنا، ومن اللحظة دي.. مفيش سر هيدفن تاني، ومفيش خوف هيعيش جوه بيتنا.
