عزومه امانى السيد

جوزى كان دايما بيرفض ياخدنى معاه فى العزومات ولما بروح معاه والدته كانت بتعاملنى وحش ولما برجع البيت تتصل تراضيني كنت بكبر دماغى وقولت خلاص مش هحضر غير لو حاجة ضرورية جه يوم جوزى قالى أن امه مسافره وهيبات بره وقتها قولت فرصه اروح ابات عند ماما يومين
وفعلا لميت هدومى وانا فى الطريق لقيت رساله من سلفت جوزى بتقولى انتى هتفضلى هبله لحد امته
الكل فاكر ان شريف طلقك واتجوز وعاش حياته انا اتفاجئت انك لسه على زمته
حماتك سافرت البلد من ٤ شهور وهو عايش فى شقتها مع مراته الجديدة ومدلعها اخر دلع
وقتها حسيت انها بتقول كده عشان تضايقنى
الرسالة دي كانت زي خنجر مسموم نزل في قلبي. حاولت أكذبها، قلت لنفسي أكيد سلفتي دي غايرة مني وعايزة تخرب بيتي، بس الشك لما بيدخل القلب بياكل فيه. وصلت الولاد عند ماما ولفيت بالعربيه اروح اتاكد من اللى سلفتى بتقوله
كنت ماشية بخطوات تقيلة، قلبي بيدق زي الطبول، وإيدي بتترعش، لقيت الباب موارب.. حاجة بسيطة، كأنه مفتوح عشان تهوية. اتجمدت في مكاني، سمعت صوت ضحكات رقيقة وجوه، صوت تلفزيون واطي، وريحة بخور هادي مالية المكان.
قربت أكتر، بصيت من الفتحة اللي في الباب.. وقلبي وقف.
شريف.. جوزي اللي كان بيقرف مني، شريف اللي كان دايماً باصصلي بنظرة فوقية، كان قاعد على الكنبة ببيجامته البيتية، ممدد ومسترخي على الآخر. وجنبه قاعدة واحدة.. في منتهى الرقة والجمال، كانت كاش بيتى ، فارشة شعرها الناعم على كتفها، وملامحها كلها دلال. ونايمه على رجل جوزى
لقيتها بتقرب منه، وبصباعها الرقيق بدأت تعدل ياقة البيجامة بتاعته، وبنظرة كلها حب، مسكت حتة فاكهة من الطبق اللي قدامهم وقربتها من بقه، وهو فاتح بقه بيضحك لها ضحكة ما شوفتهاش منه طول سنين جوازنا. همست له بحاجة، ووشوشته في ودنه، وهو مال عليها وباس إيدها بحنان، وكأنه خايف عليها من الهوا.
الدنيا لفت بيا، الأكسجين سحبوه من الأوضة. دي مش مجرد جوازة.. ده حب، ده دلع، ده حياة تانية خالص كان بيعيشها ورا ضهري. شريف اللي كان بيبعتني أنضف وأغسل، كان قاعد دلوقتي بيتدلع وبياكل من إيد واحدة تانية، وبيتعامل معاها كأنها ملكة في بيته.. لا، في بيت أمه اللي بيقولوا إنها مسافرة!
وقفت مذهولة، مش قادرة أصرخ، ولا قادرة أدخل أواجه.. كل اللي كنت قادرة أعمله إني ألمح نظرة العشق في عينه ليها، وأقارنها بكل قسوة وجفاء عاملني بيهم. اللحظة دي كانت أقصى من أي خيانة ممكن يتخيلها العقل.
وقبل ما أخد أي رد فعل، لقيتها طبعت بوسة رقيقة على خده، ومالت بأسى مزيف على صدره وبصتله بعيون كلها دموع ودلع:
ـ “بس أنا تعبت يا شريف.. لحد إمتى هنفضل مستخبيين كدة؟ أنا حاسة إنك خايف، وممكن في أي لحظة تسيبني وترجعلها.. أنت بتدور على أي حجة عشان تبعد عني وتروح بيتك التاني.”
شريف اتنفض في مكانه، ومسك إيدها الاتنين وباسهم ، وضمها ليه بكل قوته وكأنه خايف تطير من إيده. بص في عينها بنظرة أنا عمري في حياتي ما شفتها منه، نبرة صوته كانت دايبة وعاشقة لأقصى درجة وهو بيكلمها:
ـ “أسيبك؟! أنتِ مجنونة يا قلبي؟! أسيب مين بس.. أنتِ عارفة إنك عمري كله؟ أنا بعشقك وبعشق التراب اللي بتمشي عليه! أنتِ الحلم اللي تمنيته طول حياتي ودلوقتي بس حسيت إن عندي روح وعايش!” وكمل وهو بيحلف بلهفة:
ـ “والله العظيم أنا ما بكتفش بحاجة في دنيايا قد ما بكتفي بيكي، ولا يفرق معايا حد في الدنيا غيرك يا نادين.. أنا مش طايق حتى أسمع اسمها ولا أرجع المكان اللي هي فيه!”
نادين بوزت شفايفها بدلع وقالتله بصوت واطي ومكسور:
ـ “طالما بتعشقني كده مش بتطلقها ليه يا شريف؟ طالما قارفة حياتك ومش طايقها، نزل السفرة دي من على قلبك وركز معايا أنا بس!”
تنهد شريف بضيق شديد، ووشه اتغير كأنه افتكر كابوس، وقال بنبرة مليانة حسابات وخوف ومادية قاسية:
ـ “يا ريت موضوع الطلاق ده بالبساطة دي يا نادين! لو عليا، أنا عايز أرمي عليها اليمين حالا وأخلص.. بس أنتِ مش فاهمة. أنا خايف أطلقها دلوقتي ألبس في حيطة! البت دي مكتبانى قائمة بمبلغ وقدره، غير مؤخر الصداق، ودعاوى النفقة المتلتلة اللي هتترفع عليا.. نفقة زوجية ونفقة للعيال وأجر مسكن وأجر حضانة!”
كمل وهو بينفخ بعصبية وبيعد على صوابعه:
ـ “كل قرش هيتاخد مني للست دي نفقات وأحكام محاكم، هيكون على حسابك أنتِ وعلى حساب دلعك ومستقبلنا سوا. أنا ماسكها من إيدها اللي بتوجعها ومفهمها إن الدنيا هادية ومفيش حاجة، عشان أقشر منها وأجمع قرشين وأمّن نفسي الأول قبل ما أرميها وأدخل في معمعة القضايا.. أنا صابر عليها بالعافية والله يا نادين عشان خاطر ما تدمرنيش مادياً، لكن قلبي وعقلي وروحي ما فيهومش غيرك يا أميرة قلبي.
سمعت كلامه.. ودمي اتجمد في عروقي. ما كانش بس خاين، أكل عيشه وراحتي وكرامتي في حسابه..
الدموع اللي كانت محبوسة في عيني اتجمدت.. الخوف والوجع والكسرة، كل ده اتمسح في ثانية واحدة وحل مكانه جبل من التلج والغل. البني آدم اللي واقفة ورا الباب بسمع كلامه ده مش جوزي، ده شخص غريب، حاسبها بالقرش وبالورقة والقلم، شايفني مجرد حصالة وعائق مادي في طريق سعادته ودلعه!
سحبت نفسي لورا بخطوات بطيئة جداً ومن غير ما أطلع أي صوت. قفلت الباب الموارب بالراحة، ونزلت على السلم وأنا مسنودة على الحيطة.. مش ضعف، لأ.. ده كان ثبات الهدوء اللي بيسبق العاصفة.
أول ما طلعت الشارع، أخدت نفس عميق حسيت بيه بيحرق صدري، وطلعت موبايلي من الشنطة. إيدي ما كانتش بتترعش خلاص. فتحت الشات بيني وبين سلفتي اللي بعتتلي الرسالة، وكتبتلها جملة واحدة:
ـ “شريف معاه مين جوه يا ندى؟”
ما كملتش دقيقة ولقيت التليفون بيرن، ردت عليا بنبرة متوترة وفيها شفقة استفزت كل خلية فيا:
ـ “إلفت؟! انتِ فين؟ أنا أسفة والله يا أختي إني صدمتك، بس ما قدرتش أسكت أكتر من كده وأنتِ عايشة في مية اللفت وعاملة طيبة وعبيطة مع الكل.. شريف متجوز نادين، بنت خالة أمه، جايبها هنا من 4 شهور بعلم حماتك وأمه هي اللي مجهزة الشقة ومفهمة الناس كلها إنك اطلقتي!”
ابتسمت بسخرية، ابتسامة مرار حقيقية، وقلتولها بصوت هادي يرعب:
ـ “بعلم حماتي؟ حلو أوي.. يعني الفيلم ده كله كانوا متفقين عليه ومخرجينه سوا؟”
ـ “اه والله يا إلفت، وحماتك سافرت البلد مخصوص عشان تفضيلهم الشقة ويعيشوا أيام العسل.. شريف متفق مع أمه إنه يطفشك ويركبك الغلط عشان تتنازلي عن كل حقوقك، أو تمشي من سكات من غير ما تطالبيه بجنيه قائمة ولا نفقة!”
أول ما سمعت كلمة “القائمة والنفقة”، افتكرت كلامه جوه وهو بيعد على صوابعه وخايف على فلوسه ومستقبله مع الهانم.
قفلت المكالمة مع ندى من غير ما أرد، وبصيت لشباك الشقة فوق.. وقررت إن اللعبة دي أنا اللي هكتب نهايتها، وعلى طريقتي.
ركبت عربيتي وطلعت على بيتي.. بيتي اللي كان فاكر إني هسيبه وأروح لماما وأبكي. فتحت النور، ودخلت الأوضة، وطلعت أصل القائمة، ومؤخر الصداق، وكل الأوراق والمستندات اللي تخصه وتخص الشقة وصور عقود ملونة كنت محتفظة بيها في مكان ما يعرفوش.
مسكت التليفون ورنيت على محامي العيلة.. رد عليا، قلتله بنبرة حاسمة وصارمة:
ـ “أهلاً يا متر.. معلش بكلمك في وقت متأخر، بس عندي ق\ضية حبس قائمة منقولات، وقضايا نفقة زوجية وبدلات، وعايزة أرفعهم بكرة الصبح أول ما المحكمة تفتح.. وقبل ما تسألني ليه، أظن حق أولادي وحقي المادي مش هسيبه لواحد فاكر إنه أذكى من القانون!”
الصبح بدري، المحامي كان قاعد قدامي في مكتبه بيفرّج عينيه في الأوراق اللي رميتهاله على الترابيزة. القائمة بمليون جنيه، مؤخر الصداق، وعقود ملكية وفواتير بكل فتفوتة في البيت. بصلي المتر واستغرب الهدوء الشديد اللي كنت فيه، وقال:
ـ “يا مدام إلفت، أنتِ متأكدة إنك عايزة تبدأي بضرب نار كدة على طول؟ قضايا التبديد والنفقة دي هتخليه يلف حوالين نفسه، ومش بعيد فيها حبس!”
ابتسمت ببرود يرد الروح، وقلتله وأنا بسند ضهري لورا:
ـ “أنا مش عايزاه يلف حوالين نفسه يا متر.. أنا عايزاه يدوخ السبع دوخات، ويلف كعب داير على المحاكم. انزل بإنذار رسمى بتسليم المنقولات الزوجية اللي في شقتنا بكرة الصبح، واطلبلي نفقة زوجية ونفقة للعيال وبدل فرش وغطاء وأجر مسكن وحضانة.. عايزة الشكوى تترفع في كل حتة تقدر توصلها، وعايزة التنفيذ ينزل على قرش قرش يدخل جيبه!”
المحامي هز رأسه وهو بيسجل الملاحظات وقال:
ـ “تمام يا مدام.. هو مسيره يتزنق؛ العفش اللي في شقتكم لو ما سلموش بحالته وبالقطعة زي ما مكتوب في القائمة، هيتلبس في ق\ضية تبديد أعيان أمانة وفيها حبس وجوبي.. غير إن أحكام النفقة وأجر المسكن هتنزل على مرتبه في الشغل فوراً.”
خرجت من عند المحامي وأنا حاسة إن ناري بدأت تهدى.. بس المشوار لسه في أوله. شريف كان فاكرني الست العبيطة اللي هتقعد تعيط وتتحسر على شبابها اللي راح معاه، وما كانش يعمل حساب إن اللي استحملت قسوته وسكوتها سنين، لما تتقلب، هتهد المعبد على اللي فيه.
عدى يومين، وأنا قاعدة عند ماما، مكملة الدور تمام.. متصلة بيه بصوت هادي كأني مش عارفة حاجة:
ـ “إيه يا شريف؟ أنت فين يا حبيبي؟ طمني عليك، أصلك وحشتني والعيال يسألوا عليك.”
سمعت نفخته العصبية من ورا التليفون، ونبرة القرف اللي متعود عليها وهو بيتصنع المشغولية:
ـ “أنا في شغل يا إلفت، قايلك مسافر وشغال!! أنتِ ما بتشبعيش زن ورغي؟ اقفلي دلوقتي ولما أفضى هبقى أكلمك.. وخليكي عندك عند أمك يومين كمان مش فاضيلك!”
قفلت معاه وأنا بضحك من قلبي.. ياه على الغفلة! هو فاكر إنه بيربيني وبيقرفني عشان أنا اللي أطلب الطلاق وأتنازل، ومش دريان إن محضر المحكمة كان خلاص في طريقه لعنوان شقة أمه وشغله بإنذار تسليم المنقولات وقضايا النفقات!
بعد أسبوع بالتمام، كانت القنبلة فرقعت.
تليفوني رن، ولما بصيت لقيت اسمه بيتحرك على الشاشة زي الصرصار المذعور. سبته يرن مرة واتنين وتلاتة، وفي الرابعة رديت ببرود قاتل:
ـ “ألو.. خير يا شريف؟”
صوته جالي زي المجنون، بيهرج وبيصرخ، التنفس عنده مقطوع والغل طالع من بين سنانه:
ـ “أنتِ عملتي إيه يا فاجرة؟! أنتِ باعتالي إنذار تسليم قائمة منقولات ورافعة قضايا نفقة وبدل مسكن وحضانة ومستصدرة أحكام على شغلي؟! أنتِ اتجننتي ولا جرى لمخك حاجة؟!”
رديت بكل هدوء الدنيا، وأنا باخد بق قهوة:
ـ “الله! مش ده حق أولادك وحقي المادي يا شريف؟ أنت مش كنت خايف ألبسك في حيطة وأخد منك القائمة والمؤخر والنفقة المتلتلة؟ أنا قلت أختصر عليك الطريق وأريحك من القلق، وأخلي المحكمة هي اللي تحسبها بالورقة والقلم.. بالقرش والدقيقة!”
السكوت خيم على الخط ثواني.. الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. أدرك في لحظة إن كل حرف قاله وهو ماسك إيد “ست الحسن” في الضلمة، أنا كنت واقفة ورا الباب وسمعاه!
صوته اتقطع، ونبرته تحولت من الصراخ للذهول والخوف:
ـ “أنتِ.. أنتِ عرفتي منين؟ أنتِ كنتِ…”
قاطعته بنبرة حادة زي الموس:
ـ “كنت ورا الباب الموارب يا شريف.. سمعت كل كلمة، وشفيت عيني بدلعك وضحكتك اللي عمرك ما ضحكتها في بيتي. سمعت حساباتك المادية وخوفك على قرشينك عشان تدلع بيهم الهانم نادين.. وسمعت خطتك أنت وأمك عشان تطفشوني. بس أنا بقا مش هسيبك، ولا هسيب فتفوتة واحدة من حق عيالي.. العفش اللي في بيتنا هتدخل تسلمهولي بالورقة والقلم، لو حتة ناقصة أو مكسورة هلبسك قض\ية تبديد وأحبسك.. ومرتبك هيتخصم منه نفقات وأجر مسكن قبل ما يدخل جيبك جنيه واحد تدلع بيه الهانم!”
بدأ يتلعثم ويحاول يهدى ويصلح اللي اتكسر بلهفة ميتة:
ـ “إلفت.. استهدي بالله بس، نفهم.. والله أنتِ فاهمة غلط، نادين دي..”
ـ “نادين دي اللي هتقعد معاك على البلاط يا شريف!” صرخت فيها بصلابة هزت سماعة التليفون: “وريني بقى يا ابن المحظوظة هتجيب منين تدلع أميرة قلبك وترضي غرورك وأنت مديون ومتهدد بالحبس ومطلوب منك أجر مسكن ونفقات بالآلاف كل شهر!”
قفلت السكة في وشه قبل ما ينطق بكلمة..
وفي خلال شهور قليلة، كانت اللعبة انقلبت رأساً على عقب.
الأحكام نزلته على الأرض.. المحكمة حجزت على نفقات العيال والزوجية وأجر المسكن من مرتبه مباشرة، وأجبرته يتنازل ويسلم القائمة بالكامل تحت تهديد حبس التبديد. أمه اضطرت ترجع من البلد وهي بتولول لما لقت ابنها متهدد بالسجن وشقته الزوجية اتفضت ورجعتلي، والدنيا اتكركبت فوق دماغهم.
أما الهانم نادين؟ أول ما لقت إن “الدلع” وراه قضايا وحبس وفلس، ودبت المشاكل والفقر في شقة أمه اللي كانوا قاعدين فيها، أخدت بعضها ورجمته بالطلب، ورفعت عليه خلع وسابته يغرق في ديونه ومشاكله لوحده!
وقفت أنا في صحن المحكمة يوم ما أخدت ورقة طلاقي الرسمية وأنا مرفوعة الراس.. بتبصلي أمه بغل وكسرة، وبيبصلي هو بعيون ميتة طافية ما فيهاش غير الرجاء والندم. بصيتلهم وابتسمت نفس الابتسامة الباردة.. أصل اللي فاكر إن الست الطيبة هبيلة، بيصحى في الآخر يلاقي نفسه على البلاط!
بعد ما استلمت الورقة الرسمية لطلاقي، وخرجت من باب المحكمة، كانت الشمس بره طالعة حامية، بس الجو جوايا كان صافي بشكل ما حستوش من سنين.
ركبت عربيتي، وبصيت لنفسي في المراية.. شوفت “إلفت” التانية، المش الست اللي كانت بتستحمل معاملة حماتها القاسية وتسكت عشان بيتها، ولا الست اللي كانت بتتقفل في وشها الأبواب وتتساب على الرف. شوفت ست قدرت تاخد حقها بالقانون وبدماغ ساحبة كل خطوة بميزان.
تليفوني رن، وكانت ندى.. سلفتي.
ترددت ثانية قبل ما أرد، بس قلت أسمع عايزه إيه.
ـ “ألو.. إزيك يا إلفت؟” صلت ندى بصوت فيه مزيج من التوتر والفضول الشديد.
ـ “الحمد لله يا ندى، في خير؟”
ـ “أنا.. أنا عرفت إن كل حاجة خلصت اليومين دول وأخدتي طلاقك ونفقتك.. والله يا أختي أنا كنت خايفة عليكِ، بس ما كنتش متخيلة إنك هتعملي كل ده في شريف! أنتِ هديتي الدنيا فوق دماغه ودماغ أمه!”
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت لها بكل هدوء:
ـ “أنا مَهدّتش حاجة يا ندى.. أنا بس خليت كل واحد يشيل شيلته. شريف هو اللي اختار يبيع ويكدب ويحسبها بالمادة، وأنا حسبتها معاه بنفس طريقته، بس بالورقة والقلم والقانون.”
سكتت ندى شوية، وبعدين قالت بصوت واطي كأنها بتذيع سر:
ـ “تعرفي إن حماتك قعدت تلعن وتتحسبن في الراحة والجاية؟ وشريف خلاص بقى عايش مع أمه في الشقة، لا طال نادين ولا طال الفلوس اللي كان فاكر إنه هيوفرها.. بقى يمشي في الشارع يكلم نفسه من كتر القضايا والديون اللي عليه، وأمه كل يوم تجيب ناس يتدخلوا عشان تتنازلي عن أجر المسكن والنفقة!”
رديت عليها بنبرة حاسمة قطعت أي أمل عندهم:
ـ “قولي لحماتي يوفروا نهداتهم.. القرش اللي من حق عيالي مش هينزل منه مليم واحد، وأجر المسكن ده دين في رقبته لحد ما العيال يكبروا. اللي كان خايف يلبس في حيطة، هو اللي بنى الحيطة دي بإيده لبنة لبنة.”
قفلت مع ندى، ومشيت بالعربية على بيت ماما. دخلت لقيت الولاد بيلعبوا وضحكتهم مالية المكان. أعدت معاهم، ولأول مرة من فترة طويلة، حسيت إن صدري مفتوح، ومافيش تقلت الخيانة ولا الوجع اللي كان مكتوم جوايا.
بعد كم شهر، شريف حاول يبعت ناس كبار من العيلة يتوسطوا، وحاول يبعتلي رسائل اعتذار وتوسل على الواتساب، يفكّرني بالأيام القديمة والعيال، ويبين قد إيه هو ندمان وإن نادين دي كانت غلطة وعميّة عين!
قريت الرسائل كأني بقرأ خبر في الجريدة.. من غير أي مشاعر، لا كره ولا حنين.
كتبت له رد واحد بس:
ـ “الأيام القديمة أنت قتلتها يوم ما وقفت تتاجر بحقي وحق عيالك عشان تشتري رضا غيرنا. وفر كلامك للمحكمة، وأي تواصل بعد كده هيكون عن طريق المتر.”
عملت له بلوك، وقفلت الصفحة دي من حياتي للأبد.
ركزت في تربية عيالي، وفي شغلي وحياتي الجديدة. أخدت الشقة اللي تمكنت منها ووضبتها على ذوقي، ورجعت عفشي اللي استلمته بالقطعة، وخليت بيتي مكان دافي وهادي خالٍ من النكد والقسوة.
شريف اتقلب من حياتي لمجرد استقطاع شهري بيتحول من مرتبه للمحكمة كل أول شهر.. درس اتعلمته بالغالى: إن السكوت مش دايماً طيبة، وإن اللي يحسبها معاك بالقرش والخيانه، مالوش عندك غير بالقانون وبأقسى رد!
بعد ما قفلت الباب تماماً في وش شريف ورسائله المقتضبة، كنت فاكرة إن قصة “نادين” انتهت عند حد الخلع والجري أول ما المادية اتزنقت.. بس الدنيا أثبتتلي إن الساقي لازم يسقى بما سقى، وكما تدين تدان، بالظبط وبنفس الكأس.
عدت السنين، وبحكم إن الدنيا صغيرة، والأخبار في عائلاتنا بتلف وترجع، عرفت باللي جرى لهانم الدلع من ندى سلفتي، بس المرة دي ندى كانت بتتكلم وهي مذهولة من تدبير ربنا!
نادين بعد ما هربت من شريف ورفعت عليه الخلع عشان تنجد بجلدها من الفلس والقضايا، كانت فاكرة إن جمالها ودلالها هيفتحولها أبواب الجنة، وإنها تقدر تصطاد “صيد جديد” يعوضها عن التجربة اللي فشلت فيها.
فعلاً، ما كملتش سنة وكانت اتجوزت راجل أعمال مريش، أكبر منها بكتير، عنده فلوس مالهاش حصر، وشقة في أرقى حتة. افتكرت إنها وصلت، وشافت نفسها على الكل، وقعدت تتباهى بسبايك الذهب والفساتين والدلع اللي غرقت فيه.
بس اللي نادين ما حستش بيه، إن اللي بيتبني على خراب بيوت، ما بيعمرش أبداً.
زوجها الجديد ده كان طالع من تجارب جواز متعددة، وثعلب سوق فاهم كل الألاعيب. ما كملتش معاها سنة الجواز الأولى، حتى اكتشفت إنه ما بيتسجلش باسمها قشرة بصلة! كان كاتب كل أملاكه، وشققه، وحتى العربيات اللي بتركبها باسم أولاده من مراته الأولى، ومكتّفها بعقود تنازل وتعهيدات قانونية كانت هي بتوقع عليها وهي مغمية عيونها بالهدايا والشوبينج.
والأنكى من كده؟ إنه كان راجل قاسي جداً وشكّاك لأقصى درجة. كان حاطط عليها حراسة ومراقبة في كل خطوة بتمشيها، وممنوع تخرج ولا تروح ولا تيجي إلا بإذنه، وممنوع تشوف أهلها غير فين وفين. الدلع اللي كانت بتمثله على شريف والرقص على جراح غيرها، اتحول لسجن من ذهب!
وفي يوم، لما حاولت تتنطط عليه وتطلب الطلاق أو تهدده زي ما عملت مع شريف، ضحك في وشها ببرود وقالها:
ـ “أنتِ فاكرة نفسك مين يا شاطرة؟ أنتِ حتة ديكور في بيتي! تدلعي وتاكلي وتشربي وتسكتي.. إنما حقوق وفلوس؟ أنتِ طالعة من الجوازة دي بلباسك، ولو فكرتي تفتحي بقك أو ترفعي ق\ضية، أنا عندي أسطول محاميين يلبسوش قضايا وتدفعي اللي فوقك واللي تحتك!”
ولما زادت في العناد وجربت تلعب لعبة المحاكم، كان قارئها صح.. رماها في الشارع في ليلة وما حيلتهاش مليم، ورفع عليها قضايا إثبات نشوز وتدليس، وخرجت من عنده زي ما دخلت، لا طالت قرش ولا طالت قيمة، وسيبها للشارع بفضايح.
الأمر اللي كسرها بجد ونهى على بقايا غرورها، إنها اضطرت ترجع تعيش مع أمها في نفس المنطقة، وصورتها اللي كانت بتتباها بيها قدام قرايبها اتهزت بقت الأرض. بقت تمشي وشتيمتها على كل لسان، والكل عارف إنها دخلت بيوت الناس خربتها وخرجت منها على المافيش.
حتى شريف لما عرف باللي جرى لها، بدل ما يحن لها أو يزعل عليها، بقى يضحك بسخرية وشماتة ويقول للأقارب:
ـ “ربنا جابلي حقي منها.. دي كانت حية وحصلت جزاها!”
سمعت القصة دي كلها وأنا قاعدة في صالون بيتي الجديد، بشرب قهوتي في هدوء، والولاد بيلعبوا حواليّ. ما حسيتش بشماتة.. حسيت بس بإحساس غريب بالعدالة الإلهية.
نادين وشريف كانوا فاكرين إنهم أذكياء، وإنهم يقدروا يبنوا سعادتهم على أنقاض بيتي ودموع ولادي.. بس نسيوا إن دايرة الزمن بتدور، وإن الحساب في الدنيا بيتدفع كاش وقبل الآخرة.
قفلت ملف نادين وشريف من دماغي للابد، وبصيت لمستقبلي ولولادي وأنا عارفة إن حق العبد ما بيضيعش، طالما أخد حقك بالقانون واستودعت الباقي عند رب العباد!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *