عروسة جديدة ج 2 حكـايات رومـاني مكـرم

الجزء الرابع: “طريق العودة”

وقفت على أول السلم للحظة واحدة بعد ما سمعت جملة كريم، الجملة نزلت على وداني زي الصاعقة، “لو خرجتِ من باب العمارة يا ندى… لا أنتِ مراتي ولا أعرفك!”. التفت ورايا ودموعي مغرقة وشي، لقيت كريم واقف على أول السلم وفوقه أمه وبناتها باصين عليا من فوق، والنظرة اللي في عينيهم كانت كلها شماتة وكبرياء. في اللحظة دي، حسيت إن كرامتي اللي اتهانت في المطبخ أهم من أي حاجة تانية، ومقدرتش أتحمل فكرة إني أرجع ألتفت لورا أو أستسلم لتهديده. لفيت وشي ونزلت السلم جري، وأنا بسمع صوت حماتي من فوق وهي بتقول بصوت عالي واصل للشارع: “سيبها تغور يا واد، المركب اللي تودي، دي من أولها مش وش نعمة ولا عمرها هتعرف تصونك!”.

خرجت من باب العمارة والشارع كان شبه فاضي لأن الوقت كان بعد العصر والدنيا حر. كنت ماشية مش شايفة قدامي، ودموعي بتنزل من تحت النضارة، والعباية اللي كنت شايلاها على إيدي لبستها وأنا ماشية في الشارع بطريقة عشوائية. كل اللي كان في بالي في اللحظة دي هو شكل كريم وهو بيزعقلي قدام إخواته، وشكل حماتي وهي بتتبلى عليا وتتمسكن قدامه. معقول شهرين جواز يتهدوا علشان حلة عدس وشوية مواعين؟ معقول كريم اللي كان بيحلف بحياتي ويقولي أنتِ كل دنيتي، يبيعني بالسرعة دي ومن غير ما يسمعني حتى؟!

طلعت موبايلي من الشنطة وإيدي كانت بترتعش لدرجة إنه بغى يقع مني على الأرض. اتصلت ببابا، وأول ما سمعت صوته وهو بيقول: “أيوة يا ندى يا بنتي، عاملة إيه عند حماتك؟”، ملقيتش نفسي غير وأنا بنفجر في العياط وبقوله: “تعالالي يا بابا أنا في الشارع، كريم طردني وحماتي بهدلتني”. بابا اتخض وصوته اتغير تمامًا وقال: “أنتِ فين بالظبط يا بنتي؟ متتحركيش من مكانك، أنا جايلك حالاُ”. وقفت في جنب الشارع مستنية بابا، وكل دقيقة كانت بتعدي عليا كأنها سنة، والناس اللي رايحة وجاية تبص عليا وعلى منظري وأنا بعيط.

بعد ربع ساعة، وصلت عربية بابا، نزل منها بسرعة وشاف منظري، جري عليا وأخدني في ح.ضنه وهو بيطبطب عليا ويقول: “اهدئي يا بنتي، اهدئي يا حبيبتي ومتقلقيش، طول ما أنا عايش على وش الدنيا محدش يقدر يكسر نفسك”. ركبت العربية معاه، وطول الطريق مكنتش قادرة أبطل عياط، وبابا كان سايق وهو ساكت وعلى وشه علامات غضب شديدة، لكنه مكنش عوز يضغط عليا بالأسئلة لحد ما أهدى. وصلنا البيت، وأول ما أمي شافتني بالمنظر ده، شهقت وحطت إيدها على صدرها: “يا لهوي! في إيه يا بنتي؟ إيه اللي جرى لك في بيت الناس؟”.

دخلت أوضتي القديمة، الأوضة اللي سبتها من شهرين بس عشان أروح بيت كريم وأبني حياة جديدة. رميت نفسي على السرير وفضلت أعيط لحد ما حسيت إن راسي هيتفرتك من الصداع. أمي دخلت ورايا بكوباية مية بسكر، وقعدت جنبه تطبطب على ضهري وتقولي: “احكيلي يا ندى يا بنتي، إيه اللي حصل؟ كريم عمل فيكِ إيه؟ ده أنا كنت شيفاه بيحبك وبيخاف على زعلك”. بدأت أحكي لأمي وبابا كل حاجة من أول ما دخلنا شقة حماتي وشفت بناتها قاعدين حاطين رجل على رجل، لحد عزومة الكشري والعدس، والخطط اللي كانت مترتبة عشان يكسروا فرحتي كعروسة جديدة، ووصولاً لكلام حماتي في المطبخ ورد فعل كريم وتهديده ليا على السلم.

بابا كان بيسمع وهو بيجز على سنانه، وعينيه مليانة شرار، وقال: “بقى الحكاية كده؟ باعتين ياخدوا بنتي عروسة عشان يشغلوها عند بناتهم؟ والجدع اللي عامل نفسه راجل، بدل ما يحمي مراته ويصون كرامتها، يهددها بالطلاق عشان مواعين؟!”. أمي كانت بتبكي وتقول: “يا حبيبتي يا بنتي، كل ده يحصلك وأنتِ لسه مكملتيش شهرين؟ ده بدل ما يفرحوا بيكِ ويدلعوكِ!”. بابا وقف وقال بحسم: “تلفونك ده يقفل خالص يا ندى. مفيش أي تواصل بينك وبينه، وأنا اللي هعرف أرد على كريم وعلى أمه، وأعلمهم إزاي يحترموا بنات الناس، والبيت اللي ملوش كبير، بنتنا متقعدش فيه ثانية واحدة”.

قُفلت الموبايل زي ما بابا قال، وحسيت بنوع من الأمان وأنا في بيت أبويا، لكن الوجع اللي في قلبي مكنش راضي يروح. في نفس الوقت، في شقة حماتي، الدنيا مكنتش هادية. كريم بعد ما نزلت، دخل الشقة وهو متنرفز وعصبي، ورقع الباب وراه بكل قوته. حماتي أول ما شافته دخل، بدأت تولول تاني وتقول: “شفت يا كريم؟ شفت مشيت إزاي وسابت البيت؟ دي واحدة مش باقية عليك ولا على بيتك، دي جاية تتنطط علينا وتعمل فينا الباشا!”. سعاد ومها قعدوا يسخنوا في كريم ويقولوا: “أيوة يا كريم، دي من أولها كده بتكسر كلامك وبتنزل الشارع من غير إذنك، دي لو رجعت تاني من غير ما تتربى، هتركبك وترت horseback على إخواتك وأمك!”.

كريم كان قاعد حاطط راسه بين إيديه، الغضب كان عاميه، لكن في نفس الوقت كان جواه حتة بتأنبه لأنه عارف إن ندى عمرها ما كانت قليلة الأدب أو بتعلي صوتها. بس كبريائه قدام أمه وإخواته منعه إنه يعترف بغلطه. طلع موبايله واتصل بيا، لقى المطبخ مقفول. اتصل تاني وتالت، والخط يعطي مغلق. وشه احمر وزاد غضبه، وقام وقف وقال لأمه: “ماشي يا ندى، أنتِ اللي اخترتِ تضيعي بيتك بإيدك، وأنا مش هجري وراكِ، وأهو بيت أبوكِ وريني هينفعك بإيه!”.

مرت يومين وأنا في بيت بابا، الموبايل مقفول، والبيوت هادية من برة لكنها بتغلي من جوة. لحد ما جه يوم السبت بالليل، وسمعنا جرس الباب بيرن بصوت قوي ومتواصل…

الجزء الخامس: “مواجهة على أعتاب البيت”

لما جرس الباب رن بالصوت القوي والمتواصل ده، قلبي انقبض ورجعتلي نفس الرعشة اللي حسيت بيها وأنا نازلة على السلم. بصيت لبابا اللي قام من مكانه بكل ثبات وهدوء، وأمي خرجت وراه من المطبخ وهي مخضوضة وبتعدل طرحتها. بابا بصلي وقال بنبرة حاسمة: “ادخلي أوضتك يا ندى، وماتخرجيش منها مهما حصل، أنا اللي هق Use الباب ده”.

دخلت الأوضة وواربت الباب حاجة بسيطة عشان أسمع وأشوف من غير ما حد يشوفني. بابا قرب من الباب وفتحه، ولقيت كريم واقف برة، وشه كان باين عليه الإرهاق والغضب في نفس الوقت، وتحت عينيه أسود كأنه منامش بقاله يومين. أول ما شاف بابا، حاول يغير نبرته وقال بصوت فيه كبرياء متحفظ: “السلام عليكم يا عمي، أنا جاي عشان أخد مراتي، وأظن عيب أوي تقفل موبايلها ويومين تقعدهم برة بيتها من غير إذني”.

بابا وقف في نص الباب وموسّعش ليه عشان يدخل، وبص له ببرود شديد وقال: “وعليكم السلام يا كريم. ندى مش هتمشي معاك، وبيتها اللي بتتكلم عنه ده، بنتي خرجت منه مكسورة الخاطر ومتهانة، والبيت اللي تتهان فيه بنتي ميبقاش بيتها”.

كريم اترفز من طريقة بابا وقال وصوته بدأ يعلى: “يا عمي أنا مطلبتش منها المستحيل! دي كانت عزومة عند أمي، وأمي طلبت منها تساعدها في المطبخ، قامت هي علت صوتها واتنططت علينا وقالت أنا عروسة مش هغسل مواعين، ولما جيت ألم الموضوع وأقولها اعتذري لأمي، سابت البيت ونزلت في الشارع وكسرت كلامي قدام أهلي! أظن ميرضيكش إن مراتي تكسر كلمتي بالشكل ده؟”.

في اللحظة دي، بابا ضحك ضحكة كلها استهزاء، والضحكة دي استفزت كريم أكتر. بابا قاله: “أنت جاي تقولي ميرضيكش؟ طب يرضيك أنت يا راجل يا محترم، يا اللي مكملتش شهرين جواز، تعزم بنتي على أكل كشري وعدس، وتقعد بناتها الهوانم حاطين رجل على رجل يتفرجوا على مرتك وهي بتخدمهم؟ يرضيك أمك تدخل وراها المطبخ وتقولها بنات أسيادك يقعدوا وأنتِ تخدمي ورجلك فوق رقبتك؟ هي بنتي كانت جاية من ملجأ يا كريم ولا جاية من بيت كرم وأصول؟”.

كريم اتفاجئ إن بابا عارف التفاصيل دي كلها، وملامحه اتهزت للحظة، لكنه حاول يداري وقال بلجلجة: “أمي مقالتش كده.. ندى هي اللي بتتبلى عليها عشان تطلع نفسها صح، وأمي ست كبيرة ومريضة وضغطها علي بسبب كلام ندى”.

هنا بابا صوت نبرته اتغيرت وبقت حادة وزي الموس: “بنتي مابتكدبش يا كريم، وأنا عارف أنا مربي مين كويس. بنتي دخلت بيتك بكرامتها، وخرجت منه متهانة بتهديدك ليها على السلم لما قلتلها لا أنتِ مراتي ولا أعرفك. الكلمة دي تمنها غالي أوي عندي وعندها. طالما هانت عليك بالسرعة دي عشان حلة مواعين، يبقى بنتي مكانها هنا في ح.ضن أبوها”.

كريم حس إن الموضوع بيفلت من إيده، وكبريائه اتمسح في الأرض على عتبة الباب، فقال بعصبية وزعيق: “يعني إيه يا عمي؟ أنت بتخرب على بنتك؟ أنا جوزها وكلمتي هي اللي تمشي، ولو مخرجتش معايا حالاُ ورجعت بيتها، يبقى ملوش لزوم الجوازة دي من أساسها، وأنا مش هجري ورا واحدة سابت بيتها عشان شوية شغل بيت!”.

بابا مسك مقبض الباب وبص لكريم بعينين ثابتة ومفيش فيها أي خوف، وقال بكلمات واضحة ومزلزلة: “أعلى ما في خيلك اركبه يا كريم. بنتي مش هتخرج من الباب ده إلا لما يترد اعتبارها، ويتحط شروط تضمن كرامتها وتعرف حدود أهلك فين بالظبط. والباب اللي جابك يرجعك، ومعندناش كلام تاني يتقال”.

وقبل ما كريم ينطق بحرف واحد، بابا قفل الباب في وشه بكل قوة. الصوت هز الشقة كلها. سمعت صوت خطوت كريم وهو نازل السلم بسرعة وهو بيتحلف ويشتم بصوت واطي.

خرجت من الأوضة وأنا بترعش، وجريت على بابا ارتميت في ح.ضنه وأنا بعيط وبقوله: “أنا خايفة يا بابا.. خايفة يطلقني والدنيا كلها تتكلم عليا وأنا لسه مكملتش شهرين”. بابا طبطب عليا بقوة وقال: “ماتخافيش يا ندى، كلام الناس تحت رجلينا، المهم كرامتك ونفسك. الجدع ده لو مترباش وعرف قيمتك من دلوقتي، هتعيشي طول عمرك خدامة تحت رجل أمه وبناته. سيبيه يغلي شوية، والأيام هي اللي هتعرفه قيمتك”.

فات الأسبوع الأول، ومفيش أي حس ولا خبر من كريم، ولا حتى تليفون لوالدتي. وأنا كنت قاعدة في أوضتي همو.ت من التفكير والخوف من المستقبل، لحد ما في يوم الجمعة اللي بعدها الصبح، لقيت أمي داخلة عليا الأوضة ووشها مخطوف وهي ماسكة تليفونها في إيدها وبتقولي: “الحقي يا ندى.. شوفي حماتك منزلة إيه على صفحتها على الفيس بوك والناس كلها عمالة تعمل عليها لاف وشير!”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *