حكـايه الكـردان الدهبـي بقلم منال علي 2
الورقة دي كانت كفيلة تخلي الدم يتجمد في العروق. الصمت اللي نزل على الصالة كان تقيل ومكتوم، لدرجة إن طقطقة الخشب وصوت المياه اللي لسه بتنقط من شعر صفاء كان مسموع بوضوح. صفاء وطّت ببطء، دقات قلبها كانت بتدب في صدرها زي طبلة حرب. مدّت إيدها المرتعشة ولمت الورقة من وسط فصوص الكردان المكسور اللي مالي الأرض. بقلم منــال عــلي
طارق في لحظة واحدة اتحول من البرود واللامبالاة لواحد ميت في جلده. رمى الموبايل على السرير، وخطى خطوة سريعة ناحيتها وعينيه مبرقة:
— «صفاء! هاتي الورقة دي! دي.. دي حاجات قديمة وشغل ورق ومستندات تبع الشغل، ماليش دعوة بيها إنتي!»
بس صفاء ما سمعتلوش. فردت الورقة اللي كانت مطوية أربع تربع، ومكتوبة بخط إيد مهزوز بس واضح. عينيها بدأت تتحرك على السطور، ومع كل سطر كانت ملامحها بتتصلب، والدموع المحبوسة في عينيها بتتحول لشرار.
الورقة كانت عبارة عن “وصل أمانة” ومصحوب بإقرار تنازل. بس مش أي تنازل. ده إقرار موقع من طارق، ومبصوم فيه بالعشرة، بيبع فيه نصيب صفاء في شقة الزوجية — اللي أبوها دفع نص تمنها كاش وقت الجواز وكتبوه باسمها — لحماتها “الحاجة ميرفت”! ومكتوب في آخر الورقة بخط حماتها الواضح والمميز: «يتم التنفيذ والاشهار بعد سنة من الجواز أو عند أول خناقة كبيرة عشان نطردها بالهدوم اللي عليها».بقلم منــال عــلي
صفاء رفعت راسها وبصت لطارق بنظرة ذهول وقرف، كأنها بتكتشف كائن مسخ لأول مرة:
— «تبيعوني وتتآمروا عليا في أوضتي؟ شقتي؟ فلوس أبويا الشقيان اللي مات وهو بيأمنلي مستقبلي؟ إنتوا إيه يا فجرة؟! إنت إيه يا طارق؟ ده أنا كنت فاكراك سلبي وبس، طلعت حرامي وندل وخاين!»
الحاجة ميرفت، رغم الرعب اللي ظهر في عينيها لثانية، رجعت بسرعة لوشها الخشب وردحها المعهود. ظبطت طرحتها وصرخت وهي بتشاور بإيدها المحملة غوايش:
— «جرى إيه يا بت إنتي؟ خاين إيه وحرامي إيه؟ ده حق ابني وشقاه! إحنا كنا بنأمن نفسنا من عقربايتك وبخلك! وبعدين الشقة دي شقة ابني، وهو الراجل والكل في الكل، والست الأصيلة مادتورش ورا جوزها وتعملي فيها مفتش مباحث!»بقلم منــال عــلي
طارق حاول يداري خيبته وبجاحته، قرب من صفاء وحاول يمسك دراعها:
— «يا صفاء افهمي بس.. أمي كانت خايفة عليا، والورقة دي كانت مجرد ضـمان، يعني مش هنستخدمها إلا لو إنتي قصرتي معايا.. إنتي عارفة السوق والظروف..»
صفاء نفضت إيده بعنف وصرخت بصوت زلزل جدران البيت:
— «ماتلمسنييييش! ظروف إيه وضمان إيه يا رخيص؟! إنت وأمك كنتوا بتخططوا تسرقوني وترموني في الشارع! الكردان الدهب اللي أمك كانت هتموت عليه ده، كان الغمامة اللي ربنا شالها من على عيني عشان أشوف حقيقتكم الزبالة!»
الحاجة ميرفت لوت بوزها وقالت بغل:بقلم منــال عــلي
— «أهو بان على أصلك يا جربوعة! طالما اللعبة اتكشفت بقى.. وريني هتعملي إيه؟ الشقة دي مش هتخرجي منها إلا بورقة طلاقك، والورق ده مبلول واشربيه ميتو، طارق موقع وباصم، والناس كلها عارفة إنك نكدية ومقصرة في حق جوزك وبيتك!»
صفاء ضحكت ضحكة هستيرية، دموعها نزلت بس كانت ضحكة قوة مش ضعف. مسحت دموعها بظهر إيدها، وبصت للورقة وشالتها في جيب روب الحمام المحكوم. وبصت للدهب المتطور على الأرض:
— «الدهب ده يتلم حتة حتة.. وتمن الكردان ده هيتدفع تمنه كاش دلوقتي حالا، وإلا وقسماً بالله، وبحق حرقة قلبي على شقى عمري وهدية أمي، لأكون مبلّغة بالورقة دي وبكل حاجة، وهعملكم فضيحة في المنطقة تخليكم ماتعرفوش تمشوا في الشارع وسط الناس!»بقلم منــال عــلي
الحاجة ميرفت اتزنزرت مكانه، وبصت لابنها اللي كان واقف زي الفراخ المبلولة مش عارف ينطق. طارق بلع ريقه وصوته طلع مبحوح:
— «خلاص يا صفاء.. خلاص، هاتي الورقة وأنا هشتريلك كردان جديد لأمك، وهقطع الورقة دي قدام عينيكي.. بلاش خراب بيوت..»
— «بيوت؟!» صفاء ردت ببرود قاتل وهي بتفتح باب الشقة على آخره:بقلم منــال عــلي
— «البيت ده اتهد من يوم ما دخلته أمك وفتشت في خصوصيتي، ومن يوم ما إنت وافقتها تسرقني. اطلعي برة يا حاجة ميرفت.. برة! مش عايزة أشوف وشك هنا تاني. وطارق.. إنت قدامك ساعتين بالظبط، تلم فيهم هدومك وحاجتك، وتطلع ورا أمك. والورقة دي؟ دي هتبقى في حرز حريز مع المحامي بتاعي، وقض*ية الخلع والتبديد هتترفع الصبح!»
الحاجة ميرفت حست إن هيبتها اتمسحت بالأرض، بس كبريائها منعها تعتذر. وطّت بسرعة وهي بتبرطم، لمت فصوص الدهب المكسور من على الأرض وحطتها في شنطتها بعنف، وبصت لصفاء ونفخت:
— «غورى داهية تاخدك وتاخد شكلك! ابني ألف مين تتمناه، “نرمين” بنت طنط هدى مستنياه بفلوسها وجمالها وأصلها، مش واحدة زيك مابتعرفش تحترم الكبار!»، وخرجت ورزعت الباب وراها وهي بتجر رجليها.بقلم منــال عــلي
طارق وقف يبص لصفاء، يحاول يستعطفها بعينيه، بس لقى قدامه سد منيع، وش ماليان قرف وحسم. صفاء شاورتله على الأوضة وقالت بكلمتين ملهمش تالت:
— «شنطتك.. وساعتين. مش عايزة أسمع صوتك.»
دخلت صفاء أوضتها وقفت الباب وراها بالمفتاح. قعدت على السرير، وبصت للمراية اللي كانت حماتها واقفة قدامها من شوية. حست بنضافة في الهوا رغم ريحة الشانيل المقلوبة. رمت الورقة على السريحة، واتنفست لأول مرة من سنة كاملة.. نفس طويل وعميق، وهي عارفة إن كرامتها وهدية أمها رجعوا، وإن “كردان الدهب” المكسور كان هو التمن اللي دفعته عشان تشتري بيه حريتها وباقي عمرها.