اختى 2 بقلم امانى سيد

مسكت إيد ابني وبصيت لأمي وأبويا نظرة أخيرة، نظرة واحدة لخصت كل الخذلان والوجع اللي في قلبي. مكنتش محتاجة أسمع منهم كلمة زيادة تكسرني. أخدت الشنطة في إيدي التانية وفتحت الباب وخرجت، وأمي بتنادي ورايا بقلة حيلة: “رايحة فين يا مجنونة في نص الليل؟” م رديتش عليها، ونزلت السلم وأنا باخد عهد على نفسي إن رجلي مش هتعتب المكان ده تاني.
خرجت للشارع والهوا البارد بيخبط في وشي، قعدت على الرصيف وضمت ابني لحضني وأنا بحاول أجمع شتات نفسي. مكنش ينفع أضعف، ابني ملوش ذنب يشوفني مكسورة. افتكرت إن معايا قرشين كنت شايلاهم للزمن من ورا جوزي، مكنوش كتير بس يسندوني. أخدت تاكسي وروحت على بنسيون بسيط على قد إيدي، دخلت الأوضة وقعدت على السرير وأنا ببص للسقف وبفكر.. من بكرة هتبدأ حياتي الجديدة، حياة مفيهاش مكان للضعف ولا للطيبه الزيادة اللي ضيعتني.
من النجمة نزلت ولفيت لحد ما لقيت شقة صغيرة إيجار قديم في منطقة هادية وبعيدة تماماً عنهم. شقة على المحارة ومحتاجة توضيب، بس كانت بالنسبة لي هي الأمان، الحصن اللي هبني جواه نفسي من جديد بعيد عن سم أختي وظلم أهل جوزي وخذلان أهلي.
بدأت أتحرك في كل اتجاه؛ أنا معايا شهادتي وتعلّيمي، والكسرة اللي في قلبي تحولت لطاقة وغلبا صبّيتها كلها في الشغل. قدمت في كذا مكان لحد ما ربنا كرمني واشتغلت في مدرسة خاصة براتب معقول، وبقيت أرجع من المدرسة أدي دروس خصوصية لحد ما رجلي متشلنيش. كل قرش كان بيدخل، كنت بجرّي بيه حالي وأوضب بيه شقتي حتة حتة، وأجيب لابني لقمته وهدمته الغالية عشان ميبقاش قليل وسط الناس.
اعتزلت الدنيا كلها، غيرت خطوط تليفوناتي، ومسحت كل صفحة بتفكرني بماضيّ. كنت بنام أربع ساعات في اليوم، وباقي اليوم شقى وتعب وبُنا في مستقبلي ومستقبل ابني. كل ما أحس بالتعب، بفتكر نظرة الشماتة في عين أختي والباب اللي اترزع في وشي، فـ قوتي تزيد وأقوم أكمل.
مرت الشهور، وشقتي كملت وبقت جنة صغيرة تشهد على تعبي، وابني دخل الحضانة وبقى ينطق واسمي بيكبر في شغلي والكل بيحلف بشطارتي وأدبي. بقيت واقفة على رجلي، قوية، مادية ومعنوياً، ومبقتش محتاجة لـ صلة دم مغشوشة ولا لـ راجل رماني في لحظة عشان كلام حية. بنيت نفسي من الصفر، وخلقت من الانكسار ده حيطة سد مفيش بشر يقدر يهدها تاني.
في المقابل، جوة بيت طليقي، أختي افتكرت إنها لما تخلص مني الدنيا هتصفي لها وتبقى هي الملكة المتوجة. بس الحقيقة إن اللي فيه طبع مبيغيروش، والشر اللي جواها كان لازم يتدلق على أي حد.
أول ما أختي اتجوزت طليقي وقعدت في الشقة، وبقت هي السلفة والضرة في نفس الوقت، بدأت عينها تروح على الضحية الجاية.. “سلفتي الكبيرة”.
الحلف القديم اللي كان معمول عليا عشان يطردوني، اتهد في ثواني. أختي لقت إن سلفتي الكبيرة هي اللي ليها كلمة المسموعة في البيت بعد حماتي، وده مكنش عاجبها. بدأت المؤامرات تشتغل من تاني، بس المرة دي السكاكين كلها كانت متوجهة لسلفتي.
أختي بقت تقعد مع حماتي وتغير كلامها القديم؛ تقلبها على سلفتي الكبيرة وتقولها: “شفتي يا ماما؟ لميا (سلفتي) بتتحكم في البيت إزاي؟ دي دايماً تقول إنك كبرتي ومبقتيش قادرة تديري حاجة، وعايزة تاخد مفاتيح المخزن وكل حاجة تحت إيدها!”
وفي نفس الوقت، تروح لسلفتي الكبيرة وتقولها: “والله يا لميا أنا خايفة عليكِ، حماتي دايماً بتقول إنك مابتنضفيش كويس وباصة في لقمة العيلة، وبتسخن جوزك عليكِ.”
البيت بعد ما كان هادي وملموم عليا وعلى ظلمي، اتقلب لساحة حرب ومؤامرات مابتنتهيش. أختي بقت زي الشيطان اللي بيمشي بين الشقق يبخ السم ويزرع الشك. طليقي رجع من شغله في يوم لقى البيت قايد نار؛ خناقة شوارع بين أختي وسلفتي الكبيرة، وحماتي واقفة في النص بتصوت وتدعي على اليوم اللي دخلت فيه أختي البيت.
أختي وقفت في وسط الصالة، وبمنتهى الجبروت وبنفس الوش الخبيث، زعقت فيهم كلهم وقالت: “البيت ده ميبقاش فيه ستين كلمة! أنا المرة دي مش هسكت، ويا أنا يا سلفتي في البيت ده!” طليقي بقى واقف محتار، الهم ركبه من كتر المشاكل والدوشة، وبقى يبص لأختي وهو مش مصدق إن دي البنت الدلوعة الغلبانة اللي طرد مراته وأم ابنه عشانها. البيت كله اتقلب لـ بركان مشاكل ومؤامرات، ومبقاش فيه دقيقة واحدة أمان ولا راحة بسببها
أختي مكنش بيكفيها إنها تكسب جولة، كان لازم تهد المعبد كله على اللي فيه. بعد ما خلت البيت بركان مشاكل، وبقت توقع بين طليقي وأخوه الكبير، وتصنع مؤامرات يومية مع حماتي وسلفتي، طليقي بدأ يفوق. صحي على كابوس حقيقي، لقى نفسه متجوز حية مابتشبعش من الخناق والنكد والمؤامرات، وبقى يقارن بين أيامنا زمان، بين هدوئي وطيبتي وتحملي لأهله، وبين الجحيم اللي عايش فيه دلوقتي.
الندم أكل قلبه، وبقى يدور عليا في كل مكان عشان يشوف ابنه سيف، ويحاول يوصل لي بأي طريقة بعد ما غيرت أرقامي ومسحت كل خيط يربطني بيه.
وفي يوم، وأنا خارجة من المدرسة اللي بشتغل فيها وماسكة إيد ابني سيف، لقيت عربية بتقف قدامنا، ونزل منها هو.. طليقي.
شكلة كان تعبان، الهم باين على وشه، والكسرة مالت كتافه. أول ما سيف شافه جري عليه، وهو حِضنه بلهفة ودموعه نزلت. أنا وقفت مكاني، ملامحي جامدة، ومفيش في قلبي غير برود تام.
قرب مني وعينيه مليانة رجاء وقال بصوت مخنوق: “أنا بقالي شهور بقلب الدنيا عليكِ يا أم سيف.. وحشتيني ووحشني ابني. حقك عليا، أنا كنت أعمى والغشاوة كانت على عيني.”
بصيت له بكل ثقة وقولت بنبرة هادية: “عايز إيه يا أبو سيف؟ اللي بيني وبينك انتهى من يوم ما رميتني أنا وابنك في الشارع بالليل عشان ترضي أختي وأهلك.”
مسك إيدي بلهفة وقال: “أنا مستعد أصلح كل حاجة.. أنا عرفت حقيقتها، وعرفت إنها حرباية وخربت البيت ووقعتني مع طوب الأرض. أنا هطلق أختك فوراً، هرميها برا البيت زي ما عملت فيكِ، بس ارجعي لي.. ارجعي ندمان وببوس رجلك تسامحيني ونرجع نفتح بيتنا من جديد، والبيت كله هيبقى تحت أمرك!”

سحبت إيدي من إيده بمنتهى القوة والبرود، وبصيت له بنظرة خلت جسمه يتفض من كتر القسوة اللي فيها. ضحكت ضحكة صفرا مليانة وجع وقديمة، وقولتله بنبرة هزت طوله:
“أرجعلك؟ أنت أكيد اتجننت! البيت اللي اترميت برا بابه في نص الليل بالهدوم اللي عليا، ميرجعلوش رجلين واحدة هانم زيي. أنت فاكرني لسه الست الضعيفة الغلبانة اللي كنت بتشتمها وتهينها وتكسر بخاطرها عشان ترضي أختك وأهلك؟ لاء يا أبو سيف.. أم سيف اللي كنت تستقوى عليها ماتت، واللي واقفة قدامك دي واحدة تانية خالص، واحدة بنت نفسها من الصفر ومبقتش شيفاك أصلاً!”
دموعه نزلت وبقى يتذلل ويقول: “والله كنت أعمى.. أختك هي اللي لفت حبلها عليا وهي اللي وزتني، إحنا ملناش غير بعض يا بنت الناس عشان خاطر ابننا سيف.”
قربت منه خطوة، وعيني كانت بتطلع شرار وأنا بفكره بكل الأذى اللي عيشهوني وقولتله: “ابننا؟ دلوقتي بقيت تفتكر سيف؟ نسيت يوم ما كنت بتسيب أختي تقعد جمبك في العزومات وتتمسكن وتقولك أنت سندي وأنت أبو ابني، وأنت مصدقها وعايش دور البطل؟ أنت فضّلت الغريب على القريب! وفضّلت ابن أخوك على ابنك صلبك! طردت ابنك اللي من لحمك ودمك ورميته في الشارع في ضلمة الليل عشان خاطر ابن أخوك اللي أمه كانت بتتمسكن بيك وبتاخدك مني!”
وطيت على ودنه وكملت وفحيح صوتي يرعب: “نسيت كلامك ليا؟ نسيت لما كنت بتقولي (إذا كانت اختى بتقول إنك مش كويسة والكل مش طايقك أنا أطيقك إزاي)؟ أهو ربنا لف الدايرة، وورّاك مين فينا اللي طوب الأرض مش طايقها ولا طايق ريحتها! أختك الحرباية اللي فضلتها عليا، هي اللي بتشربك المر دلوقتي، والبيت اللي طردتني منه بقى جهنم الحمرا عليك.”
رجع خطوتين لورا وهو مكسور ومش قادر يحط عينه في عيني، قولتله وأنا باخد سيف في حضني وبمشي: “طلقها.. أولعوا في بعض.. ارميها في الشارع أو خلوها تاكل فيكم، مابقاش يخصني. أنا اشتريت نفسي واعتزلتكم كلكم، والراجل اللي هانت عليه مراته وابنه عشان كلام حية، ميلزمنيش حتى لو جالي زاحف على ركبه.”
سيبته واقف في نص الشارع مذهول، يبكي على حاله وعلى النعمة اللي ضاعت من إيده، ومشيت وأنا راسي في السماء، وعارفة إن حقي جالي تالت ومتلت من غير ما أوسخ إيدي بيهم.
ركبت التاكسي وأنا ضامة سيف لحضني، وببص من الشباك على خياله وهو بيصغر ويبعد في المراية، لحد ما اختفى تماماً. حسيت بنَفَس طويل بيخرج من صدري، كأن جبل كان كاتم على نفسي وسقط في الشارع ورايا. سيف بصلي ببراءة وقال: “ماما، هو بابا كان بيعيط ليه؟” بست راسه وقولتله: “مفيش يا حبيبي، بابا بس كان زعلان، نام أنت وارتاح.”
دخلت شقتي، جنّتي الصغيرة اللي بنيتها بعرقي وشقايا. قعدت على السرير وبقيت أفكر في عدالة ربنا اللي ملهاش حدود. سبحان من أمهلهم لحد ما كشفوا بعض، وخلى الحلف اللي اتجمع على طردي ياكل في بعضه زي النار لما تخلص الحطب.
بعد الأسبوع ده، بدأت الأخبار تجيلي من بعيد لبعيد عن طريق ناس معارف قدام، رغم إني مكنتش بسأل، بس سيرتهم بقت على كل لسان في المنطقة هناك. طليقي لما رجع البيت مكسور من رفضي ليه، ومغلول من العيشة اللي عايشها، مبقاش طايق يبص في وش أختي. المواجهات بينهم زادت، وبقى كل ما يشوفها يفتكر الخراب اللي حطته في بيته، ويفتكر ابنه صلبة اللي رماه في الشارع بسببها.
وفي يوم، البيت هناك قاد نار من تاني، بس المرة دي كانت القشة اللي قسمت ضهر البعير. أختي قعدت تطالب بحقوقها وبأنها لازم تمشي كلامها على الكل، وطليقي مابقاش فيه حيل يتحمل. في وسط الزعيق والخناق، طليقي مسكها من إيدها وبكل غل السنتين اللي عاشهم في جحيم، طردها برة الشقة ورمى وراها هدومها وابنها، ونطق عليها اليمين قدام حماتي وسلفتي الكبيرة اللي كانوا واقفين يتفرجوا عليها بشماتة، بنفس الطريقة واللقطة اللي عملوها فيا زمان. الدايرة لفت بالملي، واللي سقتني منه، شربت منه لحد ما غصت.
أختي ملقتش ملجأ غير بيت أهلي، راحت لهم مكسورة ومطرودة، بس المرة دي مكنش معاها الضحكة الصفرا ولا الدلع اللي كانت بتثبتهم بيه. راحت لهم وهي شايلة لقب “مطلقة وارمله ومعاها طفل يتيم، وخربت بيت أختها الكبيرة وعيلتها. أمي وأبويا صحيوا على الكابوس الحقيقي وعرفوا إن الدلوعة اللي كانوا دايماً شايلينها على كفوف الراحة وبيرموا عليا البلا عشانها، هي الحية اللي قرصت الكل ومبقتش نافعة في حتة.
أما أنا.. فـ متبصتش ورايا ولا للحظة. كملت في طريقي، اسمي بيكبر في مدرستي، وحياتي هادية ومستقرة. ابني بيكبر قدام عيني في بيئة نضيفة مفيهاش حقد ولا مؤامرات. كل ما بفتكر المشوار، بحمد ربنا على الكسرة اللي قوتني، وعلى الشارع اللي رمتوني فيه، عشان لولا النزلة دي، مكنتش هعرف أقوم وأقف على رجلي وأبقى الهانم اللي أنا عليها النهاردة.
**النهاية**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *