بعد 8 أيام بس من دفن جوزي
بعد 8 أيام بس من دفن جوزي طردني حمايا تحت المطر أنا وأولادي الستة، وقال بصوت عالي
لمي عيالك واغوري من هنا ابني مات وانتي مالكيش مكان في البيت ده!
الكلام خرج من فم الحاج عبدالسلام الجارحي زي صدمة قاسية.
كان الوقت قرب نص الليل في فيلا كبيرة في التجمع الخامس، والمطر بينزل بغزارة كأنه بيغسل كل حاجة حوالينا.
كنت واقفة قدام البوابة شايلة بنتي الصغيرة اللي لسه مكملتش سنة، وباقي أولادي واقفين ورايا بيرتعشوا من البرد، شايلين شنط المدرسة وكيسين هدوم رمتهم حماتي على الأرض.
جوزي، أحمد لسه مدفون من 8 أيام بس.
8 أيام من بعد ما السرطان أخده مني، بعد شهور كنت بشوفه بيضعف يوم ورا يوم وأهله ما كانوش بيجوا غير عشان يتكلموا عن الفلوس والدكاترة وشكل العيلة قدام الناس.
قلت له وأنا بحاول أمسك دموعي
يا حاج عبدالسلام دول أحفادك. والبيت ده كان بيت أحمد برضه.
طلعت حماتي، مدام سعاد، من وراه متشيكة كأنها رايحة فرح، وقالت ببرود
كان بتاع أحمد عشان إحنا اللي اديناهوله لكن إنتي عمرك
ما كنتي مننا يا منى. بنت من منطقة شعبية عمرها ما تبقى ست من عيلة الجارحي.
ابني الكبير، يوسف، 13 سنة، اتحرك خطوة لقدام وعينه مليانة غضب
بابا قال إن ماما هتفضل هنا معانا أنا سمعته.
فجأة
الحاج عبدالسلام رفع إيده وضربه بالقلم قدام الكل.
الصوت دوّى في المكان
وحسّيت إن قلبي اتكسر.
ما تلمسش ابني تاني! قلتها وأنا حضنة بنتي بقوة.
ضحك باستهزاء
وهتعملي إيه؟ هتشتكيني بإيه؟ بالفلوس اللي جيتي بيها من حارتك؟
بناتي كانوا بيعيطوا، والتوأم مستخبيين في هدومي، وبنتي الصغيرة حرارتها عالية وبتتنفس بصعوبة على كتفي.
حماتي رمت كيس تاني على الأرض، والهدوم اتبلت في الميه
غيرنا الكالون ولو قربتي، هنقول إنك مختلة. أرملة غلبانة ب عيال محدش هيصدقك.
بصيت حواليّا
قرايب، جيران، ناس بتتفرج محدش دافع عني ولا عن ولادي.
14 سنة وأنا ساكتة عشان أحمد
سكت لما اتقال عليا طماعة، سكت لما عيالي اتقال عليهم قلة تربية، سكت لما أحمد كان بيموت وهم مهتمين بالممتلكات أكتر من وجعه
بس الليلة دي ما قدرتش أسكت.
مسكت إيد يوسف ومشيت ناحية الشارع
ما كانش عندي مكان أروح له، ولا خطة
غير ولادي المبلولين وملف أصفر مخبيه في شنطة البيبي
نفس الملف اللي أحمد إداهولي قبل ما يموت ب أسابيع.
قال لي وقتها
يا منى لو أهلي حاولوا يطردوكي، روحي للمحامية دينا فؤاد وما تفتحيش الملف غير ساعتها.
وقفت تحت المطر وبصيت لحمايا
قبل ما تفرح قوي راجع مين المالك الحقيقي للبيت ده.
وشه اتغير
وحماتي سكتت لأول مرة.
ولأول مرة من ساعة ما طردونا
السكوت كان سيد الموقف.
لأن الحقيقة اللي جاية
ولا حد في عيلة الجارحي كان يتخيلها.
إنت لو مكان منى كنت هتمشي وتسكت عشان تحمي عيالك؟
ولا كنت هتواجههم بالحقيقة في نفس اللحظة؟
شكراً إنك كملت القراءة لحد هنا
القصة لسه في بدايتها الجزء الجاي أقوى بكتير
الجزء الثاني
المطر كان بيغرق الشارع وأنا واقفة مكاني، مش قادرة أتحرك.
كلامي وقع عليهم زي الصاعقة خصوصًا جملة مين المالك الحقيقي.
الحاج عبدالسلام حاول يتمالك نفسه وقال بعصبية
بتخرفي تقصدي إيه بالكلام ده؟
ابتسمت لأول مرة من ساعة ما طردونا ابتسامة هادية، بس وراها سنين من الوجع.
أقصد إن أحمد ما كانش غبي وكان عارف كل حاجة.
ملامح حماتي اتشدت، وقربت خطوة وهي بتقول بحدة
إنتي بتلعبي بالنار يا منى!
ما رديتش
بس فتحت شنطة البيبي بهدوء، وطلعت الملف الأصفر.
أول ما شافوه
سكتوا.
سكتوا بطريقة خوّفتني أنا نفسي.
إيه ده؟ قالها الحاج عبدالسلام بصوت منخفض.
ده الأمانة اللي أحمد سابهالي رديت وأنا بفتح الملف قدامهم.
ورقة ورا ورقة
عقود، توكيلات، ختم رسمي
لحد ما طلعت أهم ورقة فيهم، ورفعتها قدامهم
عقد ملكية البيت باسمي.
يوسف بص لي بصدمة
يعني إحنا مش مطرودين؟
بصيت له بعين مليانة دموع، بس صوتي كان ثابت
محدش يقدر يطردنا.
الحاج عبدالسلام خطف الورقة من إيدي بعصبية، وبدأ يقرا
وكل كلمة كانت بتكسر غروره حتة حتة.
مستحيل مستحيل! قالها وهو بيبص لمراته.
لكن الحقيقة كانت أوضح من أي إنكار.
العقد موثق من 3 سنين
بتوقيع أحمد نفسه.
حماتي بدأت تتلخبط
أكيد مزورة! أحمد عمره ما يعمل كده!
ضحكت ضحكة خفيفة
لا، عمل لأنه كان عارف إنكم ممكن تعملوا اللي عملتوه النهارده.
وساعتها
حسيت إن كل نظرة
لمحة نيوز
احتقار شفتها منهم طول السنين بتنهار قدامي.
لكن لسه ما خلصتش.
قفلت الملف، وقلت بهدوء
وده مش كل حاجة.
سكتوا كلهم.
في نسخة من كل الأوراق دي عند المحامية دينا فؤاد ولو حصلي أنا أو عيالي أي حاجة هتتفتح قضايا محدش فيكم هيخرج منها بسهولة.
المطر كان بيهدى
بس التوتر في الجو كان بيزيد.
الجيران اللي كانوا بيتفرجوا بقوا يهمسوا.
أول مرة
الكفة اتقلبت.
الحاج عبدالسلام رجّع الورق بإيد بترتعش
وقال بصوت واطي
إنتي مش هتفضلي هنا.
رفعت حاجبي
ده بيتي.
وساعتها
عرفت إن المعركة الحقيقية لسه هتبدأ.
يا ترى هيستسلموا؟
ولا هيحاولوا ياخدوا البيت بأي طريقة؟
الجزء الثالث هيكون صدمة حقيقية
استعدوا للي جاي
الجزء الثالث والأخير
الجو كان تقيل كأن الدنيا كلها مستنية اللي هيحصل.
الحاج عبدالسلام واقف قدامي، أول مرة أشوفه ساكت بالشكل ده
لا صراخ، لا أوامر بس نظرة مليانة خوف.
أنا دخلت خطوة لجوه البوابة
ولأول مرة من ساعة ما اتجوزت أحمد، حسيت إن المكان ده مش بيخنقني.
قلتلكم ده بيتي.
حماتي حاولت تتكلم، بس صوتها طلع مهزوز
حتى لو الورق ده صحيح إحنا مش هنسيبك تعيشي هنا!
بصيت لها بهدوء
خلاص، يبقى القانون هو اللي بينا.
وطلعت موبايلي وضغطت على رقم محفوظ من زمان.
ألو يا أستاذة دينا؟ أيوه، أنا منى.
سكت لحظة، وبعدين كملت
أنا قدام البيت دلوقتي واللي كنا متوقعينه حصل.
وشهم شحب.
بعد أقل من 20 دقيقة
عربية وقفت قدام الفيلا.
نزلت منها محامية في قمة الثقة ومعاها اتنين رجال.
مساء الخير أنا المحامية دينا فؤاد.
قدّمت لهم صورة من العقد، وقالت بثبات
البيت ده مسجل رسمي باسم الأستاذة منى أحمد الجارحي وأي محاولة طرد تعتبر جريمة يعاقب عليها القانون.
الحاج عبدالسلام حاول يتكلم
بس دي
قاطعته
وأي اعتداء حصل على الأطفال متوثق، وممكن يتحول لقضية جنائية.
ساعتها
الصمت رجع تاني.
بس المرة دي كان صمت هزيمة.
الجيران اللي كانوا بيتفرجوا بقوا شهود.
حماتي قعدت على الكرسي كأنها فجأة كبرت 20 سنة.
أما أنا
فأول مرة من سنين أخدت نفس عميق من غير خوف.
مسكت إيد ولادي، ودخلنا البيت.
نفس البيت اللي خرجنا منه مذلولين من شوية
رجعنا له مرفوعي الرأس.
عدّى أسبوع
القضايا بدأت
والحقيقة كلها ظهرت.
أحمد ما كتبش البيت باسمي بس
ده كمان سايب وصية بتكشف تحويلات فلوس، ومحاولات من أهله للسيطرة على كل حاجة وهو مريض.
القانون ما سابش حد.
وفي النهاية
الحاج عبدالسلام ومراته خسروا كل حاجة تقريبًا.
أما أنا
فما كسبتش بيت بس
كسبت كرامتي
وحق ولادي
ووعدي لأحمد إني مش هسكت تاني.
وقفت قدام صورة أحمد في الصالة
وابتسمت وأنا بقول
ارتاح أنا نفذت كل اللي طلبته.
لو كنت مكاني كنت هتسامحهم بعد كل ده؟
ولا تعتبر اللي حصل درس لازم يتدفع تمنه؟
النهاية لكن الحقيقة إن في ناس كتير لسه عايشة قصص شبه دي.
لو وصلت لهنا قول رأيك
تمت حكايات محمد عبده
