ف المترو انجي الخطيب 2
تسمرت في مكاني، والورق في إيدي بيترعش لدرجة إن صوته كان مسموع في هدوء الشقة القاتل. صوت خطوات هشام كان بيقرب من أوضة المكتب، وقلبي كان بيدق في در,,ــــصي زي طبول الحرب.
في ثوانٍ، وبسرعة مش عارفة جبتها منين، رميت الورق جوه الدرج ورزعته بقوة، ولفيت ضهري بسرعة وسندت على المكتب وأنا بحاول أتنفس طبيعي.
الباب انفتح، وهشام وقف على العتبة. عينه جت عليا فوراً، ونظرته اتطبعت بالشك لما شاف ملامحي المخطوفة وإيدي اللي كنت مخبياها ورا ضهري. دــ,,ـــــخل خطوتين وبص للدرج المقفول، وبعدين بص في عيني وقال بنبرة هادية بس تخوف:
“ليلى؟ إنتي بتعملي إيه هنا في مكتبه؟ وأوضتك ضلمة كده ليه؟”
بلعت ريقي وبصيت له وأنا بحاول أجمع كل طاقة التمثيل اللي في الكون:
“كنت.. كنت بدور على مسكن يا هشام. التعب زاد عليا فجأة ومبقتش قادرة، وقلت يمكن تكون شايل علبة مسكن هنا في درج المكتب.”
قرب مني أكتر، لدرجة إن أنفاسه بقت قريبة من وشي، ومد إيده ومسح على شعري بحنان مصطنع رعبني، وقالي بصوت واطي:
“مسكن؟ بس إنتي عارفة إني مش بشيل أدوية هنا يا حبيبتي.. وبعدين، مال صوتك بيترعش كده؟ إنتي مخبية عني حاجة؟”
في اللحظة دي، تليفونه اللي في جيبه رن. هشام سكت وبص للشاشة، وملامحه اتغيرت تماماً.. اتقبــ,,ـــــضت وبقى شكلها مشدود. سابني وطلع بره الأوضة بسرعة وهو بيرد بصوت واطي جداً: “أيوة.. أنا معاك، قولي إيه الأخبار؟”
مضيعتش ثانية. اتسحبت وراه بهدوء ووقفت ورا باب الصالة وأنا كاتمة نفسي عشان أسمع بيقول إيه. كان بيتكلم وهمسه سريع ومتوتر:
“بتقول إيه؟ التأمينات اتصلوا بيك؟.. لأ، لسه محصلش حاجة، بس الموضوع مسألة وقت.. الدكاترة نفسهم مش فاهمين مالها.. الجرعة مظبوطة زي ما قولتلي.. أيوة، السلسلة في رقبتها طول الوقت.. متقلقش، كله تمام.”
كل كلمة نطقها كانت زي مسمار بيدق في نعشي. جوزي، البني آدم اللي عشت معاه خمس سنين وأمنته على حياتي، مستني مــ,,ـــــوتي بفارغ الصبر عشان ياخد فلوس التأمين، وبيتفق عليا مع المهندس بتاع مركز البحوث! الدموع جفت في عيني وحل مكانها غضب رهيب ورغبة في الانتقام.
قفل السكة ولف ضهره، فرجعت بسرعة لأوضة النوم وعملت نفسي نايمة على السر,,ـــــير ودموعي بتنزل في صمت. دــ,,ـــــخل الأوضة وبص عليا، وافتكرني نايمة، فساب الشقة ونزل تاني بسرعة، غالباً عشان يقابل الشخص اللي كان بيكلمه.
أول ما الباب اتقفل، قمت من على السر,,ـــــير زي المجنونة. مكنش ينفع أستنى أكتر من كده، حياتي بتضيع كل دقيقة السلسلة دي موجودة فيها في البيت. أخدت موبايلي، والورق اللي صورته بسرعة من مكتبه، والسلسلة اللي حطاها في كيس رصاص صغير كان الجواهرجي ادهولي عشان يمنع الإشعاع.
نزلت من البيت وأنا مقررة إني مش هرجع للبيت ده تاني كضحية. ركبت تاكسي وطلعت فوراً على قسم الشرطة، ودــ,,ـــــخلت لمكتب رئيس المباحث وأنا بنهج. رميت الكيس الرصاص والورق على مكتبه وقلت بصوت قاطع وثابت لأول مرة:
“أنا اسمي ليلى.. وجوزي بيحاول ي.ني بالإشعاع عشان ياخد فلوس التأمين، ودي الأدلة!”
الظابط بص للورق وبص للكيس باستغراب، ولسه هيتكلم.. لما تليفوني رن برقم هشام. الظابط شاورلي أفتح الخط وأشغل المايك. فتحت السبيكر وأنا كلي رعب، وجالي صوته المرعوب والجهوري من الناحية التانية:
“ليلى!! إنتي فين؟ السلسلة مش في العلبة.. والدرج السري مفتوح! إنتي روحتي فين يا ليلى؟ انطقي!”
الظابط شاورلي برأسه إني أرد وأجاريه، فقلت بصوت مرعوب: “أنا.. أنا تعبت وروحت المستشفى يا هشام.. مستشفى (…).”
هشام سكت لحظة، وبعدين ضحك ضحكة شريرة عمري ما سمعتها منه قبل كده، وقال بنبرة باردة كأنها جاية من القبــ,,ـــــر:
“مستشفى؟ ومأخدتيش السلسلة معاكي ليه يا ليلى؟ على العموم.. إنتي افتكرتي إنك هربتي؟ أنا عارف إنتي فين بالظبط دلوقتي.. وباصص عليكي!”
بصيت من شباك مكتب الظابط اللي بيطل على الشارع برعب، ولاقيت…
يُتبع…
ولاقيت عربية هشام واقفة على الرصيف التاني قدام باب القسم بالظبط! كان قاعد جوه العربية، باصص لفوق، وعينه متثبتة على شباك المكتب اللي أنا واقفة فيه. رفع إيده وبص في ساعته، وبعدين ضحك وهز رأسه ببرود رعبني. دمي هرب من عروقي ورجعت خطوتين لورا وأنا بصرخ: “هو بره! جوزي واقف بره ومراقبني!”
الظابط وقف بسرعة، ملامح وشه اتغيرت وبقت جادة جداً. شاور لثنين من العساكر والمخبرين وقال بحسم: “انزلوا هاتوه فوراً.. من غير شوشرة.”
في دقايق معدودة، كانت الصالة بره مقلوبة. سمعت صوت زعيق هشام وهو بيحتج: “أنا معملتش حاجة! إنتوا واخديني فين؟ أنا جاي أدور على مراتي اللي هربت من البيت!” دــ,,ـــــخل الأوضة وعينه كانت بتطق شرار أول ما شافتني واقفة جنب الظابط، والورق والسلسلة محطوطين على المكتب.
الظابط قعد بمظهر هادي وبص له وقال: “اتفضل اقعد يا ساد الفاضل.. البلاغ اللي ضدك مش عادي، ده شروع في .، واستخدام مواد مشعة ومحرمة دولياً.”
هشام وشه اتقلب ألوان، بس حاول يتماسك بسرعة وبصلي بنظرة عتاب مصطنعة: “إشعاع إيه ومواد إيه يا فندم؟ مراتي مريضة نفسياً وبتتوهم، الدكاترة كلهم قالوا إنها بتعاني من توتر عصبي وهلاوس! السلسلة دي دهب صافي جابهالها في ذكرى جوازنا، وممكن تفحصوها!”
الظابط ابتسم بسخرية وسحب الكيس الرصاص، وطلع السلسلة بملقاط وحطها قدامه: “الدهب الصافي مش بيتحط في كيس رصاص مخصوص يا هشام بيه.. وإحنا بعتنا بالفعل في طلب خبير من هيئة الطاقة الذرية ييجي يفحص الدلاية دي بجهاز قياس الإشعاع (جيجر) عشان نقطع الشك باليقين. والورق ده؟” شاور على شهادة التأمين وكارت المهندس: “الورق ده كمان هينور طريقنا في التحقيق.”
لما هشام شاف كارت المهندس “مدحت” بتاع مركز البحوث النووية، ثقته بنفسه اتهزت تماماً، وبدأت حبات العرق تنزل من على جبهته. الظابط لاحظ ارتباكه، فطلب حجز هشام في الحجز تحت التحفظ لحد ما الخبير يوصل والمعاينة تتم.
قعدت في مكتب جانبي وأنا حاطة راسي بين إيديا، جسمي كله مهدود من التعب ومن الصدمة. الراجل اللي عشت معاه وبنيت معاه أحلامي، كان بيخطط ينهي حياتي بدم بارد عشان شوية فلوس!
بعد حوالي ساعتين، وصل الخبير ومعاه جهاز صغير بيطلع صوت “تكتكة” منتظمة. أول ما قرب الجهاز من الدلاية، الصوت اتغير تماماً وتحول لصفارة مستمرة وسريعة جداً وهستيرية! الخبير وشه شحب وبص للظابط وقال بصوت مخضوض: “يا فندم.. القراءة عالية جداً ومؤذية! الفص ده جواه مادة ‘السيزيوم 137’ المشعة، ومحمي بطبقة رصاص خفيفة من الخلف عشان توجه الإشعاع كله لنسبة الدر,,ــــص والرقبة للشخص اللي لابسها! دي جريمة . منظمة!”
الظابط بصل برعب، وأمر بنقل السلسلة فوراً في صندوق عزل مخصص. وفي نفس اللحظة، دــ,,ـــــخل عسكري ومعاه تقرير فحص تليفون هشام اللي اتصادر منه: “يا فندم، فتحنا الرسايل الأخيرة على تليفون المتهم.. ولقينا مدــ,,ـــــادثة مرعبة بينه وبين المهندس.”
الظابط أخد التقرير وقرأه، وعينيه وسعت من الصدمة، وبصلي بنظرة شفقة وخوف وقال: “الموضوع أكبر من مجرد فلوس تأمين يا ليلى.. هشام مكنش شغال لوحده، وفي سر تاني في حياته كان لازم يمــ,,ـــــوتك علشانه.. السر ده مكتوب هنا في الرسالة!”
وقبل ما الظابط ينطق بالسر، الباب انفتح بعنــ,,ـــــف ودــ,,ـــــخل عسكري وهو بينهج ويقول: “يا فندم! المتهم هشام غمي عليه في الحجز.. وطلع دم من بوقه!”
يُتبع…