بعد ساعتين بس من جنازة بنتي

بعد ساعتين بس من جنازة بنتي، تليفوني رن. الدكتور بتاعها قالي بصوت واطي تعالي مكتبي حالًا… ومتقوليش لحد، خصوصًا جوز بنتك. لما وصلت، قفل الباب وشغّل تسجيل بصوت بنتي وهي بتستنجد بيه، بينما جوزها بيهددها.
بعد ساعتين من جنازة بنتي…
المېتة لقت طريقة تتكلم.
كنت لسه لابسة الأسود لما الدكتور حازم كمال كلمني.
كان صوته واطي جدًا.
تعالي مكتبي لوحدك… ومتقوليش لحد، خصوصًا كريم.
كريم… جوز بنتي.
في الچنازة، كان عامل دور الزوج المكلوم بإتقان. الدموع نازلة من عينيه، وإيده على قلبه، وماسك إيدي قدام الناس والكاميرات اللي كانت بتصور كل لحظة.
وقال قدام الكل
هفضل طول عمري أوفي ذكرى دنيا.
وللحظة…
كدت أصدقه.
لما وصلت مكتب الدكتور، لقيت كل الستاير مقفولة.
استناني لحد ما دخلت، قفل الباب بالمفتاح، وركّب فلاشة صغيرة في الكمبيوتر، وبعدها شغّل تسجيل صوتي من آخر زيارة لبنتي عنده.
وفجأة…
سمعت صوت كريم.
لو قولتي لأمك أي حاجة… هخليها تشوفك وإنتِ بتخسري كل حاجة قبل ما ټموتي.
وبعدها جه صوت دنيا…
كان بيرتعش.
إنت غيرتلي العلاج… إنت بتحاول تخليني مش مركزة.
رد عليها ببرود
إنتِ أصلًا محدش بقى مصدق إنك مستقرة… الكل هيصدقني أنا.
بعدها سمعنا صوت كرسي بيتحرك پعنف.
وبعدين…
شهقة دنيا.
وسكت التسجيل.
الدكتور كان وشه شاحب.
وقال
هي كانت مخبية جهاز تسجيل صغير في شنطتها. وقالتلي إن كريم بقى بيتحكم في علاجها، وبيضغط عليها عشان تمضي على أوراق. وقبل ما ألحق أبلغ عن أي حاجة…
سكت لحظة…
…ماټت.
التقرير الرسمي قال إن دنيا ماټت بسبب أزمة قلبية مفاجئة ناتجة عن مرض ماكانش متشخص.
أما كريم…
فأصر إنها تتحرق فورًا، وقال إن دي كانت آخر وصية ليها.
لكن…
ماكنتش.
نسخت التسجيل على فلاشة مشفرة، وحطيتها في جيب المعطف.
الدكتور بصلي وقال بهدوء
لازم تروحي الشرطة.
هزيت راسي.
هروح.
بصلي باستغراب.
إنتِ هادية بشكل غريب.
بصيتله وقلت
بقالي اتنين وتلاتين سنة بحاكم مجرمين كانوا بيفتكروا إن الهدوء معناه ضعف.
ساعتها…
ملامحه اتغيرت.
كريم كان طول السنين بيقول للناس إني موظفة معاش، كنت شغالة سكرتيرة في مدرسة.
وأنا ودنيا…
سبناه يصدق كده.
لأن الحقيقة كانت مختلفة.
أنا كنت وكيلة نيابة اتحادية متخصصة في قضايا الچرائم المالية.
شغلانة جابتلي شهرة، وأعداء، ومشاكل كتير.
ولما تقاعدت…
كل اللي كنت عايزاه هو حياة هادية.
لكن كريم…
فهم هدوئي على إنه عجز.
خرجت من المكتب، والمطر كان مغطي موقف العربيات بطبقة فضية.
في اللحظة دي…
تليفوني رن برسالة من كريم.
محتاجك تيجي بيت دنيا بكرة. فيه ورق خاص بالميراث لازم يتوقع. ياريت متصعبيش الأمور.
ابتسمت.
وأول مكالمة عملتها كانت ل فؤاد… محاسب قانوني وخبير مالي، اشتغل معايا قبل كده في أكبر قضية ڼصب مالي عدت عليا.
رد قبل ما الرنة تكمل.
أستاذة نادية؟
قلتله
محتاجة مساعدتك.
سألني
إمتى؟
كنت واقفة أبص للمطر وهو بينزل على إزاز العربية.
وقلت بهدوء
قبل ما الشمس تطلع.
وبعدها…
اتصلت بالطبيب الشرعي في المحافظة… زميل قديم، ولسه مدين لدنيا بمعروف كبير بعد ما كانت اتبرعت پالدم وأنقذت قريب ليه في وقت أزمة.
وآخر مكالمة…
كانت لكريم.
وكان صوته…
مبسوط بشكل مستفز.
قال بصوت كله تصنع
إزيك يا ماما؟ عاملة إيه؟
قلتله بهدوء، وأنا بكذب عليه

بعد ساعتين بس منبعد ساعتين بس من جنازة بنتي

لأول مرة
لقيت ملف تركة دنيا اللي كان مختفي… هجيبه معايا بكرة.
سكت…
جزء من الثانية بس.
لكن السكتة دي كانت كفاية.
وبعدين قال
كويس… وتعالي لوحدك.
ابتسمت وأنا باصة للضلمة قدامي.
في اللحظة دي…
الحزن رجع خطوة لورا.
وساب مكانه لحاجة أبرد…
وأهدى…
وأخطر بكتير.
وقلتله بكل هدوء
طبعًا.
الساعة عشرة تاني يوم الصبح…
كريم فتح باب بيت دنيا.
كان لابس بدلة فحمية أنيقة، وفي إيده ساعة أبوها.
بصلي من فوق لتحت وقال
شكلك مرهقة جدًا.
بصيتله بهدوء وقلت
أنا دفنت بنتي امبارح.
رد بكل برود
ودلوقتي جه وقت نهتم بالحاجات العملية.
دخلت.
لقيت محاميين قاعدين مستنيين جنب كومة أوراق.
وأخو كريم، رامي، كان قاعد جنب الدفاية، وماسك كوباية من ويسكي دنيا كأنه في بيته.
أما على الترابيزة…
فكان فيه عقد نقل ملكية بيدي كريم السيطرة الكاملة على المؤسسة الخيرية بتاعة دنيا، ومحفظتها الاستثمارية، وكمان بيت البحيرة اللي كانت ورثاه عن أبوها.
كريم خبط بإصبعه على مكان الإمضا وقال
دنيا كانت مخلّياني المستفيد الوحيد، فالأوراق دي مجرد إجراءات عشان منضيعش وقت.
حطيت ملف التركة الفاضي على الترابيزة.
وبصيتله وسألته
فين الوصية الأصلية؟
ابتسامته اتغيرت، وبقت ناشفة.
وقال
مش لازم تعرفي كل حاجة.
واحد من المحاميين ماقدرش يبصلي في عيني.
أما التاني، الأستاذ زكريا، زق ناحيتي ورقة تنازل، بتخليني أتنازل عن حقي في الاعتراض على التركة.
كريم قرب مني وقال بصوت واطي
امضي يا أستاذة نادية… دنيا ماټت، فبلاش تحرجي نفسك وتتصرفي كأن لسه ليكي أي كلمة في الموضوع.
رامي ضحك بصوت عالي.
مسكت القلم…
ورفعته…
وبعدين وقعته من إيدي عمد.
وأول ما كريم انحنى عشان يجيب القلم…
دست على زرار جهاز التسجيل اللي كان مخبيه جوه كم الجاكيت.
بصيتله وقلت
إنت استعجلت جدًا في إجراءات حړق جثمان دنيا.
رد من غير ما يرفع عينه
دنيا كانت پتكره الجنازات.
قلت بهدوء
بس كانت پتكره الڼار أكتر.
فكه اتشنج للحظة.
المحامي زكريا قاطعنا وقال
يا أستاذة نادية… الحزن أوقات بيخلي الإنسان يفتكر حاجات مش حقيقية.
بصيتله وقلت
زي ما الأوراق المزورة بتخلي الناس تصدق حاجات مش حقيقية.
الصمت نزل على المكان كله.
كريم كان أول واحد استعاد هدوءه.
وبصلي وقال بصوت واطي
خلي بالك من كلامك.
ثبت عيني في عينه وقلت
دنيا مضت على الأوراق دي… قبل ولا بعد ما غيرتلها علاج القلب؟
وش كريم فضل ثابت…
لكن صباعه بدأ يفرك في ساعة أبو دنيا اللي كان لابسها.
وقال ببرود
إنتِ مشوشة… ومش فاهمة إنتِ بتقولي إيه.
ابتسمت بسخرية وقلت
واضح إن التشويش ده بيجري في العيلة.
كريم بص للمحاميين وقال
سيبونا لوحدنا.
خرجوا الاتنين.
وأول ما الباب اتقفل بالمفتاح…
القناع وقع.
بصلي بعين كلها ڠضب وقال من بين سنانه
إنتِ معندكيش أي فكرة دنيا كانت معيشاني إزاي. كانت هتفضحني… وتدمر مستقبلي… وتسيبني من غير أي حاجة.
قلت بهدوء
عشان كده خوفتها لحد ما خضعت ليك؟
رد ببرود
أنا كنت بحافظ على اللي يخصني.
بصيتله وسألته
ولما بطلت تتعاون معاك؟
قرب مني خطوة، وقال بصوت مليان ټهديد
الستات الكبيرة بتقع…
وذاكرتها بتضعف…
وبيوتها ممكن تتحرق في أي لحظة.
امضي على التنازل.
أهو…
الټهديد.
والدافع.
والغرور.
كلهم ظهروا في دقيقة واحدة.
مسكت القلم…
ومضيت.
كريم أخد نفس طويل…
وابتسم.
لكن اللي ماكنش يعرفه…
إن الورقة اللي مضيت عليها كانت متبدلة

من الليلة اللي فاتت بنسخة مطابقة في الشكل، لكنها نسخة إثبات أعدها مكتبي القديم.
واللي ماكنش يعرفه كمان…
إن فؤاد كان قدر يتتبع سبعة ملايين دولار خرجوا من المؤسسة الخيرية بتاعة دنيا، واتحولوا لشركات وهمية بيسيطر عليها كريم وأخوّه رامي.
واللي ماكنش يعرفه…
إن الطبيب الشرعي كان استخرج أمر من المحكمة قبل تنفيذ إجراءات حړق جثمان دنيا.
وتحليل عينات الډم أثبت وجود تفاعل دوائي خطېر، سببه أدوية اتصرفت من خلال رقم طبيب مزور.
واللي كان يعرفه أقل من أي حاجة…
إن الأستاذ زكريا كلمني قبل الفجر.
اعترف إن كريم أجبره يجهز الوصية المزورة، ووافق يتعاون معانا مقابل الحماية القانونية.
وأثناء ما كريم كان بيصب الشمبانيا، احتفالًا إنه فاكر إني استسلمت…
دخل زكريا تاني.
وحط موبايله مقلوب على الترابيزة جنب الأوراق.
كان فيه ضوء أخضر صغير بينور.
إشارة إن كل كلمة بتتقال جوه الأوضة كانت بتتوصل مباشرة للمحققين.
رفع كريم الكوباية وقال بابتسامة واسعة
نخب البداية الجديدة.
رفعت كوباية العصير بتاعتي وقلت بهدوء
نخب العواقب.
فرحة كريم…
مكملتش غير حداشر دقيقة.
بعدها…
حد خبط على الباب.
بص باستغراب وقال
إنتِ معزمة حد؟
ابتسمت وقلت
لأ…
إنت اللي معزمهم.
الباب اتفتح.
ودخل أفراد من الجهات المختصة الأول.
وراهم رجال المباحث.
وبعدهم الطبيب الشرعي.
رامي وقعت الكوباية من إيده.
أما زكريا…
فبعد بهدوء عن الترابيزة.
كريم بص لكل الوجوه قدامه وقال بعصبية
إيه ده؟ إحنا في اجتماع خاص بالتركة.
أحد المسؤولين حط أمر الضبط على الترابيزة، جنب كوباية الشمبانيا، وقال بصوت حازم
كريم…
أنت خاضع للتحقيق في قضايا تتعلق بالاحتيال المالي، واختلاس الأموال، وتزوير مستندات، وټهديد الشهود، والاشتباه في التسبب في ۏفاة دنيا.
كريم لف ناحيتي.
ولأول مرة…
فهم.
وقال بصوت مخڼوق
إنتِ سجلتِ كلامي…
ابتسمت وبصيتله في عينه وقلت
لأ…
دنيا هي اللي سجلتلك الأول.
وصلت فلاشة الدكتور حازم كمال بالتلفزيون.
وفجأة…
صوت بنتي مالي الأوضة.
كان صوتها كله خوف…
وبعده جه صوت كريم وهو بيهددها.
رامي همس وهو مصډوم
إنت قولت مفيش أي دليل.
كريم اندفع ناحية التلفزيون عشان ياخد الفلاشة.
لكن اتنين من أفراد القوة مسكوه، وخبطوه على الترابيزة.
الأوراق اتناثرت تحت وشه.
فضل يزعق
ده ميثبتش أي حاجة! هي أصلًا كانت مش مستقرة!
الطبيب الشرعي فتح تقرير مختوم وقال
نتائج التحاليل أثبتت إن في ډم المجني عليها كان فيه تفاعل قاټل بين علاجها الأساسي وبين مهدئ تم صرفه باستخدام بيانات طبيب مسروقة. وكاميرات الصيدلية أثبتت إن أخوك، رامي، هو اللي استلمه.
وش رامي اصفر فجأة.
أما كريم…
فلف ناحيته بسرعة وقال
إوعى تفتح بُقك.
رد المسؤول بهدوء
متأخر…
النصيحة دي بقت متأخرة.
في اللحظة دي…
دخل فؤاد وهو شايل صندوق مليان ملفات.
بدأ يطلع كشف التحويلات البنكية واحد ورا التاني.
كلها بتربط الفلوس اللي اتسرقت من المؤسسة الخيرية بتاعة دنيا بشركات كريم.
وكمان بتبرعات سياسية…
وشقة كان شاريها لعشيقته.
الخۏف اللي كان في عيون رامي…
اتحول لڠضب.
وبص لكريم وهو بيزعق
إنت قولت إن دنيا مضت على كل حاجة!
كريم فقد أعصابه لأول مرة، وصړخ فيه
كان المفروض تمضي!
سكت المكان كله…
في اللحظة اللي كريم استوعب فيها هو اعترف بإيه.
قربت منه خطوة.
لدرجة إنه شاف إن إيديا ثابتة تمامًا.
وقلتله بهدوء
دنيا

وثقت فيك.
ودافعت عنك حتى وأنا كنت شايفة الكدمات اللي كانت مستخبية ورا ثقتها، والتناقض في كلامها، والخۏف اللي كان مستخبي ورا كل ابتسامة.
عزلتها عن الناس…
ولعبت في علاجها…
وسړقت فلوسها…
وكانت خطتك إن الكل يصدق إن مۏتها كان طبيعي.
بصلي بعين كلها كراهية وقال
فاكرة إن ده هيرجعهالك؟
هزيت راسي وقلت
لأ…
بس هيمنعك تعملها في حد تاني.
قوات الأمن كبلت رامي.
أما كريم…
فقاوم بكل قوته، لحد ما ثبتوا إيديه ورا ضهره.
وأثناء ما كانوا خارجين بيه…
لف ناحيتي وهو بيزعق
ھتموتي لوحدك!
بصيتله بثبات وقلت
أهون ألف مرة…
من إني أدفن جنب وحش زيك.
بعدها…
سلّم الأستاذ زكريا الوصية المزورة، والإيميلات، والتسجيلات كلها.
ورجعت التركة تتنفذ حسب الوصية الأصلية بتاعة دنيا.
واتجمدت كل الفلوس اللي كانت متسرقة.
أما الست اللي كريم كان على علاقة بيها…
فوافقت تتعاون مع جهات التحقيق أول ما عرفت إن الفلوس اللي كان واعدها بيها أصلًا مش ملكه.
بعد تسع شهور…
اعترف كريم بالتهم المالية الموجهة ليه.
وبعدها…
المحكمة أدانته في قضية قتل دنيا.
أما رامي…
فاتحكم عليه بسبع سنين سجن پتهمة التآمر والچرائم المالية.
وزكريا…
اتسحب منه ترخيص المحاماة، لكنه نجا من السچن بعد ما تعاون مع التحقيق.
أما أنا…
فاستخدمت الفلوس اللي رجعت أعمل بيها مركز دنيا.
مكان بيوفر محامين، وأطباء، وسكن طارئ لكل ست بتتعرض للعڼف.
وفي أول ذكرى لۏفاة دنيا…
كنت واقفة في الحديقة اللي اتزرعت باسمها.
الهوا كان بيحرك الورد حواليّا.
وقف جنبي الدكتور حازم كمال.
وبصلي وسألني
حسيتي بالسلام أخيرًا؟
حطيت إيدي على جهاز التسجيل اللي لسه محتفظة بيه في جيبي.
وقلت بهدوء
مش سلام…
هدف.
وبعدين…
باب المركز اتفتح.
ودخلت ستات كتير…
أول مرة يدخلوا مكان من غير خوف.
في عيونهم كان فيه ۏجع…
لكن كان فيه أمل كمان.
كل واحدة فيهم كانت جاية وهي فاكرة إنها لوحدها.
لكن أول ما عدت الباب…
عرفت إن فيه حد هيصدقها.
حد هيسمعها.
وحد هيقف جنبها.
ابتسمت وأنا ببص عليهم.
وساعتها…
حسيت إن دنيا لسه موجودة.
مش في صورة…
ولا في ذكرى…
لكن في كل ست هتلاقي فرصة تبدأ من جديد.
لأن في الآخر…
العدالة مش بترجع اللي راح.
لكن تقدر تمنع إن نفس المأساة تتكرر مع حد تاني.
وده…
كان أعظم انتصار ممكن تهدينيه بنتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *