من ١٤ سنه

كانت بدايات الحكاية قبل أربعة عشر عامًا كاملة، حين سكنت في الشقة المقابلة لنا في البناية عائلة هادئة رقيقة الحال، مكونة من أب مكافح يدعى عبد الرحمن وزوجته الفاضلة أميرة، ومعهما طفلان في عمر الزهور؛ ولد صغير يُدعى عمر وكان يبلغ من العمر حينها أربع سنوات، وشقيقته الأصغر سارة التي كانت بالكاد تخطو خطواتها الأولى وتتعلم النطق. كنا جيرانًا بالاسم، ولكننا سرعان ما أصبحنا كالأهل. لم نكن نغلق الأبواب بين الشقتين، وكان أطفالي الصبيان أحمد وكريم وبناتي منى وعلا يجدون في شقة الجيران متسعًا للعب، كما كان عمر وسارة يقضيان نصف يومهما في بيتنا. كانت الحياة هادئة ومستقرة، حتى حلت الفاجعة التي لم تكن في الحسبان. في ليلة شتوية قاسېة، تعرض الأب والأم لحاډث سير مروع أثناء عودتهما من زيارة عائلية في المحافظة المجاورة، وصعدت روحاهما إلى بارئهما معًا، وتركا خلفهما طفلين لا حول لهما ولا قوة. الغريب والمؤلم في آن واحد، أن الأب والأم كانا وحيدين في الدنيا؛ فالولد والبنت لم يكن لهما عم ولا خال ولا خالة، انقطعت شجرتهما العائلية تمامًا ولم يتبقَّ لهما في هذا العالم الواسع سوى جدتهما العجوز لأمهما، امرأة مسنة أضناها المړض والوهن. جاءت الجدة لتسكن معهما في الشقة المقابلة، وحاولت جاهدة أن تمنحهما الرعاية، ولكن جسدها العليل لم يسعفها؛ فقامت على خدمتهما سنة واحدة فقط، كنت خلالها أطبخ لهما وأساعدها في غسيل ثيابهما، ثم توفاها الله هي الأخرى، ليصبح عمر وسارة وحيدين تمامًا في الشقة المقابلة، بلا سند ولا رقيب ولا قريب يتفقد أحوالهما.
في الليلة التي ټوفيت فيها الجدة، جلست مع زوجي أبو أحمد في صالة بيتنا، ونظرنا إلى الشقة المقابلة التي خيم عليها السواد والهدوء الموحش. قلت لزوجي والدموع تملأ عيني يا أبو أحمد، هؤلاء الأطفال أمانة وضعها الله في طريقنا. ليس لهما أحد في الدنيا، وإن تركناهما للملاجئ أو دور الرعاية فسنحاسب عليهما أمام الله. شقتهم ملك لأبيهم، ولهم معاش وتأكيدات مالية تركها والدهم في البنك، ونحن سنكون لهم الأهل. وافقني زوجي دون تردد، وكان رجلاً شهمًا ېخاف الله في كل خطوة. اتخذنا قرارًا حاسمًا من تلك اللحظة أنا وجوزي ربينا الولد والبنت، وما قربناش من فلوسهم اللي أبوهم سايبها. علمناهم وراعينا ربنا فيهم، ووضعنا خطة صارمة لإدارة حياتنا وحياتهم بما يرضي الله ويحفظ كرامتهم. كانت الشقة المقابلة تُفتح بالنهار، نلتقي جميعًا في شقتنا، نأكل ونشرب سوا على مائدة واحدة، وكأننا عائلة واحدة ممتدة. ولأن الحرمة والتربية لها أصولها، فقد انتظرنا حتى كبر الأطفال قليلاً. ولما الولد تم 14 سنة، أخذت خطوة تنظيمية هامة؛ خليت ولادي الصبيان أحمد وكريم يعيشوا مع الولد عمر في شقته اللي قصادي، وأخذت البنت سارة عندي

موقع أيام نيوز

في شقتي تعيش في غرفة واحدة مع بناتي منى وعلا. وبقينا بالنهار ناكل ونشرب سوا، ووقت النوم الشباب في الشقة قصادي مع ابن الجيران، والبنت عندي مع بناتي. هذا التقسيم أضفى على البيتين نوعًا من الأمان والانضباط، فالشباب صاروا ثلاثة أخوة يذاكرون معًا ويحمون بعضهم، والبنات أصبحن ثلاث أخوات يتشاركن الأسرار والأحلام.
السنين عدت بسرعة البرق، وكل سنة تمر كنت بحس إن ربنا بيعوضهم عن اليتم بحب الناس اللي حواليهم. لم يكن جيران البناية أو أهل المنطقة يتعاملون مع عمر وسارة كأيتام مكسوري الجناح، بل فرض أدبهما واحترامهما حب الجميع. وعمرهم ما حسّسونا إنهم ضيوف، ولا إحنا حسّسناهم إنهم مش ولادنا. كانوا أول ناس تصحى معانا في الأعياد، يرتدون الملابس الجديدة التي كنت أشتريها لهم مع أولادي، ويساعدون زوجي في ذبح الأضحية وتوزيعها، وكانوا أول ناس تقف جنبنا في أي مناسبة، سواء كانت فرحًا أو حزنًا. البيت بقى بيتهم قبل ما يكون بيتنا، يدخلون المطبخ، يفتحون الثلاجة، يطلبون ما يشتهون بكل أريحية ودون أدنى خجل، لأنهم نشأوا وهم لا يعرفون أمًا غيري ولا أبًا غير زوجي. كان الولد عمر مؤدب بطريقة تفرح القلب وتدمع لها العين؛ عمره ما رفع صوته في البيت، ولا اتأخر برا البيت من غير ما يقول لي أو يستأذن من زوجي، وكان يعتبر جوزي أبوه في كل كبيرة وصغيرة، يستشيره في دراسته، في أصدقائه، وحتى في أدق تفاصيل حياته الشخصية. أما البنت سارة فكانت قطعة من النور، هادئة وخجولة إلى أقصى حد، تساعدني في البيت وتنظيفه من غير ما أطلب منها، وتقعد تذاكر مع بناتي وكأنهم أخوات من بطن واحدة، لدرجة أن الناس في الخارج كانوا يظنون أن سارة هي ابنتي الثالثة وليست بنت الجيران.
أما فلوس أبوهم… فكانت أمانة ثقيلة قيدت أعناقنا بالورع والخۏف من الله. ولا مرة فكرنا نمد إيدنا عليها أو نأخذ منها قرشًا واحدًا لدرجة أننا لم نفتح الحساب البنكي الذي تركه والدهم لهما. بالعكس، كنا بنصرف عليهم من رزقنا الخاص ومن راتب زوجي، وكل ما احتاجوا حاجة من ملابس أو كتب أو مصاريف دراسة ومستشفيات، كنا نوفرها لهم حتى لو اضطررنا للتقشف في مصاريفنا الخاصة، وفلوسهم زي ما هي محفوظة في البنك تنمو وتكبر مع السنين ليوم ما يكبروا ويستلموها بإيديهم كاملة مكملة دون نقصان. كبروا قدام عينينا خطوة بخطوة، وعامًا بعد عام، وكل يوم كنت أشوف فيهم ثمرة تعب سنين طويلة من السهر والرعاية والتربية، وأقول بيني وبين نفسي وأنا أراقبهم يضحكون مع أولادي الحمد لله… ربنا ما ضيعش تعبنا، وها هما اليتيمان قد صارا ملء السمع والبصر بأخلاق يشار إليها بالبنان. ولما الولد عمر اتخرج من الجامعة بتفوق من كلية الهندسة،

وبدأ يشتغل في شركة استشارات هندسية كبرى براتب محترم، حسيت إن شخصيته بقت مختلفة تمامًا. لم يعد ذلك الطفل الصغير أو المراهق الخجول، بل أصبح رجلًا يافعًا، أكثر هدوءًا ورزانة. ولكنني لاحظت عليه شيئًا غريبًا؛ كان كل ما يدخل البيت عندنا ليسلم عليّ، يبص ناحية أوضة البنات بسرعة وخطڤ، ثم يرجع يبص في الأرض بسرعة وعيناه تتوارى خجلاً. وفي نفس الوقت، لاحظت أن بنتي الكبرى منى كل ما اسم عمر يتجاب قدامها في أي سياق، تبتسم من غير ما تحس، ووجهها يتلون بحمرة الخجل وتلوذ بالصمت.
أنا أم… وعين الأم ما بيضحكش عليها شيء في الدنيا. كنت شايفة نظراتهم المتبادلة المليئة بالاحترام والتقدير، وشايفة الحب العذري النقي الذي نبت بينهما على مر السنين دون أن يدنسه حرف أو موقف خاطئ، لكن ولا واحد فيهم كان قادر ينطق بحرف واحد خوفًا من أن يُفسر ذلك بأنه استغلال للثقة أو خروج عن حدود الأخوة التي عشناها. وفضلت مستنية اللحظة اللي حد فيهم يكسر فيها حاجز الخجل، ويأتي عمر ليتحدث مع زوجي ويطلب يد منى رسميًا، لأنني كنت أرى في عمر زوجًا مثاليًا لابنتي، فهو ابننا الذي ربيناه ونعرف أصله وفصله ومعدنه النقي. لكن اللي حصل بعدها… عمره ما كان يخطر على بالي أبدًا، وخلى حياتنا كلها تاخد اتجاه تاني تمامًا، وصدمنا صدمة زلزلت أركان البيتين وأعادت ترتيب كل الأوراق من جديد.
