حكـايه الكـردان الدهبـي بقلم منال علي 1
— «دي هـدية لأمي أنا يا حـاجة مـيرفت، مش ليكي! سيبي السـلسلة الـدهب في مـكانها وماتمديش إيدك على حـاجتي تـاني!» بقلم منــال عــلي
صوت «صفاء» قطَع هدوء الشقة زي الطلقة. كانت واقفة على عتبة أوضة نومها، وشعرها لسه مبلول وميّة الدش بتنقط على كتافها، ومش مصدقة عينيها من الصدمة. حماتها، «الحاجة ميرفت»، كانت واقفة قدام المراية بكل برود، بتلف السلسلة الدهب التقيلة حولين رقبتها وبتتفرج على نفسها بإعجاب وغرور، وعلى وشها ابتسامة نصر، وكأنها خلاص نوت تروح بيها بيتها!
— «يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم! أخيراً صَحيتي يا صفاء؟»بقلم منــال عــلي
زعقت الحاجة ميرفت بصوتها الأجش الخشن اللي يشبه صوت مبرد بيحتك بصفيحة صودا:
— «كل ده جوه البانيو؟ افتكرتك اتزحلقتي ومتي! قلت وأنا مستنياكي أنفّض الأوضة شوية.. ده إنتوا عندكم كمية تراب أثرية تنفع تتعرض في المـتحف المـصري! جالي ضيق تنفس وكان ناقص ألبس كمامة وأنا بنضف!»
بربشت صفاء بعينيها وهي بتحاول تستوعب المشهد الكابوسي ده. أوضتها — المكان الوحيد اللي كانت بتحس فيه بحريتها وخصوصيتها — بقى عامل كأنه مـقبرة فرعونية اتعرضت للـسرقة والتخريب تحت إشراف حماتها.
أما جوزها «طارق»، فكان قاعد على السرير ببنطلونه الجينز، مش مدي أي اهتمام للكارثة اللي بتحصل، وعينيه متثبتة في شاشة الموبايل وصوت ضرب النار شغال من لعبة «ببجي».
وعند المراية… كانت الحاجة ميرفت واقفة بكل هيبتها وجسمها الممتلئ، بشعرها المصبوغ لـون حنّـة ناري، وملامح وشها اللي مابتنزِلش منها كلمة رضا أبداً. وعلى رقبتها كان بيلعلع الكردان الدهب — السلسلة اللي صفاء كانت مخبياها ومحوطة عليها في قاع درج الهدوم الداخلية تحت اللبس.
وعلى التسريحة، كانت علبة القطيفة الكحلي الصغيرة مفتوحة ومرمية وفاضية. قلب صفاء اتعصر من الـحسرة والـغل 💔. دي مش مجرد قلة ذوق، دي خيانة كاملة الأركان، لزجة ومقرفة. ده غير إن ريحة الأوضة كلها كانت مقلوبة بريحة برفان صفاء الغالي «شانيل»، اللي حماتها قررت ترش منه بغباء وبدون حساب.بقلم منــال عــلي
— «دي هدية عيد جواز أمي، إنتي فاهمة؟»
صوت صفاء كان بيترعش من الغضب، بس كل كلمة كانت طالعة حادة وصريحة:
— «اقلعي السلسلة دي حالاً، وحطّيها في علبتها، وماتلمسيش أي حاجة تخصني تاني!»
الحاجة ميرفت حتى ماكلفتش نفسها تبص لها بنظرة عتاب. وبكل برود العالم، لفت ببطء وهي بتمسح بصباعها على فصوص الدهب اللامعة، وبتبص لرقبتها في المراية بنظرة كلها طمع:بقلم منــال عــلي
— « جرى إيه يا صفاء؟ هي دي التربية برضه؟ حد يكلم حماته بالطريقة دي؟ أنا مـافتشّتش في حاجتك يا حبيبتي.. أنا كنت بمسح التراب، لقيت العلبة القطيفة دي مواربة، فقلت تلاقيها كرتونة وبقايا زبالة وكنت هرميها.. بس لما فتحتها ولقيت التحفة دي، قلت خسارة تترمي أو تتبهدل!»
— «تراب؟! في درج لبسي الداخلي؟! إنتي بتتكلمي بجد يا حاجة؟»
صرخت صفاء وهي بتفقد أعصابها:بقلم منــال عــلي
— «إنتي فتحتي الكومودينو بتاعي، وفتشتي في حاجتي الخاصة جداً، وطلعتي العلبة وقستيها! إنتي عارفة السلسلة دي بكام؟ أنا قعدت أحوش تمنها تلات شهور من شغل برة وجوه ومن مصروفي!»
«طارق» رفع عينه من على الموبايل ببرود وضيق وقال:
— «جرى إيه يا صفاء، ما تلمي نفسك وماتصوتيش! أمي بتقيسها بس مش أكتر، بلاش تضخيم للأمور وحركات النكد دي.. سيبيها تفرح شوية، في الأول والآخر حتة دهبة يعني!»
— «حتة دهبة؟! دي هديييية! لأمييي! في عيد جوازها وسنها ده!»بقلم منــال عــلي
خطت صفاء خطوة ناحيته وهي بتشاور بصابعها:
— «أمي لسه ماشافتهاش ولا لبستها! وأمك خلاص غرقتها عرق ورشت عليها نص إزازة برفاني الشانيل!»
لوت الحاجة ميرفت بوزها وقالت وهي بتظبط السلسلة على رقبتها:
— «عرق إيه يا مقصوفة الرقبة إنتي! ده أنا لسه مستحمية الصبح! وبعدين آه، رشيت رشتين من برفانك.. ريحته حلوة ومناسبة ليا، أصل الشانيل ده تقيل عليكي وبيبقى باين رخيص، إنما عليا أنا عاطيني فخامة ووجاهة اجتماعية كده!»
صفاء ضغطت على سنانها وقفلت قبضة إيدها جامد. وسط بخار الحمام السخن المكتوم في الشقة، وخلطة الروائح المزعجة، حست بصداع هيموتها.
وقفت ومدت إيدها وقالت بصوت ميت وفيه تهديد واضح:
— «اقلعيها.. دلوقتي حالا!»
— «مش قالعاها!»بقلم منــال عــلي
الحاجة ميرفت ماتحركتش من مكانها، بل بالعكس، رفعت راسها لفوق وثبتت السلسلة أكتر على صدرها:
— «وبعدين أمك ست غلبانة وبسيطة، هتلبس دهب تقيل ومحمل زي ده تروح بيه فين؟ دي ممكن تضيعها أو تقع منها وتتسرق.. إنما أنا أقدر قيمتها ومقامي يلبس الحاجات دي. ده أنا لو روحت بيها فرح بنت خالتك الأسبوع الجاي، النسوان كلها عيونها هتطلع عليها! وهقولهم دي هدية من مرات ابني حبيبتي، والكل هيحسدك عليا!»
— «ملكيش دعوة بأمي تلبس إيه وماتلبسش إيه!»
صفاء كانت خلاص على شفا الانفجار:بقلم منــال عــلي
— «دي حاجتها وهديتها ورجعيها فورا!»
تدخل طارق تاني وهو بيهز كتافه بلامبالاة:
— «جرى إيه يا صفاء؟ ما تشتري لأمك حلة ضغط تيفال ولا عجان كهربائي وخلاص؟ أهو ينفعها في المطبخ.. وأمي خلاص السلسلة لايقة عليها وعجباها، سيبيها لها وابقي اشتري لأمك أي حاجة تانية، لسه فيه وقت على الزيارة!»
الكلمتين دول نزلوا على قلب صفاء زي مية نار 🔥. حست إن فيه حاجة جواها اتمزعت ومبقتش قادرة تلمها. والحاجة ميرفت لما لقت ابنها معاها، ابتسمت بانتصار وشماتة:
— «شايفة يا بنتي؟ جوزك هو اللي بيفهم وراجل عاقل وسيد الرجالة!»
وقالت بنبرة سخرية:بقلم منــال عــلي
— «أمك هتفرح بأي حلة تيفال ولا طقم كوبايات، إنما أنا غاوية الحاجه القيمة والنضيفة.. اتعلمي الأصول بقى!»
— «أنا مش بخيلة.. أنا صاحبة حق!»
صفاء اتكلمت بصوت واطي ومخيف وهي بتبص لطارق:
— «وبقولها للمرة الأخيرة.. اقلعي السلسلة دي يا حاجة. يا إما تتدخل يا طارق وتخلي أمك تقلعها بنفسها!»
— «ماتعليش صوتك عليا وماتؤمرنيش يا بت إنتي!»
قطعت الحاجة ميرفت الكلام بزعيق وردح:
— «ده إنتي حتة عيلة مفعوصة! أنا شيلت جوزك ده على كتافي وربيت وكبرت قبل ما إنتي تتولدي أصلاً! وليا حق في كل قرش وكل حاجة في البيت ده غصب عنك!»
الحاجة ميرفت مسكت شنطتها الكبيرة بـعنف، حطتها على كتفها وبدأت تتحرك ناحية الباب الخارجي للشقة، والكردان الدهب على رقبتها بيلمع وبيستفز صفاء.
لكن صفاء بسرعة البرق جريت ووقفت سد قدام الباب، وقفلت الضفتين بإيدها ورجلها:بقلم منــال عــلي
— «ورحمة أبويا ما حد خارج من الشقة دي إلا لما السلسلة دي تقلع وتتحط في علبتها!»
برقت الحاجة ميرفت عينيها اللي غرقانة كحل سايح بفعل العرق وقالت بغل:
— «بقى بتبخلي عليا يا جـلدة؟ يا جربوعة؟ بتبخلي على أم جوزك بسلسلة؟ لولايا أنا ولولا رضاي، ما كان ابني بصلك ولا اتجوزك أصلاً! ده أنا كنت واقفة ضد الجوازة دي بكل قوتي! وكنت بقوله يا واد خد “نرمين” بنت طنط هدى، ست الصون والعفاف والجمال.. لكن بختي المايل رماني على واحدة بخلية ومابتمرش فيها اللقمة وهتموت على حتة دهبة!»
وقبل ما الحاجة ميرفت تنطق بكلمة زيادة، صفاء مدت إيدها فجأة ناحية رقبتها.
في ثانية واحدة، اتشد الكردان الدهب بقوة… وانقطع.
حبات الدهب اتناثرت على أرضية الصالة بصوت رنان، وساد صمت مرعب في الشقة كلها.
الحاجة ميرفت شهقت وحطت إيدها على رقبتها: — «إنتِ اتجننتي؟!»بقلم منــال عــلي
أما طارق فقام من على السرير لأول مرة، ووشه قلب ألوان: — «صفاء! إنتِ عملتي إيه؟!»
لكن صفاء ما بصتلهمش.بقلم منــال عــلي
كانت واقفة مكانها، وعينيها متعلقة بحاجة واحدة بس…
ورقة مطوية صغيرة كانت مخبية جوه بطانة علبة الكردان، ووقعت على الأرض مع حبات الدهب.
ورقة عمرها ما شافتها قبل كده.
ورقة خلت لون وش طارق يختفي تماماً…
ولأول مرة، الحاجة ميرفت نفسها ارتعبت.
لأنها عرفت بالضبط إيه المكتوب فيها…
يتبع…..