زواج في سن ال 47 ج4
انجى الخطيب
قعدت على الكنبة والألبوم في حضني، وبقيت أقلب في الصور واحدة واحدة.
كل صورة كنت ببص فيها أكتر من مرة، يمكن ألاقي حاجة فاتتني.
لقيت صور من فرحه الأول… وبعدها صور مع ناس في شغل قديم… وبعدها صورة في افتتاح محل.
وفي كل مجموعة صور، كان فيه نفس الوجوه بتتكرر.
الراجل اللي قال إنه كان شريكه.
والست اللي قابلتها في الكافيه.
ورجل كبير كنت شوفته واقف معاهم في صورة الفرح.
يبقى الناس دي كانت تعرف بعض من زمان… لكن ليه كل واحد فيهم بيحكي حكاية مختلفة؟
وأنا بقفل الألبوم، وقعت منه ورقة صغيرة مطوية.
فتحتها.
لقيتها فاتورة قديمة من محل دهب، بتاريخ يرجع قبل جوازنا بحوالي شهر.
المبلغ كان كبير جدًا.
استغربت.
إزاي راجل بيقول إنه ظروفه المادية كانت صعبة وقت ما اتقدملي، يكون قبلها بشهر مشتري دهب بالمبلغ ده؟
فضلت أبص في الفاتورة وأنا مستغربة.
في اللحظة دي دخل هو الصالة.
أول ما شاف الفاتورة في إيدي، جري تقريبًا وخطفها مني.
قال بعصبية: “إنتي بتفتشي في حاجتي ليه؟”
قلت بهدوء: “أنا مكنتش بفتش… الورقة وقعت من الألبوم.”
بص للفاتورة، وطواها بسرعة وحطها في جيبه.
قلت: “هو مش إنت اللي قولتلي وقت الجواز إنك معندكش فلوس تغير حتى الأثاث؟”
رد بسرعة: “دي فاتورة قديمة ملهاش أي لازمة.”
قلت: “قديمة… بس بتاريخ قبل جوازنا بشهر.”
سكت.
قلت وأنا ببص في عينه: “الدهب ده كان لمين؟”
رد بعد ثواني: “موضوع شخصي.”
قلت: “ولما كان شخصي… ليه قلتلي إنك معاكش فلوس؟”
اتنرفز وقال بصوت عالي: “مش لازم أبررلك كل جنيه صرفته قبل ما أعرفك.”
أول مرة يرفع صوته عليا بالشكل ده.
قمت من مكاني من غير ما أرد.
دخلت أوضة النوم وقفلت الباب.
مش عشان أهرب…
لكن عشان فهمت إن كل سؤال بسأله بيكشف تناقض جديد.
وفي اليوم اللي بعده، وأنا راجعة من الشغل، لقيت واحدة من الجارات الكبيرة في السن مستنياني عند باب العمارة.
أول ما شافتني قالت: “معلش يا بنتي… ممكن أسألك سؤال؟”
قلت: “اتفضلي.”
قالت: “هو الأستاذ جوزك ناوي يبيع الشقة؟”
اتخضيت وقلت: “يبيعها؟! مين قال كده؟”
ردت: “أنا سمعته من كام يوم بيتكلم مع سمسار تحت العمارة، وكان بيسأله على أسعار الشقق في المنطقة، وبيقوله إنه ممكن يبيع وينقل في مكان تاني لو الأمور مشت.”
وقفت أبصلها وأنا مش فاهمة.
الشقة دي أصلًا باسمه…
إيه علاقة بيعها بإلحاحه المستمر على فلوسي؟
طلعت الشقة، ولأول مرة قررت أسأله بشكل مباشر.
قلت: “إنت بتفكر تبيع الشقة؟”
بصلي باستغراب واضح، وقال: “مين قالك؟”
قلت: “جاوبني.”
اتنهد وقال: “كان مجرد كلام مع سمسار… مفيش قرار.”
سألته: “ولو بعتها… هنعيش فين؟”
ابتسم ابتسامة غريبة وقال:
“لما المشروع يقوم… هنجيب شقة أكبر وأحسن.”
وقتها حسيت إن كل الطرق مهما اختلفت…
كانت بترجع لنفس النقطة.
فلوسي… ثم فلوسي… ثم فلوسي.
………
من يومها بطلت أجادله.
كل مرة يفتح سيرة المشروع، كنت أرد بكلمتين وأغير الموضوع.
وكل مرة يلمح لفلوسي، كنت أبتسم وأسكت.
هو افتكر إني بدأت ألين.
لكن الحقيقة إني كنت باخد وقتي عشان أعرف الحقيقة كاملة.
بعد أسبوع، قال لي فجأة:
“البسّي… هنروح نتغدى عند أختي.”
استغربت.
من ساعة الجواز، عمره ما أصر إني أروح عند حد من أهله بالشكل ده.
لبست وروحت معاه.
أول ما دخلنا، استقبلتني أخته بترحيب زيادة عن اللزوم.
حضنتني، وقعدت تقولي:
“إحنا مقصرين معاكي يا حبيبتي.”
فضلت مستغربة.
الست دي نفسها كانت بالكاد بتكلمني في المناسبات.
بعد الغدا، لقيتها بتقول لجوزي:
“سيبنا شوية لوحدنا.”
خرج هو للبلكونة.
بصتلي وقالت وهي بتبتسم:
“بصي يا بنتي… الراجل لما بيلاقي مراته واقفة جنبه، ربنا بيوسعها عليه.”
ابتسمت مجاملة.
كملت كلامها:
“وإنتِ ما شاء الله معاكي ميراث وشهادات… ليه الفلوس تفضل نايمة؟”
في اللحظة دي فهمت.
الكلام مش طالع منها.
ده نفس الكلام اللي كان بيقوله بالحرف.
قلت بهدوء:
“أنا مرتاحة كده.”
قالت بسرعة:
“لا يا حبيبتي… الراجل ده يستاهل. ده تعب طول عمره.”
ابتسمت وقلت:
“وأنا كمان تعبت طول عمري عشان أوصل للي معايا.”
سكتت.
واضح إنها ما كانتش متوقعة الرد.
رجعنا البيت، وطول الطريق ولا كلمة.
أول ما دخلنا، قال وهو بيقفل الباب:
“أختي زعلت منك.”
قلت:
“ليه؟”
قال:
“حست إنك مش واثقة فيا.”
رديت وأنا ببصله:
“الثقة عمرها ما كانت بتتقاس بالفلوس.”
سكت.
بعدها بيومين، كنت خارجة من الشركة، لقيت رسالة على تليفوني من رقم مجهول.
فتحتها.
كان مكتوب فيها:
“لو عايزة تعرفي الحقيقة كلها… دوري على سبب طلاقه التاني، مش الأول.”
اتسمرت مكاني.
لأن كل الناس كانت دايمًا تتكلم عن جوازته الأولى.
أما التانية…
فماحدش تقريبًا كان بيجيب سيرتها.
حتى هو نفسه، كل اللي قاله قبل الجواز:
“محصلش نصيب.”
ولا عمره حكى أي تفاصيل.
رجعت البيت، ودخلت عليه وهو بيتفرج على الأخبار.
قلت بهدوء:
“ممكن أسألك سؤال؟”
قال:
“اتفضلي.”
قلت:
“إيه سبب طلاقك من مراتك التانية؟”
رفع الريموت ووطى صوت التلفزيون.
وبصلي نظرة طويلة.
لأول مرة… النظرة دي ما كانش فيها هدوء ولا برود.
كان فيها ارتباك واضح.
ابتسم بالعافية وقال:
“إيه اللي فكرك بالكلام ده دلوقتي؟”
قلت:
“مجرد فضول.”
رد بسرعة:
“زي ما قلتلك قبل الجواز… مفيش تفاهم.”
قلت:
“بس أكيد فيه سبب.”
اتنهد وقال:
“كانت عصبية… وخلاص.”
بصيت في عينه وسألته:
“ولا كانت رافضة تمضي على حاجة؟”
في اللحظة دي…
اتغير لون وشه تمامًا.
وساب الريموت من إيده.
وعرفت من سكوته…
إن السؤال ده لمس الحقيقة اللي كان مستخبيها من أول يوم اتجوزني فيه.
………
فضل باصصلي كام ثانية من غير ما ينطق.
بعدها ضحك ضحكة قصيرة، لكن كانت باينة إنها مصطنعة.
قال: “هو إنتِ وصلتي لمرحلة التحقيق معايا؟”
قلت بهدوء: “أنا بسألك سؤال.”
رد وهو بيقوم من مكانه: “وأنا جاوبت.”
قلت: “لا… إنت هربت من الإجابة.”
وقف قدامي وقال بنبرة حادة: “إنتِ بقالك فترة متغيرة… مين بيملالك دماغك؟”
قلت: “ولا حد.”
قال: “أمال كل الأسئلة دي جاية منين؟”
رديت وأنا ثابتة: “من تصرفاتك.”
اتنهد بضيق، وبعدها قال: “مراتي التانية كانت عنيدة… وكل مشكلة كانت تكبرها، وفي الآخر استحالت العشرة.”
قلت: “يعني مفيش فلوس؟”
قال بسرعة: “لأ.”
“مفيش مشروع؟”
“لأ.”
“مفيش ورق طلبت منها تمضيه؟”
سكت.
الثانية دي كانت كفاية بالنسبة لي.
لأن اللي عنده إجابة بيجاوب… إنما اللي بيسكت بيحسب هيقول إيه.
قمت من مكاني ودخلت أوضة النوم.
ماجراش ورايا.
ولا حاول يرضيني.
وده زود شكي أكتر.
تاني يوم، وأنا في الشغل، رن تليفوني.
الرقم كان غريب.
رديت.
جالي صوت ست هادي.
قالت: “أنا مرات جوزك التانية.”
اتجمدت.
قلت: “حضرتك…؟”
قالت: “أيوه… وعرفت رقمك بصعوبة.”
قلبي كان بيدق بسرعة.
سألتها: “حضرتك عايزة إيه؟”
قالت: “ولا حاجة لنفسي… بس سمعت إنه بيضغط عليكي تدخلي معاه في مشروع.”
ما رديتش.
كملت هي: “عمل معايا نفس اللي بيعمله معاكي.”
قلت بسرعة: “إزاي؟”
قالت: “كان كل شوية يقنعني أبيع أرض ورثتها عن أبويا، ويقول هنستثمرها.”
سألتها: “وبعتيها؟”
قالت: “لأ.”
“وبعدين؟”
اتنهدت وقالت: “من يوم ما رفضت… بقى يعاملني كأني عبء عليه. بخل، مشاكل، برود، وكل يوم خناقة على سبب تافه.”
الكلام كان مطابق تقريبًا للي أنا عايشاه.
قلت: “ليه ماقولتيش الكلام ده قبل كده؟”
قالت: “لأن كل واحد كان فاكر إن الناس هتقول المطلقة بتنتقم.”
سكتت شوية، وبعدها قالت: “أنا مش هقولك طلقيه… ده قرارك. لكن أوعي تمضي على أي ورقة، وأوعي تخليه يحس إنك عرفتي كل حاجة.”
قبل ما أقفل معاها سألتها آخر سؤال:
“هو كان كريم معاكي زي ما أهله بيقولوا؟”
ضحكت ضحكة كلها وجع.
وقالت: “لو كان كريم… مكنتش خرجت من الجواز وأنا ببيع دهبي عشان أصرف على نفسي.”
قفلت المكالمة.
وقعدت أبص قدامي.
دلوقتي بقيت سامعة نفس القصة من أكتر من شخص.
كل واحد بيحكي جزء مختلف… لكن الأجزاء كلها بتركب على بعضها.
رجعت البيت بالليل.
لقيته قاعد مستنيني.
أول ما دخلت قال: “في حد اتصل بيكي النهارده؟”
بصيتله باستغراب.
قلت: “ليه بتسأل؟”
قال: “مجرد سؤال.”
رديت: “آه… اتصالات شغل.”
فضل باصصلي كأنه بيحاول يعرف إذا كنت بكذب ولا لأ.
وبعدين قال: “بصي… أنا حجزت لينا يومين في فندق برة القاهرة. قولت نغير جو ونبدأ صفحة جديدة.”
استغربت جدًا.
ده نفس الراجل اللي كان بيحسب تمن كيس السكر…
فجأة بقى بيحجز فندق؟
ابتسم وقال: “إحنا محتاجين نبعد عن ضغط الناس.”
وافقت… لكن مش عشان أصدق كلامه.
وافقت لأن إحساسي كان بيقولي إن الرحلة دي…
هتكشفلي حاجة، أو هيحاول فيها يعمل حاجة تغيّر كل اللي بينا.
…….
طول الطريق وهو بيتكلم عن الذكريات، وعن إن الحياة قصيرة، وإن الإنسان لازم يفتح صفحة جديدة.
كان هادي بشكل غريب.
الهدوء اللي كنت زمان أتمنى أشوفه فيه… بقيت أخاف منه.
وصلنا الفندق، وبعد ما استلمنا الأوضة، قال:
“انزلي اتمشي شوية على البحر وأنا هطلع مكالمة شغل.”
وافقت، لكن بدل ما أنزل على طول، رجعت بهدوء بعد ما قفل باب الأوضة من وراه.
وقفت برة، وسمعته بيتكلم في التليفون.
كان صوته واطي، لكن قدرت أسمع آخر جملة.
قال:
“خلاص… الموضوع انتهى. مفيش مشروع، ومفيش توقيع.”
بعدها سكت شوية، وكمل:
“أيوه… هتصرف بطريقة تانية.”
الكلمة الأخيرة نزلت على قلبي زي الحجر.
بعد دقائق خرج من الأوضة، ولما شافني جاية من آخر الطرقة ابتسم كأن مفيش حاجة حصلت.
قضينا اليوم كله في هدوء مصطنع.
هو بيحاول يقرب مني، وأنا بقيت أراقب كل حركة.
ولما رجعنا القاهرة، كنت خلاص أخدت قراري.
تاني يوم الصبح، نزلت بدري من غير ما أقوله.
روحت لمحامي، وحكيتله كل اللي حصل من أول يوم جوازنا، وقدمتله العقود والرسائل وصور الأوراق اللي كنت احتفظت بيها.
بصلي وقال:
“حتى لو مفيش جريمة نقدر نثبتها، فإنتِ عندك سبب كافي إنك تحمي نفسك ومتدخليش معاه في أي التزام مالي.”
خرجت من عنده وأنا حاسة إن حمولة كبيرة اتشالت من على صدري.
رجعت البيت، ولقيته مستنيني.
بمجرد ما دخلت، قال:
“إنتِ كنتِ عند المحامي.”
ما استغربتش.
ابتسمت وقلت:
“أيوه.”
سألني وهو بيحاول يخبي توتره:
“ليه؟”
بصيتله لأول مرة من غير خوف، ومن غير تردد.
قلت:
“عشان عرفت إن أكبر غلطة عملتها في حياتي… إني كنت بحاول ألاقي مبرر لكل تصرف منك.”
سكت.
كملت:
“أنا فضلت ألوم نفسي، وأقول يمكن أنا مقصرة… يمكن أنا السبب… لكن الحقيقة إنك عمرك ما اتجوزتني عشان شخصي.”
قرب خطوة وقال:
“إنتِ فاهمة غلط.”
هزيت راسي بالنفي.
“يمكن أكون فاهمة غلط في تفاصيل… لكن عمري ما هقدر أنكر إحساس عشته كل يوم. عمري ما حسيت إني زوجة… كنت حاسة إني مشروع استثمار مؤجل.”
مد إيده ناحيتي وقال:
“خلينا نبدأ من جديد.”
رجعت لورا خطوة.
وقلت بهدوء:
“البدايات الجديدة لازم يكون أساسها الثقة… والثقة لما بتتكسر، صعب جدًا ترجع زي الأول.”
دخلت أوضة النوم، وطلعت شنطة صغيرة كنت مجهزاها من الليلة اللي قبلها.
حطيتها جنب الباب.
بصلي باستغراب وقال:
“إنتِ رايحة فين؟”
قلت:
“عند أمي.”
“وهترجعي إمتى؟”
سكت شوية، وبعدها قلت:
“لما المحكمة تقول إذا كان لسه فيه جواز… ولا خلاص كل واحد هيكمل طريقه لوحده.”
فضل واقف يبصلي، كأنه لأول مرة استوعب إن كل محاولاته انتهت.
فتحت باب الشقة، وقبل ما أخرج لفيت ناحيته وقلت:
“أنا اتجوزتك وأنا فاكرة إن الحرمان من الخلفة هو أصعب حاجة ممكن تحصل لست في سني… لكن اكتشفت إن الأصعب بكتير إنك تعيشي مع حد يخليك كل يوم تشكي في قيمتك، وفي نفسك، وفي نواياه.”
قفلت الباب ورايا، ونزلت السلم بخطوات ثابتة.
وأنا خارجة من العمارة، حسيت إن الحمل اللي كان فوق كتافي بقاله سنين بدأ يخف.
مكنتش عارفة المحكمة هتحكم بإيه، ولا كنت عارفة هو هيحاول يرجعني ولا لأ.
لكن كنت متأكدة من حاجة واحدة…
إن الفلوس ممكن تتعوض، والسنين ممكن تعدي، لكن كرامة الإنسان وثقته في نفسه، لو ضاعوا، يبقى خسر أغلى حاجة في حياته.
وساعتها بس… حسيت إن النهاية الحقيقية للجواز ده، كانت في اليوم اللي بطلت فيه أبرر، وبدأت أصدق اللي كنت شايفاه بعيني.
…………
بعد أسبوعين، وصلتلي ورقة من المحكمة بميعاد أول جلسة.
الغريب إنه ماحاولش يتصل بيا ولا مرة.
ولا بعت حد يكلمني.
ولا حتى سأل عليا.
كأن اللي كان فارق معاه من الأول… انتهى.
وفي يوم الجلسة، دخل المحكمة وهو لابس نفس الهدوء اللي كان دايمًا بيستخبى وراه.
بصلي للحظة، لكن أنا حولت وشي.
لأول مرة، ماحستش إني ضعيفة قدامه.
ولا محتاجة أعرف بيفكر في إيه.
كل اللي كنت محتاجاه… إني أخرج من العلاقة دي وأنا محافظة على نفسي.
القضية أخدت وقتها الطبيعي، وكل واحد قال اللي عنده.
أنا مااتهمتوش بحاجة مقدرش أثبتها.
ولا حاولت أشوه صورته.
كل اللي قولته للقاضي كان جملة واحدة:
“أنا استحملت سنين وأنا حاسة إني عايشة مع راجل شايفني مجرد وسيلة، مش شريكة حياة… والثقة بينا انتهت.”
بعد شهور، صدر الحكم بالطلاق.
خرجت من المحكمة وأنا أخدت أول نفس براحتي من سنين.
رجعت بيت أمي.
لقيتها حضنتني وقالت وهي دموعها في عينيها:
“سامحيني… أنا اللي ضغطت عليكي تتجوزيه.”
حضنتها وقلت:
“خلاص يا أمي… اللي فات فات.”
ابتديت أرجع لشغلي، وأهتم بنفسي، وأخرج مع صحباتي اللي كنت قاطعاهم من سنين.
اشتريت لنفسي هدية بسيطة من أول مرتب بعد الطلاق.
وقتها افتكرت إني كنت زمان أستخسر أجيب لنفسي حاجة، مش عشان معنديش… لكن عشان كنت خايفة من تعليق أو خناقة.
بعد كام شهر، سمعت بالصدفة إنه حاول يدخل في مشروع مع شخص تاني، لكن الشراكة مكملتش.
ماعرفتش التفاصيل…
وماحاولتش أعرف.
لأن في اللحظة دي، فهمت إن بعض الأبواب لما بتتقفل، الأحسن إنها تفضل مقفولة.
النهارده، وأنا بحكي حكايتي، مش بحكيها عشان أقول إن كل راجل بخيل طماع، ولا إن كل جواز فاشل.
أنا بحكيها عشان أقول إن الست لازم تسمع إحساسها.
ولما تلاقي نفسها كل يوم بتبرر الإهانة، أو البخل، أو التقليل من قيمتها… تقف مع نفسها وتسأل:
“هو أنا عايشة حياة تليق بيا؟”
أنا اتجوزت وأنا فاكرة إن أكبر خسارة في حياتي إني محرمتش من الخلفة.
لكن اكتشفت إن أكبر خسارة كانت إني ضيعت سنين من عمري وأنا مستنية حب، واهتمام، وتقدير… من شخص عمره ما كان شايفني غير رقم في كشف حساب.
والنهارده، يمكن أكون رجعت بيت أمي وأنا مطلقة في الخمسين من عمري…
لكن رجعت وأنا رافعة راسي.
لأن الوحدة أهون ألف مرة من حياة تعيش فيها كل يوم مضطرة تثبت إنك تستحقي كلمة حلوة، أو لقمة كريمة، أو احترام.
ومن يومها، وعدت نفسي وعد واحد…
إن أي قرار هاخده بعد كده، هيكون بإرادتي أنا…
مش تحت ضغط حد…
ولا خوف من كلام الناس…
لأن راحة البال، لما بتضيع، مفيش فلوس في الدنيا كلها تعرف تشتريها من جديد.
تمت.
حكايات انجى الخطيب
