نتيجة بنتى اسلام احمد
بنتي راحت تشوف نتيجتها في الثانوية العامة و رجعت منهارة!!, قومت من مكاني و انا بحاول اهديها, لقيتها بتصرخ و بتلـ,ـطم علي وشها و هي بتقول “ازاي .. ازاي .. اجيب تلاتين في المية ازاي طيب”, ضـ,ـربت انا كمان علي وشي وانا بقول من الصدمة”يا خراااابي!!”, في اللحظة دي بنتي وقعت من طولها مغمي عليها, مسكت نفسي بالعافية قبل ما اقع جنبها، وجريت عليها وأنا بصرخ وبنادي على جوزي: “يا صابر! الحقني يا صابر.. البت ضاعت مننا!”
صابر جه يجري من الأوضة، وشها أصفر زي الليمونة لما شافها مرمية على الأرض. شالها معايا بالعافية وحطيناها على الكنبة، وبقيت ألطم وأبكي وأنا برش على وشها مية وبحاول أفيّقها. صابر كان إيده بترعش وهو بيمسك إيدها ويقيس نبضها، وهو مش فاهم حاجة وبيسألني بحشـ,ـرجة في صوته: “في إيه يا نوال؟ إيه اللي حصل للبت؟ نتيجتها طلعت ولا إيه؟”
رديت عليه وأنا مش قادرة ألقط نفسي من العياط: “البت جابت تلاتين في المية يا صابر! تلاتين في المية! فاطمة اللي مابينزلش اسمها من لوحة الشرف في المدرسة من صغرها! فاطمة اللي طالعة الأولى على الإدارة طول عمرها تجيب تلاتين في المية?!”
صابر اتسمر مكانه، عينه وسعت من الصدمة ورجع خطوتين لورا وهو بيهز رأسه بلا.. “تلاتين إيه؟ إنتي بتقولي إيه يا ولية؟! دانا مدرس ومربيها على إيدي، البت دي مجاوبة في الامتحانات كلها كشكول أولاد ناس، دي كانت بتراجعي معايا الامتحان مادة مادة وتطلع مأنقصة نفسها درجتين بالعافية! دي جايبة المجموع ده في مادة واحدة ولا إيه؟!”
في اللحظة دي، فاطمة بدأت تفتّح عينها ببطء، وبصت لنا بنظرة مكسورة تذبـ,ـح القلب.. دموعها نزلت كأنها شلال، وقالت بصوت مجـ,ـروح ومبحوح: “والله يا بابا حلّيت.. والله العظيم ورقتي اتظلمت.. والله ده مش مستوايا ولا دي درجاتي، أنا ضعت يا بابا.. ضعت!”
صابر نزل على ركبه جنبها، مسك وشها بين إيديه وباس رأسها وهو بيحاول يتملك أعصابه رغم إن دموعه كانت نازلة مغرقة وشه. قالها بنبرة مدرس عارف قيمة بنته وعارف مستواها صح: “ششش.. اسحبي دموعك دي يا فاطمة.. أنا مربيكي وعارف مستواكي كويس، ومفيش طالبتي وبنتي اللي تضيع كده! والله لو حقك في بطن السبع لأجيبهولك.. دي ورقتك إنتي وتبدلت، أو حد علم غلط، والسنة دي مش هعديهالهم!”
صابر قام وقف، ومسح دموعه بظهر إيده، وحصلت في عينه تحولة غريبة.. الخوف والصدمة اتحولوا لغل وغضب. مشي على مكتبه، فتح الدرج وطلع أوراق فاطمة، المراجعات، وشهادات التقدير بتاعة السنين اللي فاتت، وقال بصوت حاسم يزلزل البيت: “قومي يا فاطمة.. قومي اغسلي وشك وخليكي جبل زي ما عودتك.. بكره الصبح من بدري هنكون في الإدارة ومنها للوزارة.. وبكرة نشوف مين اللي حط إيده على مجهود بنتي وسـ,ـرقه!”
صبحنا تاني يوم على كابوس، فاطمة ما نامتش طول الليل، ولا أنا ولا صابر غمضت لنا عين. صابر قام لبس البدلة اللي بيحضر بيها المقابلات المهمة، وشال شنطة مليانة كل شهادات تقدير فاطمة من أولى ابتدائي لحد تانية ثانوي، وإجاباتها اللي كتبتها في البيت بعد كل امتحان.
فاطمة كانت ماشية جنبه زي الخيال، وشها أصفر ودبلان، بس عين صابر كان فيها شرار. أخدها من إيدها ونزلوا، وأنا فضلت في البيت أدعي وأصلي، وبقلب مقطوع مستنية خبر يطمن قلبي.
وصل صابر المدرسة وبدأ من هناك.. المدرسين زمايله أول ما شافوه اتجمعوا حواليه، اللي يطبطب عليه واللي يقوله “معلش يا أستاذ صابر، عين وحسدت البت”، واللي يقوله “القدر مكتوب يا أسبوع”. صابر كان بيصرخ فيهم: “قدر إيه وعين إيه؟! البت مظلومة! أوراق بنتي اتسدلت ولا الدرجات اتلخبطت! أنا مدرس وعارف يعني إيه طالب يجيب تلاتين في المية ويعني إيه طالب يجيب تسعة وتاسعين!”
طلع جري على مكتب مدير الإدارة التعليمية، دخل عليه وبدأ يشرح له بلهفة ويطلع الشهادات: “يا سيادة المدير، فاطمة بنتي طالعة الأولى على الإدارة سنين طويلة، أنا راجعت معاها ورقة ورقة، المستحيل يحصل والبت دي تجيب المجموع ده! أرجوك افحصوا الأوراق، قارنوا الخطوط، شوفوا الكنترول!”
مدير الإدارة بص له بنظرة سردة باردة، وهز رأسه بقلة حيلة وهو بيمضي على أوراق تانية قدامه وقال: “يا أستاذ صابر.. أنت راجل مدرس وعارف القواعد، السيستم نزل الدرجات خلاص، وإحنا هنا مفيش في إيدينا حاجة نعملها. حظها كده، أو يمكن البت جالتلها حالة نفسية في الامتحان وما حلتش. باب التظلمات هيفتح الأسبوع الجاي، روح قدم تظلم ورزقك على الله.”
صابر اتجنن، ضـ,ـرب بإيده على المكتب وخبط الشنطة اللي فيها الشهادات: “حالة نفسية إيه وتظلمات إيه!! التظلم ده للبت اللي ناصة درجتين ولا تلاتة! مش طالبة تتسـ,ـرق مجهود عمرها ويتقالها أصل المدرسين علّقوا غلط! إنتوا بتضيعوا مستقبل بنتي جهاراً نهاراً وتقولولي مفيش في إيدينا حاجة?!”
الصوت علي والمشادة زادت، صابر خرج من المكتب وهو بينادي في طرقات الإدارة بصوت يهد جبال: “يا ناس يا عالم! مجهود بنتي بيتسـ,ـرق! أنا مدرس وبربي أجيال، ولما يجي الدور على بنتي أتقفل في وشي الأبواب?!”
الناس اتجمعت، والناس في الشارع وفي المدرسة بدأوا يتكلموا. الخبر طار زي النار في الهشيم: “بنت الأستاذ صابر، الأولى على المدرسة، جايبة ٣٠٪!”. التليفونات بدأت ترن، وجيراننا وأقاربنا يكلمونا ومش مصدقين.
وفجأة، القصة وصلت للسوشيال ميديا ولقنوات الأخبار! على الساعة 1 الظهر، لقيت صابر يكلمني وبيقولي: “جهزي البيت يا نوال، الصحفيين والقنوات القادمة معايا في الطريق!”.
خلال نص ساعة، البيت كان مليان كاميرات وإعلاميين وميكروفونات. فاطمة كانت قاعدة جنب باباها، ماسكة شهادات التقدير وهي بتعيط بالدموع، وصابر واقف وسط الكاميرات بيمسك ورق مراجعة بنته ويوجهه للكاميرا وهو بيصرخ بقلب محروق: “أنا مش طالب غير حق بنتي! شوفوا خطها وشوفوا مستواها! أنا بنادي وزير التربية والتعليم، بنادي كل مسؤول عنده ضمير.. أختبروا بنتي لايف قدام مصر كلها، ولو ما جابتش الأوائل ارموني أنا وهي في الشارع! بس ما تظلموش فاطمة!”
الكاميرات كانت بتصور، والمذيعين بيكتبوا، والقصة بقت هي الموضوع الأول اللي كل مصر بتتكلم عنه..
اللقاء التلفزيوني على القناة الفضائية كان هو الشرارة اللي ولّعت الدنيا أكتر وأكتر.
صابر وفاطمة طلعوا في بث مباشر في أكبر برنامج “توك شو” في مصر. فاطمة كانت قاعدة على الكرسي حاطة وشها في الأرض والدموع نازلة من عينها ساكتة، بينما صابر كان بيتكلم بنبرة قهر ووجع هزت بيوت الملايين. مسك الشهادات القديمة ورفعها قدام الشاشة وقال بنبرة قاطعة: “أنا مش أب بيتحسب لبنته وخلاص.. أنا مدرس درّس لأجيال، وعارف الفرق بين الطالب اللي حافظ، والطالب اللي فاهم، والطالب اللي ما بيفتحش كتاب! فاطمة بنتي امتحاناتها كلها كانت بتقفلها، إزاي طالبة تطلع الأولى على المدرسة وتجيب ٣٠٪؟!! فين منطق العقل هنا؟!”
المذيع فتح الاتصالات على الهواء، وهنا كانت المفاجأة اللي هزت الرأي العام!
أول اتصال كان من مدير مدرستها القديمة، وقال بشهادة حق على الهواء: “يا أستاذ صابر، أنا بشهد قدام ربنا والدولة كلها إن فاطمة من أنبه وأشطر الطالبات اللي دخلوا المدرسة عندي من ١٥ سنة، البنت دي عمرها ما نزلت عن المركز الأول، والنتيجة دي فيها حاجة غلط مليون في المية!”
وبعده اتصلوا مدرسين المواد بتوعها، كل واحد يدخل يشهد بإجاباتها ومستواها، وجيراننا وأولاد منطقتنا بدأوا يعملوا هاشتاج على النت باسم (#حق_فاطمة_لازم_يرجع)، والقصة بقت التريند الأول في مصر كلها. الناس كلها اتعاطفت، والصفحات بقت تنشر صور شهادات تقديرها القديمة جنب النتيجة الجديدة.
أنا كنت قاعدة قدام الشاشة في البيت بكي وبدعي من كل قلبي: “يا رب أنت العالم بحالنا، انصرنا على مين ظلمنا ورجع حق البت”.
وفجأة، وأنا متابعة البرنامج على الهواء، شفت المذيع بيسمع حاجة في سماعة إيده، وشها اتغير وابتسم ابتسامة عريضة، وقال بصوت عالي حاسم:
“يا أستاذ صابر.. جيلنا حالا خبر عاجل ومهم جداً من وزارة التربية والتعليم! المستشار الإعلامي للوزارة بيتصل بينا وبيعلن إن الوزير تابع الحالة بنفسه، وأصدر قرار عاجل باستدعاء الأستاذ صابر وابنته فاطمة لمقر الوزارة بكرة الساعة تسعة صباحاً لفتح تحقيق عاجل وفحص كراسات إجاباتها بنفسه!”
صابر أول ما سمع الخبر، عينيه دمعت بس المرة دي كانت دموع أمل، بص لفاطمة وحضـ,ـنها جامد قدام الكاميرات وهو بيهمس في إذنها: “قريتلك يا فاطمة.. حقك جايلك يا بنتي، بكرة مصر كلها هتعرف إنك مظلومة!”
الصبح بدري جداً، صابر وفاطمة كانوا واقفين قدام المبنى الضخم بتاع وزارة التربية والتعليم. فاطمة كانت ماسكة في إيد باباها وهي بترعش، بس صابر كان واثق ورافع رأسه، حاسس إن ربنا مش هيضيع تعبهم.
أول ما دخلوا، الأمن استقبلهم وطلعوهم فوراً لمكتب الوزير. الباب اتفتح، ولقوا الوزير قاعد ومستنيهم ومعاه لجنة كبار مستشاري المواد، وأساتذة تقويم وتصحيح على أعلى مستوى. الوزير قام استقبل صابر وطبطب على كتف فاطمة وقال بصوت هادي وحاسم: “يا أستاذ صابر، إحنا هنا عشان نعدل.. لو بنتك ليها حق، هتاخده قدام مصر كلها، ولو النتيجة صحيحة، هتقتنعوا بالدليل. والنهارده فاطمة هتدخل امتحان عاجل وشامل في المواد الأساسية تحت إشرافي الشخصي وإشراف أساتذة المادة، عشان نحدد مستواها الفعلي ونتأكد من حالة أوراقها.”
فاطمة بصت لباباها، صابر هزله رأسها وقالها بنبرة مدرس وأب واثق: “ادخلي يا فاطمة.. وري للجنة مين هي فاطمة صابر!”
دخلت فاطمة أوضة الاختبار المغلقة، واستلمت نماذج امتحانات تقيلة ومصممة بتقنية عالية تقيس كل الفروق الفردية. المدرسين والوزير كانوا قاعدين بيراقبوها من ورا الإزاز. فاطمة مسكت القلم، وفي لحظة، الخوف والقلق اختفوا تماماً.. حلّت المسائل والأسئلة وكتبت الإجابات بنفس الهدوء والسرعة والدقة اللي عودت باباها عليها طول عمرها.
بعد ساعتين من التركيز المطبوع بالهدوء، خرجت فاطمة وسلمت الورق.
اللجنة قعدت فوراً تصحح الأوراق قدام الوزير وأستاذ صابر، وكان مع كل ورقة بتتصحح، علامات الذهول والانبهار بتزيد على وشوش الدكاترة والمستشارين! واحد من كبار المستشارين بص للوزير وقال بصوت مذهول: “سيادة الوزير.. الطالبة دي مش بس حلة صح، دي كاتبة نموذج إجابة أستاذ! البنت دي مستحيل تكون جابت ٣٠٪، كان في خطأ سيستم أو تبديل أوراق كارثي في الكنترول!”
الوزير وقف فوراً، ومسك ورقة الإجابة وهو مش مصدق، وأمر بفتح تحقيق عاجل ومحاكمة المتسببين في خطأ الكنترول اللي كاد يمرمر حياة عيلة كاملة.
وفي نفس اليوم بالليل، طلع الوزير بنفسه في المؤتمر الصحفي العاجل وهو واقف جنب فاطمة وصابر، وأعلن على الهواء مباشرة:
“بعد إعادة تقييم واختبار الطالبة فاطمة صابر، وتتبع أوراقها الأصلية وتصحيح الخطأ الإداري الجسيم في الكنترول.. بيسعدني أعلن للشعب المصري كله إن الطالبة فاطمة صابر حصلت على المجموع الفعلي المستحق لها وهو ٩٩٪! وتعتبر من أوائل الثانوية العامة على مستوى الجمهورية!”
في اللحظة دي، مصر كلها هاجت بالفرحة! مواقع التواصل الاجتماعي اتقلبت، الجيران في الشارع نزلوا يزغردوا ويولعوا شماريخ، وأنا في البيت وقعت على الأرض أسجد لله شكراً والدموع مغرقة وشي.
صابر حـ,ـضن فاطمة وهو بيبكي بالدموع، وفاطمة رفعت رأسها للصحفيين والكاميرات والابتسامة مالية وشها وقالت: “الحمد لله.. حقي يرجع عشان كان معايا بابا، وكان معايا ربنا قبل أي حد!”
ورجعت فاطمة لضحكتها، ورجع حقها اللي كان على وشك يضيع، وبقت قصتها إلهام وشاهد على إن الحق مهما اتظلم.. لازم في الآخر ينتصر!
تمت..
قصة عن احداث حقيقية حدثت بالفعل
بقلمي الكاتب اسلام احمد.. مستني رايكم و ارجوا متابعة صفحة الكاتب الرسمية اسلام احمد