في مساء يوم خميس، عاد عمر من عمله متأخرًا وعلى غير عادته لم يأتِ ليتناول العشاء معنا. صعد مباشرة إلى شقته المقابلة. شعرت بنغزة في قلبي، فأرسلت ابني أحمد ليتفقده. بعد دقائق، عاد أحمد ووجهه شاحب وقال بصوت مرتجف أمي، عمر يجمع ملابسه وأغراضه في حقائب كبيرة، ويقول إنه سينقل للعيش في شقة أخرى استأجرها قريبة من عمله، ويريد أن يتحدث معكِ ومع أبي الآن. نزل الخبر علينا كالصاعقة. أسرعنا أنا وزوجي إلى الشقة المقابلة، فوجدنا عمر يقف وسط الصالة وحوله حقائبه، وعيناه حمراوان من أثر البكاء المكتوم. الټفت إلينا وسقط على ركبتيه يقبل يد زوجي ويدي وهو يبكي بحړقة قائلًا سامحوني يا أمي، سامحني يا أبي… أنا ممتن لكم طوال عمري، ولكنني لا أستطيع البقاء هنا أكثر من ذلك. لقد كبرت، وحان الوقت لأتحمل مسؤولية نفسي وسارة، وسآخذ سارة معي إلى شقتي الجديدة. لقد قمت بسحب جزء من أموال أبي المحفوظة في البنك لأدفع مقدم الشقة وتجهيزها. شعرت بالدنيا تدور بي، ونظرت إلى زوجي الذي كان يقف مذهولاً لا يفهم سبب هذا القرار المفاجئ والهروب غير المبرر من البيت الذي احتضنه لسنوات.
وقبل أن ينطق زوجي بحرف، دخلت ابنتي منى إلى الشقة وهي تبكي پهستيريا، وفي يدها دفتر صغير مذكرات سقط من حقيبة
عمر دون أن ينتبه. صړخت منى وهي تنظر لعمر لماذا تفعل هذا يا عمر؟ لماذا تهرب وتتهمني في شرفي وأخلاقي؟. هنا تدخل زوجي بحسم وأخذ الدفتر وقرأ ما فيه بصوت مرتفع. كانت الصدمة الكبرى؛ تبين أن هناك أحد الأشخاص الحاقدين من الجيران، وهو رجل سيئ السمعة كان يطمع في شراء شقة عمر بأبخس الأثمان ولم نتمكن من ذلك، قام بملء رأس عمر بالأكاذيب والسمۏم. قال لعمر إن أهل المنطقة يتحدثون عن وجوده في البيت وعن نظراته لمنى، وأن الناس يقولون إنني وزوجي ربيناه طمعًا في أموال والده وسعيًا لتزويجه من ابنتنا منى حتى نضع أيدينا على ثروته كاملة، وأن مشاعر منى نحوه هي مشاعر مصطنعة بتوجيه مني للسيطرة عليه. عمر، بنقائه المعهود وخوفه الشديد على سمعة ابنتي منى، ولأنه لم يرد أن يقال يومًا إنه كان عبئًا أو أننا طمعنا فيه، صدق تلك الكلمات المسمۏمة وقرر الټضحية بحبه وسعادته والرحيل بعيدًا ليحمي سمعة ابنتنا ويثبت للجميع أنه ليس طامعًا ولا نحن بطامعين.
تنفس زوجي الصعداء، واقترب من عمر ورفعه من على الأرض وضمھ إلى صدره بقوة وهو يبكي قائلًا يا بني، لعڼ الله الشيطان ولعڼ الله ألسنة السوء. هل تشك في حبنا لك؟ هل تظن أننا بعد أربعة عشر عامًا من التربية والسهر ننتظر كلامًا من جاهل ليفرق بيننا؟ إن أموال والدك لم نلمس منها قرشًا واحدًا، والحساب البنكي شهد اليوم فقط أول عملية سحب منك أنت. أما عن منى… فوالله يا عمر، لو طفنا الأرض شرقًا وغربًا لن نجد لمنى زوجًا أفضل ولا أكرم منك، وأنا اليوم أطلب منك أن تتقدم لخطبتها علنًا أمام كل هؤلاء الحاقدين، لتخرس ألسنتهم بالحق والشرع. انهمرت دموع الفرح من عيون الجميع، وعاد عمر وحقائبه إلى بيته وشقته، وتمت خطبته على منى في حفل بهيج شهده كل أهل المنطقة الذين علموا بنبل أخلاق هذه العائلة وبطلان أكاذيب الحاقدين. وتحولت تلك الصدمة التي كادت أن تهد البيتين، إلى أقوى رابط جمع بيننا، لتثبت الأيام أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وأن اليتيمين اللذين رعيناهما لوجه الله، صارا هما السند والفرحة الكبرى التي أضاءت خريف عمرنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *