ترقية ج 2

طلعت الشمس بتاعة اليوم الجديد، لكن السماء ما كانتش مجرد يوم عادي بيبدأ، كانت بداية كشف حساب عسير. قريت أفكاري وأنا واقفة قدام مراية الأوتيل اللي نزلت فيه إمبارح بالليل. لبست بدلتي الكحلي الرسمية، ظبطت لياقة القميص الأبيض، ورشيت برفاني المفضّل. الوش اللي كان بيستحمل الهوان والتقليل إمبارح، حل محله وش ثلجي، حاد، ومليان ثقة.
الساعة ثمانية ونصف بالظبط، كنت قاعدة في مكتب الأستاذ أسامة المحامي.
حطيت الملفات على ترابيزته الخشب الكبيرة، وشرحتله الكشوفات خطوة بخطوة. الراجل كان بيقلّب الأوراق وهو بيهز رأسه بذهول:
“ده كلام خطير يا مدام إيلين.. كشوفات البنك دي حاسمة. التسعين في المية اللي اتسحبت من حسابك على مدار السنين اللي فاتت، مع عدم وجود أي إثبات لتحويلات منتظمة منه للقرض، تديه موقف قانوني ضعيف جدًا. ق\ضية استرداد الأموال محسومة، والتحفظ على الشقة مسألة وقت. أما بالنسبة للق\ضية اللي في شركته… لو التقرير طلع من عندك ومكتوب فيه التجاوزات الماليّة، النيابة الإدارية هتحرك الدعوى على طول.”
رديت ببرود تام:
“أنا مش هظلم حد يا متر، لكن مش هغطي على حرامي، حتى لو كان الزوج اللي اتخدعت فيه ست سنين. التقرير هيطلع زي ما المستندات بتقول بالظبط. والورق هينزل التحقيق بكرة الصبح.”
طلعت من مكتب المحامي وطلعت على الشركة.. دخلت من الباب الرئيسي، وكان ده أول يوم ليا رسمياً في منصب مديرة الموارد البشرية المركزية. الموظفين كانوا بيقفوا يسلموا عليّ، التهاني والورود كانت مالية المكتب، والابتسامات المخلصة من زمايلي اللي شافوا تعبي طول السنين اللي فاتت كانت بتملى المكان.
قعدت على الكرسي الجلدي الفخم، مسكت القلم الروترنج الأسود، وبصيت للملف اللي كان محطوط قدامي على الترابيزة: “ملف المخالفات المالية والإدارية – قطاع التوريدات – شركة المقاولات العامة.”
الملف ده ما كانش مجرد ورق، ده كان الشاهد على خيانة أحمد لضميره الوظيفي، زي ما كان خاين لبيته. كان بيوقع على استلام خامات ناقصة مقابل عمولات تحت الترابيزة، وكان بيمضي على إفراجات مالية للمقاولين قبل ما يستلموا المواقع. كان فاكر إن المدير القديم هيستر عليه عشان كان بياخد معاه، لكن الباب اتقفل والمدير القديم طلع معاش، والملف وقع في إيدي أنا.
ما ترددتش لحظة. فتحت الحبر، وبدأت أكتب تقريري التفصيلي بكل الشفافية والمهنية. كتبت كل مخالفة بالرقم والمستند، وأرفقت أصول الفواتير المزورة، وفي النهاية ختمت الورقة بتوقيعي العريض: “إيلين – مديرة الموارد البشرية المركزية”، وأحلت الملف فوراً للجنة التحقيق القانونية العليا ومعاها قرار بإيقاف أحمد عن العمل لحين انتهاء التحقيقات.
الساعة كانت تنين الضهر لما تليفوني رن. كان رقم أحمد.
سيبته يرن لحد ما سكت، وبعدها رن تاني، وثالث.. فتحت الخط على المرة الرابعة وحطيته على السبيكر وأنا بكمل مراجعة باقي البريد.
جه صوته من الناحية الثانية، طالع منه نهتة خنق ورعب:
“إيلين! إنتِ عملتي إيه؟! أنا أمن الشركة جه نزلي من مكتبي وسحبوا مني الكارنيه والمفاتيح، وقالولي إني موقوف عن العمل وممنوع أدخل المبنى لحد ما أروح النيابة! إنتِ بتهزري؟ إنتِ بجد عملتيها ودمرتي مستقبلي؟!”
رديت بصوت متزن، ما فيهوش أي نبرة انفعال:
“أنا عملت شغلي يا أحمد. الشغل اللي إنت كنت بتستهتر بيه إمبارح وتعتبره مجرد ‘فلوس أكتر للبيت’. أنا مديرة الموارد البشرية، ولما يجيبوا قدامي ملف فيه اختلاس وتزوير، واجبي القانوني والمهني يخليني أحوله للنيابة.. ولا إنت كنت فاكر إنك لما تيجيك الترقية في بيتك، هتحميك من السجن؟”
أحمد بدأ يصرخ في التليفون، والظاهر إنه كان واقف في الشارع قدام شركته:
“إنتِ ست معندكيش أصل! بقيتي مديرة فقسيتي قلبك؟ عشان كلمتين قولناهم إمبارح في ساعة غضب؟ عشان أمي ضحكت كلمتين؟ تبيعي عشرة ست سنين وتفضحي جوزك قدام اللي يسوى واللي ما يسواش؟”
ضحكت ضحكة خفيفة وقصيرة ردت عليه:
“كلمتين؟ لا يا أحمد، مش عشان كلمتين. عشان الست سنين اللي كنت بشرب فيهم المر وأنا فاكرة إنك سندي، وطلعت في الآخر شايفني الشغالة اللي بتدفع الفواتير. عشان أقساط الشقة اللي كنت بتسرقني فيها، عشان قلة القيمة والازدراء اللي شفته في عينيك أنت وأمك وأنا داخلة بفرحتي. إنتوا ما كسرتوش فرحتي بالترقية، إنتوا كشفتوا الحقيقة اللي كنت غبية وعامية عنها. والتحقيق بكرة الساعة عشرة الصبح.. نصيحة مني، هاتلك محامي شاطر لأن الأوراق تسد عين الشمس.”
وقفت المكالمة في وشه قبل ما ينطق بكلمة ثانية.
عدت الساعات بسرعه، وعلى الساعة خمسة بعد الظهر، طلعت من الشركة ورحت على العمارة اللي فيها شقتنا. ما كنتش خايفة، بالعكس، كنت واخدة معايا إثنين من رجال الأمن بتوع العمارة ومحامي من طرف الأستاذ أسامة، ومعايا محضر إثبات حالة بحوزتي للشقة وأوراق الملكية اللي بتثبت إني المسدد الأكبر للقرض.
أول ما فتحت الباب بالمفتاح، لقيت المنظر جوة كأنه سرادق عزاء.
حماتي كانت قاعدة على الكنبة، وشها أصفر وكأنها عجزت عشر سنين في ليلة واحدة. أحمد كان قاعد على الأرض جنب الترابيزة، شعره منكوش وهدومه مش مترتبة، وحواليه أوراق وسجاير ملمومة في كل حتة.
أول ما شافوني دخلت ومعايا المحامي ورجال الأمن، أحمد وقف بسرعة وحماتي صرخت:
“إيه ده؟ جايبة بلطجية في بيتك يا فاجرة؟ جايبة رجال تتعدى على جوزك وأمه؟”
المحامي خطى خطوة للأمام وقال بهدوء رسمي:
“يا مدام احترمي ألفاظك عشان ما نضيفش بلاغ سب وقذف للقضايا المرفوعة. الأستاذة إيلين جاية تاخد متعلقاتها الشخصية وأوراقها المالية بموجب القانون، ومعانا إثبات حالة بحجم مساهمتها في الشقة، وهتوصلكم نشرة التحفظ القانوني من المحكمة بكرة.”
أحمد قرب مني، عينيه كانت حمرا من كثرة البكاء والخوف، مسك إيدي وبدأ يتوسل بطريقة تثير الشفقة:
“إيلين.. عشان خاطر ربنا، اسمعيني بس.. أمي كانت فاهمة غلط، وأنا كنت غبي.. أنا مستعد أكتبلك الشقة باسمك خالص بكرة الصبح! مستعد أعملك تنازل عن كل حاجة! بس كلمي الشركة يسحبوا البلاغ! النيابة يعني حبس احتياطي يا إيلين! إنتِ متخيلة جوزك يبيت في التخشيبة؟ متخيلة الناس هيقولوا إيه؟”
نترت إيدي منه بصرامة، وبصيتله من فوق لتحت:
“الناس؟ إنت لسه بتفكر في كلام الناس؟ ما فكرتش في كلام الناس لما كنت بتاخد شقايا وتكتبه في حسابك؟ ما فكرتش في ربنا لما كنت بتسيب أمك تهينني وتتعامل معايا كأني خادمة جايبة الأكل عشان تاكلوه وتضحكوا عليّ؟ الشقة دي هتاخدها بالقانون مش بجميل منك، والنيابة هي المكان الطبيعي لأي حد يمد إيده على مال مش ماله أو يزور ورق.”
حماتي قامت وجات وقفت بيني وبينه، وكانت بتترعش من الغل والخوف في نفس الوقت:
“يا بت اتقي الله! ده ابن عمك وجوزك! عاوزة تفضحيه وتدمريه؟ يرضي مين ده؟ بقى التورته والجمبري يعملوا فيكي كل ده؟ إحنا كنا بنهزر معاكي! بنفك الجو!”
بصيت لحماتي في عينيها مباشرة، وبنبرة صلبة ك الحديد قلت:
“الهزار بتاعكم ده كان الكاشف للحقيقة يا حماتي. التورته والجمبري كانوا بفلوسي، والبيت ده كان بفلوسي، وتعب الست سنين كان من صحتي. إنتِ ابنك ما كانش بيحبني، ابنك كان شايفني مشروع استثماري بيصرف عليه ويأكله ستيك وجمبري وهو قاعد حاطط رجل على رجل قدام التلفزيون! بس اللعبة خلصت. ابنك اللي كنتِ بتتباهي بيه وبتقوليلوا ‘هات الأطباق ناكل إحنا’.. بكرة هيروح يجاوب على أسئلة وكيل النيابة.”
دخلت الأوضة بهدوء، فتحت الدولاب، وأخذت بقية هدومي ورقم حساباتي والذهب بتاعي اللي كنت شرياه بفلوس شغلي قبل الجواز. المحامي كان واقف يسجل كل حاجة في محضر المعاينة.
وأنا طالعة من الأوضة وشايلة الشنط، أحمد رمى نفسه على الركبتين قدامي، مسك في رجلي وهو بيبكي بدموع حقيقية المرة دي، دموع الخوف من السجن وخسارة كل حاجة:
“إيلين.. أبوس إيدك! بلاش النيابة! أنا أسف.. والله العظيم أسف! حقي عليا، اضريبت في عقلي لما شفتك نجحتي وأنا فاشل! حسيت بالنقص فحبّيت أكسرك! والله هو ده اللي حصل! حسيت إنك بقيتي أعلى مني فقلت أهينك عشان ما تتكبريش عليّ! بس أنا بحبك ومقدرش أعيش من غيرك!”
وقفت مكان لحظة، الكلام اللي قاله كان هو الاعتراف الحقيقي اللي كنت عارفاه جوة قلبي. النقص. الفشل. الغيرة من نجاح المظلوم.
طأطأت راسي وبصيتله وهو على الأرض، وقلت بنبرة خالية من أي شفقة:
“الراجل الحقيقي لما مراته تنجح، بيترفع بيها وبيفخر بيها.. مش بيحس بالنقص ويحاول يكسرها. إنت ما كبرتش في عيني يوم، ولما حاولت تكسرني.. اتكسرت إنت. حبك ده كان استغلال، والأسف دلوقتي ملوش أي قيمة لأن السهم طلع من القوس خلاص.”
سحبت رجلي من إيده، ومشيت ناحية الباب. حماتي كانت بتصرخ وبتدعي عليّ بأقسى الدعوات، وأحمد كان صوت بكاه مالي الصالون. خرجت، وقفلت الباب ورايا.. والمرادي قفلته للأبد.
عدى أسبوع كامل… أسبوع كان عبارة عن زلزال في حياة أحمد وأمه، وكان عبارة عن صعود وراحة نفسية في حياتي.
في خلال الأسبوع ده:
أولاً: تحقيقات النيابة الإدارية كشفت إن أحمد مش بس كان بيبص بعيد عن المخالفات، ده كان واخد مبالغ مالية تحت بند “استشارات” من شركات المقاولات المنافسة، والتهمة اتثبتت عليه رسمياً، وصدر قرار بحبسه 15 يوماً على ذمة التحقيق وتجميد حساباته البنكية.
ثانياً: قضية استرداد الأموال اللي رفعها الأستاذ أسامة مشيت بسرعة الصاروخ، وبناءً على كشوفات البنك والتقارير المالية، المحكمة أصدرت قرار تحفظي على الشقة لصالحي لحد ما تترد كل المبالغ اللي اتسحبت من حسابي بالزيادة والتزوير.
ثالثاً: حماتي اضطرت تلم هدومها وتخرج من الشقة بعد ما صدر قرار التمكين ليّه أنا فقط، ورجعت تعيش في شقتها القديمة في الأرياف، مكسورة العين، ومن غير ابنها اللي كان ساندها في الباطل.
وفي يوم الأحد الصبح، كنت قاعد في مكتبي الجديد في الشركة. الشباك الكبير كان مدخل نور الشمس الدافئ، وصوت الحركة في المبنى بيبعث على النشاط والأمل.
دخلت السكرتيرة وهي شايلة ملف جديد وورقة رسمية، حطتهم قدامي وقالت:
“ألف مبروك يا فندم.. دي إعلان المحكمة برفع دعوى الطلاق للضرر، ورجال الضبط أعلنوا الأستاذ أحمد في محبسه إمبارح.”
مسكت الورقة، قريت اسمها: “دعوى طلاق للضرر وتأسيس استرداد حقوق”.
ابتسمت ابتسامة صافية، ما فيهاش أي غم أو قلق. مسكت القلم ووقّعت بالعلم.
في اللحظة دي، تليفوني رن.. كان إشعار من البنك بإن مرتب منصبي الجديد نازل بالزيادة الجديدة، ومعاه المكافأة الاستثنائية اللي كافأتني بيها الإدارة العليا بعد ما أنقذت الشركة من خسائر ملايين بسبب ملف التوريدات اللي كشفته.
بصيت لشاشة التليفون، وبعدين بصيت لنفسي في كادر شباك المكتب.
الست اللي دخلت البيت من أسبوع شايلة أكياس الجمبري والستيك والتورته وهي بتتمنى كلمة تقدير من راجل ناقص، ماتت إمبارح.
والنهارده، انولدت ست جديدة.. ست ما بتطلبش التقدير من حد، لأنها هي اللي بتصنعه بنفسها، ست عرفت إن أجدع انتصار مش إنك تنجح بس، الانتصار الحقيقي إنك تطهر حياتك من أي حد يستغل نجاحك أو يحاول يطفئ نورك.
مسكت شنطتي، وقفت بثبات، وطلعت أحضر اجتماع مجلس الإدارة الأول ليّه كمديرة للموارد البشرية.. وأنا عارفة إن اللي جاي في حياتي مش مجرد بداية جديدة، دي ملاحم نصر أنا اللي بكتب كل حرف فيها.
عدت ست شهور على اليوم اللي دخلت فيه مكتب مجلس الإدارة لأول مرة كمديرة للموارد البشرية. ست شهور كانوا كفيلين إنه يمسحوا كل أثر للوجع، ويحل مكانه راحة بال وقوة أنا نفسي ماكنتش أتخيل إنها عندي.
في الست شهور دول، كل حاجة اتغيرت.. أو بمعنى أصح، كل حاجة رجعت لنصابها الصحيح.
ق\ضية الطلاق للضرر اتحكم فيها لصالحي وبشكل نهائي، بعد ما المحكمة شافت كل المستندات وتقارير النيابة اللي بتثبت الضرر المالي والنفسي اللي اتعرضتله. يوم ما استلمت قبالة الطلاق ورسالة المحكمة، حسيت إن جبل كان كاتم على نفسي واتشال بضربة واحدة. خرجت من المحكمة، وأنا ماشية بصلابة وثقة.. كأني بأول خطوة برجع لذاتي اللي ضاعت في سكتهم.
أما بالنسبة للشقة، فالمحكمة أصدرت حكمها البات بإلغاء ملكية أحمد وإثبات الملكية الكاملة ليّه، بعد ما ثبت بالدليل القاطع ومن كشوفات البنك الرسمية إن تسعين في المية من أصل القرض والفوائد اندفعت من حسابي الشخصي، مع إلزامه بدفع باقي المبلغ اللي اختلسه مني طوال السنين اللي فاتت كدين ممتاز.
الشقة اللي كان أحمد وأمه فاكرين إنهم يملكوها لمجرد إن اسمه مكتوب في عقد شكلي، بقت ملكي أنا رسمياً بالقانون. ودخلتها بعد ما أخدت التمكين، مش عشان أعيش فيها وأ افتكر الأيام السودة، لا.. دخلتها ومعايا شركة مقاولات ديكور جديدة.
غيرت عفشها بالكامل، دهنت الحيطان بألوان مبهجة بتدخل الشمس والنور، رميت كل حاجة كانت بتفكرني بالليالي اللي اتظلمت فيها، وبعت الشقة بسعر ممتاز وحطيت الفلوس في حساب استثماري باسمي، واشتريت شقة جديدة في مكان أرقى، شقة شمسها دافية وشباكها بيطل على شجر وجاردن كبيرة، شقة ما دخلهاش ولا هيدخلها حد يقلل مني أو يسرق فرحتي.
وفي يوم من أيام الشتا الجميل، كنت قاعدة في مكتبي بالشركة، الشباك مفتوح سنة صغنونة ومدخل هواء بارد ومنعش، وريحة القهوة مظبطة المكان.
السكرتيرة خبطت ودخلت، كان وشها متوتر شوية وهي شايلة بوكيه ورد أبيض كبير، وحطت جنبه جواب مقفول.
بصيت للورد وللجواب وقالتلي بنبرة مترددة:
“دكتورة إيلين.. في ست برة بقالها ساعة قاعدة في الانتظار ومصممة تقابلك، وبتقول إنها مش ماشية إلا لما تشوفك.. وحلفتني بأغلى ما عندي أدخلِك الجواب ده الأول.”
فتحت الجواب، وعرفت الخط فوراً.. كان خط حماتي السابقة.
الجواب كان مكتوب فيه كلمات ملخبطة، بقع دموع ناشفة على الورق، وترجي بكلمات متقطعة: “يا إيلين يا بنتي.. أنقذي ابن عمك.. مافضلش لينا غيرك بعد ربنا.. ارهمي شيبي.”
تنهدت بهدوء، بصيت للسكرتيرة وقلت:
“خليها تدخل يا نهى.”
بعد ثواني، دخلت حماتي.. أو بمعنى أصح، الست اللي كانت حماتي.
الست اللي دخلت عليا المكتب ما كانش ليها أي علاقة بالست اللي كانت بتقعد على الكنبة تحط رجل على رجل وتضحك بتهكم وسخرية لما أرجع بتعبي.
كانت ظهرها منحني، وشها دبلان وخطوط الزعل أكلت ملامحها، لابسة عباية سوداء قديمة، ومترددة في كل خطوة بتاخدها على السجاد الفاخر بتاع المكتب.
أول ما شافتني، كانت هتجري عليا وتمسك إيدي، بس أنا شايرتلها بأيدي بإشارة هادية وقاطعة إنها تقف مكانها وتقعد على الكرسي.
قعدت على طرف الكرسي وهي بتبكي بصوت مكتوم، ومسكت منديل بتمسح فيه دموعها:
“إيلين.. يا بنتي.. أنا عارفة إننا ظلمناكي، وعارفة إننا جينا عليكِ وقسينا قلبك.. بس ربنا يعلم أنا عايشة في نار عاملة إزاي من يوم ما سبتي البيت.”
رديت ببرود ثلجي نابع من راحة بال حقيقية، مش من غل:
“أهلاً يا أم أحمد.. خير؟ الجواب اللي بعتيه ده معناه إيه؟”
مسكت الجواب بإيديها المرتعشة وقالت وهي بتنزل دموعها:
“أحمد حكموا عليه الأسبوع اللي فات بثلاث سنين سجناً مشدد في ق\ضية التزوير والاختلاس.. ثلاثة سنين يا إيلين! ابن بطني هيضيع في السجن، ومستقبله اتدمر خلاص.. والبنك حجز على كل حسابه، وأنا كبرت في السن ورجعت عشت في البلد لوحدي، ما معيش ولا مليم أعيش منه ولا حتى أدفع مصاريف المحامي اللي بيحاول يستأنف على الحكم!”
سكتت لحظة وشهقت بالبكاء وهي بتبصلي بإنكسار:
“المحامي قالنا إن لو الشركة قدمت تنازل رسمي أو تصالح مالي عن جزء من الأضرار، القاضي ممكن يخفف الحكم أو يوقفه.. إنتِ المديرة هنا يا إيلين! بكلمة منك في مجلس الإدارة ممكن تنقذيه! أنقذي شباب ابنك اللي بيضيع بين أربع حيطان.. عشان خاطر ربنا سامحينا!”
بصيتلها بثبات، ماكنش في قلبي غل، بس ماكانش فيه برضه أي نقطة ضعف أو تراجع. كان فيه عدل.. والعدل هو اللي بيتكلم.
قلت بصوت واطي ومترتب:
“يا أم أحمد.. إنتِ جاية دلوقتي تطلبي مني أسامح وأتدخل؟ فاكرة الليلة اللي دخلت فيها بأكياس الجمبري والستيك والتورته؟ فاكرة لما كنت فرحانة بإن تعب ست سنين أثمر، وجاية أشارك الفرحة مع الراجل اللي كنت فاكراه جوزي وسندي؟ إنتِ عملتي إيه وقتها؟”
حماتي طأطأت رأسها وهي بتبكي:
“كنت غبية يا بنتي.. الشيطان كان راكبنا والغيرة أكلت قلوبنا..”
كملت كلامي بثبات:
“لا.. مش الشيطان يا أم أحمد. ده كان طبعكم. إنتِ وابنك استكثرتوا عليّ الفرحة، استكثرتوا إن الشغالة اللي بتدفع أقساط الشقة وتطبخ وتكنس، تترقى ويبقى ليها شأن. إنتِ كليتي أ كلي بضحك واستزاء، وابنك بصلي وقال لي ‘مش هتاكلي مع عامة الشعب؟’.. إنتوا اللي اخترتوا تهمشوني وتستغلوني، والنهارده القانون هو اللي بياخد حق الست اللي اتظلمت.”
قامت من على الكرسي وركعت تقريباً عند سور المكتب وهي بتبكي بانهيار:
“يا بنتي استغفري ربنا! ارحمي ضعفي وشيبي! أحمد بيتأكل في السجن، وأنا مش لاقية اللقمة اللي أكلها! الشقة بعتيها، والأموال استرديتيها، وابني اتسجن.. أخدتي حقك وزيادة يا إيلين! خلاص كده العوض جه، بلاش تدمري اللي فاضل!”
وقفت من على كرسيي، مشيت بخطوات هادية لحد ما وقفت قدامها، وبصيت في عينيها مباشرة:
“أنا ما دمرتش حد.. أحمد هو اللي دمر نفسه لما مد إيده على الفلوس الحرام، ولما زور الفواتير، ولما افتكر إن منصب مراته هيحميه من السرقة. وأنا هنا مديرة موارد بشرية، مش صاحبة الشركة عشان أتنازل عن أمتار وفلوس ملك المساهمين. القانون أخد مجراه، وأنا مش هزوّر الحقيقة ولا هغير تقارير أمانة الشغل عشان أساعد حد خاين لضميره.”
أما بالنسبة ليكي..
فتحت درج مكتبي، طلعت شيك بمبلغ مالي محترم يغطي مصاريف معيشة بسيطة لكام شهر، وحطيته على الترابيزة قدامها.
بصت للشيك بذهول ودموعها نازلة.
قلت لها:
“ده مش عشانك، ولا عشان أحمد.. ده لوجه الله، عشان ما أكونش قاسية زيكُم، وعشان أنا أتربيت على الأصول. المبلغ ده هيعيشك مستورة في بلدك، بس رجلِك ما تطأش الشركة دي تاني، ولا اسمي يتقال على لسانكم. أحمد هيقضي عقوبته عشان يتعلم إن أكل أشقاء الناس والسرقة ليهم ثمن، وإن الكسر اللي بيسيبه في قلوب الناس بيلف وبيرجع ل صاحبه.”
حماتي مسكت الشيك وهي بتبكي وبتهز رأسها، مش عارفة تشكرني ولا تبكي على خيبة ابنها. أخدت أوراقها وخرجت من المكتب بجر أقدامها، كأنها شايلة جبل فوق كتافها.
قعدت على كرسيي تاني.. وطلعت تنهيدة طويلة، تنهيدة خروج آخر قطرة زعل من قلبي.
عدت الأيام والشهور بسرعة.. وفي خلال سنتين:
أحمد قضى فترة عقوبته في السجن، وخرج شخص ثاني خالص.. خرج مكسور، من غير شغلانة، من غير سمعة مهنية، وبصحيفة جنائية تمنعه إنه يشتغل في أي شركة محترمة بقية حياته. اضطر يشتغل أوفيس بوي أو موظف استقبال بسيط في مكتب صغير في أطراف المحافظة، بمرتب يا دوب يكفيه بالعافية هو وأمه، وعايش في بيته القديم في الأرياف بعد ما خسر الشقة الكبيرة وكل أملاكه.
أما أنا.. فحياتي أزهرت بشكل ماكنتش أتحلم بيه.
في شغلي، أثبت جدارتي لدرجة إن مجلس إدارة الشركة قرر ترقيتي لمنصب نائب رئيس مجلس الإدارة للشؤون الإدارية والموارد البشرية على مستوى المجموعة كلها، وبقيت واحدة من أهم الشخصيات القيادية في المجال.
وفي حياتي الشخصية.. ربنا عوضني باللي يستاهل قلبي.
اتعرفت على “دكتور طارق”، أستاذ إدارة الأعمال في الجامعة واستشاري التطوير الإداري للشركة. طارق كان راجل بمعنى الكلمة.. راجل ناضج، بيحترم عقلي قبل شكلي، بيفخر بنجاحي وبيشجعني في كل خطوة، وما ببيشوفش نجاحي تهديد لرجولته، بالعكس.. كان بيقف في كل مؤتمر تكريم ليّه، يصورني بعينيه المليانة فخر، ويقول للناس كلها بصوت عالي: “دي دكتورة إيلين.. مراتي وفخري.”
إتجوزنا في حفل جميل وراقي، عشنا في بيتنا الجديد المليان بالدفء، والضحك، والاحترام المتبادل. بيتنا اللي مافيهوش قلة قيمة، ولا استغلال، ولا حقد.
وفي ليلة مميزة جداً.. ليلة تكريمي كأفضل شخصية قيادية في قطاع الموارد البشرية على مستوى الجمهورية.
كنت واقفة على المسرح الكبير، النور كله متسلط عليّ، التصفيق كان مالي القاعة، وطارق قاعد في الصف الأول مبتسم وبيدعمني بعينيه.
مسكت المايك، وبصيت للجمهور الكبير اللي قدامي، وقررت أقول كلمتي:
“النجاح مش بس إنك توصل لأعلى المناصب.. النجاح الحقيقي هو إنك ماتسمحش لأي حد، مهما كان قريّب منك، إنه يكسر نفسك أو يحسسك إنك أقل مما تستحق.
زمان.. كنت فاكرة إن التضحية والسكوت على قلة التقدير هي دليل الحب.. بس اكتشفت إن الحب الحقيقي هو اللي بيرفعك، مش اللي بيوطي راسك.
لكل ست بتسمعني النهارده: أوعي تقبلي تكوني خادمة بتدفع الحساب في حياة حد مش شايف قيمتك. أنتي تستحقي تكوني البطلة في قصتك، وتستحقي حد يفرح بنجاحك زي ما بفرح بيكِ.”
أنصت القاعة كلها، وانفجرت في تصفيق حاد هز المكان.
نزلت من على المسرح، وطارق استقبلني ببوكيه ورد أحمر وبابتسامة دافية، مسك إيدي وقال بصوت دافئ:
“مبروك يا حبيبتي.. أنا فخور بيكي جداً.”
الكلمة دي.. الكلمة اللي كنت بتمنى أسمعها من سنتين وأنا شايلة أكياس الجمبري والستيك عند باب الشقة المقفول.. سمعتها النهارده، بس من الراجل الصح، في المكان الصح، وأنا في قمة نجاحي وقوتي.
ابتسمت من كل قلبي، ومسكت إيده بثبات، وأنا عارفة إن الصفحة القديمة اتقفلت لاتفتح تاني، وإن كتاب حياتي الجديد.. أنا بس اللي بكتب كل كلمة فيه بفخر، وعزة، وكرامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *