سابو جدتى اللى عندها الزهايمر قدام باب بيتى

سابوا جدتي اللي عندها ألزهايمر قدام باب بيتي وقالولي خلاص بقت مسؤوليتك إنتِ. وبينما كانوا ماشيين بعربيتهم وبيطلعوا أعذار، قعدتها وفتحت الشنطة القديمة بتاعتها وبصيت على اللي جواها من غير ما أتكلم… لحد ما همست برقم خزنة في البنك محدش كان يتوقع يسمعه.
اهي جدتك. إحنا تعبنا من رعايتها. يلا بقى اعملي أي حاجة مفيدة في حياتك لأول مرة.
وقفت منى متجمدة مكانها عند باب شقتها في حي النزهة، شعرها لسه مبلول والروب اللي لابساه بالعافية مقفول عليها. قدامها كانت قاعدة جدتها، نظيرة، على كرسي قابل للطي، كأنها هم محدش عايزه.
كانت لابسة بلوفر قديم، وجيبة عليها بقع قهوة، وشبشب فردتين مش شبه بعض.
وراها، خالها سيد ماكلفش نفسه حتى يطفي العربية. ومراته عبير كانت ماسكة الموبايل بإيد، وبتعدل النضارة الشمسية بالإيد التانية، كأن اللي مكسوفة منه مش الست الكبيرة، لكن إنها ضيعت وقتها وجت لحد هنا.
سألت منى وهي حاسة إن نفسها مخنوق
إنتوا عملتوا فيها إيه؟
رد سيد
ولا حاجة. هي كبرت وخرفت. بتتوه، وتصرخ، وتكسر الحاجات. إحنا بعنا بيتها لأن بقى مستحيل نقدر نهتم بيه. فبلاش تعملي نفسك الضحية.
اتسعت عيون منى
إنتوا بعتوا بيت جدتي؟
ضحكت عبير ضحكة كلها سخرية
يا بنتي بقا بطلى دراما .ده ع اساس أنك كنتي بتساعدي بحاجة أصلاً. هي مضت على الورق، وده كل اللي يهم. وبعدين مش إنتِ كنتي حفيدتها المفضلة طول عمرها؟ أهو خدتي الجايزة بتاعتك.
رفعت نظيرة عينيها وهي تايهة وسألت
يا حبيبتي… إحنا روحنا البيت؟
في اللحظة دي، حاجة جوا منى اتكسرت.
كانت نفسها تصرخ، أو تكلم الشرطة، أو تمنعهم يمشوا. لكن جدتها كانت بترتعش زي طفل خايف.
قالت منى
مينفعش تسيبوها كده.
رد سيد ببرود
طبعاً

ينفع. ومتتعبيش نفسك وتدوري علينا. إحنا عندنا حياتنا يا منى. أما إنتِ، فلا عندك جوز ولا عيال، وعندك وقت كتير فاضي.
العربية اتحركت ومشيت قبل ما تلحق ترد.
شنطة نظيرة القديمة كانت مرمية جنب البوابة، نصها مفتوح، وجواها هدوم متسخة، وأدوية ناقصة، وصورة قديمة ليها وهي صغيرة.
الأيام الأولى كانت كابوس صامت.
نظيرة كانت بتصحى نص الليل تصرخ وتقول إن حد بيحاول يسرق حلقها. وبعدها بدقايق تعيط لأنها مش لاقية جوزها، اللي كان متوفي من اتناشر سنة.
أوقات كانت تعرف منى وتمسك إيديها بقوة.
وأوقات تانية كانت تبعدها عنها بخوف وتسأل مين اللي جابها المكان ده.
منى كانت بتشتغل من البيت وبتعمل حلويات وتورتات بالطلب. بالعافية كانت بتكسب اللي يكفي الإيجار والكهربا والأكل.
ومع كده، بدأت تشتري حفاضات للكبار، ومكملات غذائية، وأدوية، وكشاكيل صغيرة كانت بتكتب فيها كل تغير في حالتها، وكل جملة غريبة تقولها، وكل لحظة صفا ذهني قصيرة بتمر بيها.
وفي يوم وهي بتأكلها شوربة فراخ بالرز، بصتلها في عينيها مباشرة.
لأول مرة من أيام، كانت نظرتها صافية.
همست نظيرة
إنتِ عمرك ما حبستيني في الأوضة دي.
حطت منى المعلقة وسألت بسرعة
مين اللي حبسِك هناك يا تيتة؟
رمشت نظيره كأن الذكرى بتضيع منها تاني.
وقالت بصوت واطي
اللي بيبتسموا أحلى ابتسامة… بيعرفوا يسرقوا برضه… المفتاح فى ضهر البراواز المكسور.. خمسة… تمانية… اتنين… واحد…
وبعدين رجعت تبص للحيطة قدامها بشرود، كأنها ضاعت تاني.
في نفس الليلة، وصلت لمنى رسالة من خالها
متدخليش محامين في الموضوع. إنتِ مش فاهمة إنتِ داخلة على إيه.
ساعتها بس أدركت إنهم ما سابوش جدتها ومشوا وبس.
هم كانوا خايفين…
خايفين إنها تفتكر حاجة.
ولما نظيرة همست وهي بترتعش تحت البطانية
الخزنة 5821… المكان اللي الجرس فيه بيغني…
عرفت منى إنها على وشك تكتشف سر محدش كان ممكن يصدقه.
إنت لو كنت مكان منى، كنت هتسكت عشان تتجنب المشاكل؟ ولا كنت هتقف قدام العيلة كلها عشان تدافع عن جدة الكل تخلى عنها؟
الرسالة كانت واقفة قدام عيناي منى على شاشة الموبايل زي حجر ثقيل، مكتوبة بخط سريع ومش منظم، وكأن اللي كتبها كان خايف حد يشوفه وهو بيكتب متدخليش محامين في الموضوع. إنتِ مش فاهمة إنتِ داخلة على إيه.
قفلت الشاشة ببطء، وبصيت لجدتها اللي كانت نايمة جنبي على السرير الصغير اللي نزلته لها في الصالة، شعرها الأبيض مبعثر على الوسادة، وشفايفها بتتحرك بصوت خافت كأنها بتكلم حد مش موجود. كنت عايزة أصرخ، أسألها كل حاجة من أول وجديد، لكن عرفت إن اللحظة الصافية دي ممكن تختفي في أي لحظة، وإن كلمة زيادة ممكن تضيعها مني لشهور تانية.
قمت من مكاني بهدوء، رحت للمطبخ، وشربت كوب ماء بارد، لكن الحرقان في بطني ما راحش. كنت عارفة إن خالي سيد ومراته عبير مش خايفين من إن جدتي تطلب تعويض عن البيت اللي باعوه غصب عنها لا، ده كان مجرد غطاء. هم خايفين من حاجة أكبر، حاجة كانت مخبية جواها، حاجة لسه ما سمعهاش غيري.
رجعت للشنطة القديمة اللي كانت مرمية جنب الباب من يوم ما جابوها، اللي ما كملتش فتحها من ساعتها خوفاً من أجد حاجة توجع قلبي. قعدتها على الأرض، وبدأت أفرغ محتوياتها واحدة واحدة ببطء، كأن كل قطعة جواها ممكن تكون مفتاح لسر عمره ما كان يطلع.
كان فيها ملابس قديمة لجدتي، مغسولة ومطوية بعناية لكن ريحتها قديمة وممزوجة برائحة الدواء؛ علبة أدوية ناقصة منها النص، ومكتوب عليها أسماء ما عرفتش معناها؛ صورة قديمة جداً ليها ولجدي عبد الحليم، وهم واقفين قدام بيت صغير من الطوب الأحمر، ابتسامة جدتي فيها أوسع وأجمل من أي ابتسامة شفتها عليها في السنين الأخيرة؛ وبعدين، في القاع، وجدت دفتر صغير بغلاف جلدي بني، حوافه مكسرة ومبقعة ببقع سوداء ما عرفتش إيه هي.
فتحت الدفتر بحرص، ووجدت إنها كانت بتكتب فيه بخط يديها الدقيق المنظم، من زمن ما كانت عقلها صافي، من عشرات السنين. الصفحات الأولى كانت كلام عادي تسجيل لمواعيد الزراعة في الحديقة بتاعة البيت، أسعار الخضار، مواليد الأقارب، وفاة أبوها. لكن لما وصلت لصفحات من سنة ٢٠١٢، السنة اللي مات فيها جدي، الكلام اتغير، صار أصغر، وأكثر تردداً، وبين كل سطر والتاني فراغات كبيرة كأنها كانت بتخاف تكتبه.
عبد الحليم قال لي قبل ما يموت ما تثقش في حد غيرك. حتى لو كان لحمك ودمك. اللي بيجي وراء الفلوس بيبص ليك عدو، مهما كنتِ قريبة منه.
سيد جالي النهاردة، قال لي عايز يساعدني في أمور البنك. قلت له مش محتاجة، عبد الحليم ساب لي كل حاجة مرتبة. ضحك وقال لي يا تيتة إنتِ مش عارفة تتعاملي مع الناس دول. قلت له أنا عشت معاهم أكتر من عمرك كله.
عبير بتقول لي كل يوم البيت ده كبير عليكِ، كله تعب ومصاريف، بيعيه واقعدي معانا في الشقة الجديدة. قلت لها البيت ده مش مجرد حيطان. قالت لي والفلوس اللي جواه مش بتاكل ولا بتشرب.
عبد الحليم خبأ حاجة لما كان شغال في التجارة زمان، قال لي إنها مش لنا وحدنا، إنها للي يستحقها، وإن نحفظها لحد ما يجي وقتها. المفتاح في ضهر البراواز المكسور. الرقم خمسة تمانية اتنين واحد. الخزنة في البنك القديم بشارع المعز.
وقفت القراءة هنا، وقلبي كان بيدق لدرجة كنت حاسة إن الحيطان بتسمعه. البنك القديم بشارع المعز ده كان البنك اللي كان
لمحة نيوز

جدي شغال معاه من أول ما بدأ تجارته، البنك اللي اتقفل من سنين طويلة، وكل اللي جواه انتقل لفرع تاني في وسط البلد.
وبينما كنت قاعدة أفكر، سمعت صوت من ورايا
عبد الحليم كان بيحب الشارع ده… كان بيقول إن الحجارة هناك بتعرف تحفظ الأسرار.
التفت بسرعة، ولقيت جدتي واقفة ورايا بملاءة النوم، وشعرها منكوش، لكن عينيها كانت صافية زي ما كانت قبل كده، ومش فيها أي شرود. قمت بسرعة وساعدتها تقعد، ومسكت إيدها اللي كانت بترتعش قليلاً
تيته… إنتِ عارفة إيه اللي في الخزنة؟
ضحكت ضحكة خافتة حزينة، ومسحت دمعة نزلت على خدها
عارفة يا بنتي. وعبد الحليم كان عارف إن يوم ما هحتاجها هتكوني إنتِ اللي تاخديها. هو ما كان بيحب سيد ولا عبير، كان شايف فيهم الطمع اللي ما يخلص. قال لي لو جاء يوم وتخلي عنك الكل، افتكري إن الحق مش بيموت، مهما طال الزمن.
سألتها بسرعة
ولماذا ما قلتليش من زمان؟ لماذا ما قلت لحد؟
لأنهم كانوا بيراقبوني يا منى. كانوا بيجوا يفتشوا الشنطة والدراويش لما كنت نايمة. كانوا بيسألوني كل يوم عن ورق قديم، عن حاجة عبد الحليم سابها. لو عرفوا بالخزنة، كانوا قتلوني عشان ياخدوها. وكنت خايفة عليكِ منهم، خايفة يأذوكِ.
كلامها كان بيمر علي زي الصواعق. كنت دايماً بحس إن خالي كان عنده حاجة غريبة، إن ابتسامته مش حقيقية، لكن ما توقعتش إنه يوصل لدرجة إنه يخاف من جدته لدرجة إنه يسيبها قدام بابي ويمشي، وإن وراء كل ده سر خطير كده.
في الصباح، قررت ما أسكتش. رحت لفرع البنك الجديد اللي انتقلت له ملفات القديم، ومعايا بطاقة جدتي، وورق إثبات القرابة، وكل ما قدرت أجمعه من أوراق تثبت إنها الوريثة الشرعية لجدي.
الموظف الكبير في البنك، راجع اسمه كمال، بص لي بدهشة لما قلت له رقم الخزنة
ده رقم خزنة عبد الحليم المنشاوي، صحيح؟ والست نظيرة هي زوجته؟
نعم، هي. وعندي كل الأوراق اللي تثبت الكلام ده.
سألني بحرص
وعيلة سيد المنشاوي ما جوش يسألوا عنها؟ هم جالوا هنا قبل كده بأسبوع، قالوا إن الست مريضة ومش عارفة تتصرف، وإنهم هم الورثة الوحيدين.
قلت له بثبات
هم باعوا بيتها غصب عنها، وسابوها قدام باب شقتي ومشوا. والست لسه على قيد الحياة، وعقلها سليم في أوقات كتير، وهي اللي أرسلتني لكم.
بعد ما تأكد من الأوراق، وقعنا على الإجراءات، وقررنا نفتح الخزنة في اليوم التالي، بوجود شاهد ومحامٍ من البنك عشان نضمن الحقوق كلها.
لما رجعت للبيت، لقيت خالي سيد واقف قدام الباب، وعبير جنبه، ووشهم أحمر من الغضب. أول ما شافوني، صرخ بصوت عالي سمعه الجيران
إنتِ مجنونة يا منى؟ قلتلك متدخليش في ما يخصك! عايزة تدمري نفسك ولا إيه؟
رديت عليه بهدوء، من غير ما أرفع صوتي
ده يخصني أكتر من أي حاجة يا سيد. ده يخص جدتي، وده يخص حق جدي اللي انتوا بتحاولوا تسرقوه.
ضحك عبير بضحكة سخرية زي ما كانت بتضحك أول يوم
حق؟ إيه الحق اللي بتتكلمي عنه يا بنت؟ ده كلو كلام خرفانة مريضة! ما تخلينا نعيش في سلام بقى!
السلام ما بيجيش بسرقة حق الغير، ولا بتخلي ست عاجزة في الشارع عشان تخلصوا منها.
كانت الجيران بتطلع من شققها وتشوف، وكل واحد بيسأل إيه اللي بيحصل، وبعضهم كان يعرف جدتي من زمان، ويعرف كيف كانت طيبة، وكيف كان سيد ما بيزورهاش إلا لما كان عايز فلوس. لما شافوا الحال، بدأوا يقولوا لخالي كلام زي يا سيد اتق الله في امك! كيف تسيبها كده؟ الست كانت طيبة معاكم طول عمرها!
سيد شاف إن الكل ضده، فمسك عبير من إيدها ومشى، وقبل ما يصعد العربية، بص لي بنظرة مليئة بالتهديد
شوف يا منى، إنتِ اخترتي الطريق ده. ولما تندمي، مش هلاقي حد يساعدك.
قفلت الباب ورايا، ورحت لجدتي اللي كانت واقفة خلف الباب بتسمع كل حاجة، مسكت إيدها وقلت لها
متخافيش يا تيتة. أنا معاكِ، والحق هيرجع لمكانه.

الجزء الثاني ما كان في الخزنة
في اليوم التالي، رحت للبنك ومعايا جدتي، وطلبنا نكون في غرفة مغلقة عشان نفتح الخزنة. المحامي والموظف كمال كانوا معانا، وكل حاجة كانت مسجلة وموثقة.
لما فتحوا الخزنة، لقينا جواها حقيبة جلدية صغيرة، ومجموعة من الأوراق المربوطة بشريط قماشي، ورسالة مغلقة مكتوب عليها اسمي أنا.
أول شيء أخذت الرسالة، وفتحتها، ووجدت خط جدي واضح وقوي
إلى حفيدتي منى،
لو أنتِ اللي بتقرأ الكلام ده، فده معناه إنني كنت محق فيكِ، وإنك الوحيدة اللي ما تخليت عن أمك نظيرة، وإنك الوحيدة اللي تستحق تعرف الحقيقة كلها.
أنا ما سبتش فلوس كتير ولا ذهب، زي ما كان سيد بيظن طول عمره. اللي جوا الخزنة ده حق مش لي ولا ليكِ، ده حق ناس ضاعوا حقهم زمان، وأنا تعهدت لهم أرجعه لورثتهم.
زمان، كنت شغال مع شريكي القديم رمضان، وكان عنده بنت وحيدة اسمها سمية، كان بيحبها أكتر من روحه. في سنة ١٩٩١، تعرضنا لغش كبير من تاجر طماع، وخسرنا كل فلوسنا، واضطر رمضان يسافر لخارج البلد عشان يجمع فلوس ويرد الحقوق، لكن تعرض لحادث ومات، وما رجعش تاني.
قبل ما يسافر، ساب لي كل ما يملك، وقلت له إني هحفظه لسمية لحد ما تكبر. لكن بعد ما مات، ما عرفتش أوصل لها، لأنها سافرت مع خالتها لمدينة تانية، واختفت أثرها.
كل ما كان معاه سجلته باسمها، وحطيت كل الأوراق والشيكات والملكيات في الخزنة دي، وقلت لزوجتي نظيرة إنها تفضل تحفظ الرقم، وإنها ما تديهش لحد غير منى، لأنني كنت عارف إن سيد هيطمع في الفلوس وينكر حق سمية.
الفلوس دي كتير، تكفي لتبني حياة كريمة لسمية أو لورثتها، وتبني مشروعات خير للناس المحتاجة. وأنتِ يا منى، أثق فيكِ تصلين لحقها، وتكوني أمينة على الأمانة دي زي ما كنت أتمنى من كل واحد في العيلة يكون أمين.
سامحني لو كنت حملتك عبء ثقيل، لكن الدنيا ما بتبقاش طيبة إلا لو كل واحد رد الحق لصاحبه.
جدك عبد الحليم المنشاوي.
دموعي نزلت وأنا بقرأ الكلام، وبصيت لجدتي اللي كانت بتبكي بصمت، وقالت لي
عبد الحليم كان راجل شريف يا بنتي. ما كان يرضى ياخد درهم مش حقه. وكل السنين دي كان بيبحث عن سمية، لكن ما لقيهاش.
بعدين فتحت الأوراق التانية، ووجدت فيها ملكيات لقطع أراضي، وشيكات بمبالغ كبيرة، وسجلات تثبت أن كل ما كان جواها ملك لرمضان ولبنته سمية، وحتى صور قديمة لسمية وهي صغيرة، وورق بعنوان خالتها القديم.
خرجنا من البنك، وقلبي ممتلئ بالعجب والفخر لجدي، وممتلئ بالحزن للي صار لرمضان ولبنته. كنت عارفة إن المهمة مش سهلة، إن البحث عن شخص اختفي عشرات السنين مش هينفع بسرعة، لكن كنت عارفة إنني لازم أكمل، مهما كان الثمن.
لما وصلنا للبيت، وجدنا رسالة تانية تحت الباب، مكتوبة بخط سيد، ومليئة بالتهديد
عرفت كل حاجة يا منى. ده مش فلوسك، ومش فلوس عيلتك. لو ما ترجعيش وتقولي إنك ما عرفتيش حاجة، هتكوني مسؤولة عن كل حاجة تحصل لكِ ولجدتك. الفلوس دي لازم تكون لنا، إحنا

ولاد العم اللي لنا حق فيها.
جدتي قرت الرسالة، وارتجفت، لكنها مسكت إيدي وقالت
ما تخافيش يا بنتي. عبد الحليم كان معانا، والحق معانا. واللي بيدور على مال الغير بيتعب في الآخرة قبل الدنيا.
بدأت البحث عن سمية من العنوان اللي كان مكتوب في الأوراق، وطلبت مساعدة من أهل الخير، ومن الأشخاص اللي كانوا يعرفوا رمضان زمان، وحتى من موظفين البلديات والشرطة عشان أتأكد من العناوين والملفات. ومرت الأسابيع، والبحث كان صعب، وكنت كل يوم أجد أملاً ويفوت، لحد ما جاني خبر من راجل عجوز كان صديق لرمضان، قال لي إن سمية كانت تعيش في مدينة المنصورة، وإنها تزوجت وسكنت هناك، وإن عندها بنت اسمها سلوى.
سافرت للمنصورة في اليوم التالي، ومعايا كل الأوراق، ووجدت بيت سمية بسهولة. لما فتحت الباب، شفت ست في نفس عمري تقريباً، بتبص لي بدهشة، وقالت لي
أهلاً يا بنتي، تفضلي. إنتِ مين؟
قلت لها
اسمي منى المنشاوي. وجيتك من طرف عبد الحليم المنشاوي، صديق والدك رمضان.
لما سمعت اسم والدها، عيونها ملأت دموع، وسحبتني لجوا البيت، وقالت لي
بابا مات وأنا صغيرة، وما عرفتش عنه حاجة غير إنه كان مسافر ليرد الحقوق للناس. وبابا عبد الحليم؟ كان دايماً بيقول لي إن فيه راجل شريف بيحفظ لنا حقنا.
جلست معاها، وقلت لها كل الحكاية من أولها لآخرها، وريتها الأوراق والملكيات، وقلت لها إن كل ده ملكها وحدها. كانت تبكي طول الوقت، وقالت لي
كنت محتاجة الفلوس دي كتير يا منى. بنتي سلوى مريضة بمرض نادر، ومحتاجة لعلاج غالي جداً، وما كان معانا قدرة ندفع التكاليف. وكل ما كنت بدعي ربنا يفرجها، ما كنتش عارفة إن الفرج جاي من طريق كده.
في الأيام التالية، ساعدتها في استلام كل ما هو ملكها، ودفعت تكاليف العلاج لبناتها، وحتى خصصت جزء من الفلوس لبناء مستوصف خيري في المنطقة اللي كانت عايشة فيها، تكريماً لوالدها ولجدتي ولجدي.

الجزء الثالث العودة للحق
لما سمع سيد بكل اللي حصل، غضبه وصل لأقصاه، وجاء مع عبير وعيلته كلهم لبيت سمية، وبدأوا يصرخوا ويقولوا إن لهم نصيب في الفلوس، وإنني سرقت حقهم، وإن الحكاية دي مش صحيحة.
كانت الجيران بتتجمع حولهم، وسمية كانت عايزة تضيع وتخاف، لكن مسكت إيدها وقلت لها
متخافيش، الحق واضح، والكل شاف الأوراق والشهادات.
طلبت منهم نروح لمكتب المحامي مع بعض، وعرضت عليهم كل الأدلة شهادات الأصدقاء، أوراق البنك، سجلات الملكية، وحتى شهادة الموظف كمال والمحامي اللي كان معانا في البنك. وقلت لهم بصرامة
جدتي ما سبتلكم حاجة؟ البيت اللي باعوه بفلوسها؟ ده كله حقكم لو كان الحق معاكم، لكن الفلوس دي مش لنا، دي أمانة، وكل واحد ياخد حقه فقط.
سيد وعبير كانوا واضحين إنهم خسروا، وإن ما عندهمش أي دليل يدعم كلامهم، وبدأت نظرات الناس تتغير لهم، وكل واحد كان بيقول لهم عارفينكم طماعين! كيف تطلبوا حق مش لكم؟ راجل شريف حفظ الأمانة عشرات السنين، وانتوا بتجوا تطلبوا مال الغير؟
في النهاية، سيد خجل من نفسه، واختفى نظرة الطمع من عينيه، وقال بصوت منخفض مليء بالندم
سامحيني يا منى. وسامحيني يا تيتة. كنت عمياني من الطمع، ونسيت إن العيلة لازم تكون مع بعض، وإن الحق أسمى من كل حاجة.
بعدين راح لجدتي اللي كانت جالسة جنبي، وقبل إيدها، ودموعه نزلت
سامحيني يا تيتة اللي تخليت عنك. كنت غلطان، ومش عارف كيف أتعوضك.
جدتي مسحت دموعه بإيدها اللي كانت بترتعش، وابتسمت
السماح من الله يا بني. المهم إنك رجعت لصوابك، وإنك عرفت إن الفلوس ما تسوى شيء بلا شرف ولا عيلة.
بعد كده، قررت سيد وعبير يبيعوا الشقة اللي اشتروها بفلوس بيت جدتي، ويردوا الجزء الأكبر منها لجدتي، وقالوا لها
ده حقك، وإن شاء الله نعوضك عن كل ما صار لك.
جدتي قبلت الفلوس، لكنها قالت
الفلوس دي مش مهمة. المهم إنكم رجعتوا ليا، وإننا رجعنا عيلة واحدة تاني. وهستخدم الفلوس دي نكمل بناء المستوصف، ونساعد المحتاجين، ونعوض عن كل ما فات.

الجزء الرابع الحكاية ما انتهتش
مرت شهور، وحالة جدتي تحسنت كتير. لما شافت إن العيلة اتجمعت تاني، وإن الحق رجع لمكانه، بدأت اللحظات الصافية تزيد، وبدأت تروح وتيجي معانا، وتحكي لنا حكايات زمان، وكيف كانت الدنيا أحلى لما كان الناس بتثق في بعض.
سيد وعبير بدأوا يعملوا خير، وساعدوا في إدارة المستوصف، وبدأت عبير تتعلم من جدتي كيف تطبخ الحلويات زي ما كانت بتعملها، وحتى ساعدوني في تطوير مشروعي للحلويات، واشترينا محل صغير باسمنا كلنا حلويات نظيرة ومنى.
وكانت سلوى بنت سمية تتعالج وتتحسن كل يوم، وبدأت تمشي وتلعب، وكانت كل ما تشوف جدتي تجري لها وتقول لها تيته نظيرة، وكأنها عرفت إنها جدة للكل.
في يوم من الأيام، كنت قاعدة مع جدتي في حديقة المستوصف اللي بنيناها، وبصيت للناس اللي بيجوا ويجوا، وكيف كانوا بيشكروا لنا، وقلت لها
تيته، لو كنت سكت من أول يوم، ما كنتش وصلنا لهنا، وما كنتش عرفنا الحقيقة كلها.
ابتسمت ومسكت إيدي
أحياناً الصمت بيكون خيانة يا بنتي. خيانة لنفسك، وللي بيحبوك، وللحق اللي لازم يظهر. عبد الحليم كان عارف إنك هتكوني قوية كده، وإنك هتقفي في وجه العاصفة عشان الحق. والدنيا ما بتبقاش جميلة إلا لو كل واحد بيقف مع الحق، مهما كان الثمن.
وبعدين همست بصوت خافت
وعبد الحليم كان بيقول كمان الخير اللي تعمله النهاردة، بيجيلك بعد سنين من حيث ما تتوقعش.
وبالفعل، الخير اللي عملته، والصدق اللي كنت أمشيه، رجع لي بأكتر مما كنت أتمنى. رجعت لي العيلة اللي كنت فاقدتها، ورجعت لي السكينة اللي ما كنت حاسة بيها، وعرفت إن مهما كان الطريق صعب، ومهما كان الكل ضدك، لو كنت مع الحق، فالله معاك، والحق لازم يظهر في النهاية.
وحتى اليوم، ما زلت أحتفظ بالدفتر القديم بتاع جدتي، وبالرسالة اللي كتبها جدي، وأقرأهم كل فترة، عشان ما أنسش أبداً إن العيلة مش بالدم بس، إنها بالوفاء والصدق، وإن الأمانة هي أغلى ما يملكه الإنسان، وإنك مهما حاولت تسرق حق الغير أو تدفن الحقيقة، فالخزنة بتاعتها مهما طالت السنين، لسه بتفتح، والرقم بتاعها لسه بيتقال، والحق لسه بيرجع لمكانه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *